بقلم: عبدالعزيز ملوك
في خضم التجاذبات الدولية داخل مجلس الأمن، أثبتت الدبلوماسية المغربية مرة أخرى أنها لا تدار برد الفعل، بل بمنطق الاستباق وقراءة الحدث ما وماذا بعد الحدث.
لقد شهدت أروقة مجلس الأمن خلال الأيام الماضية فصلا جديدا من فصول قضية الصحراء المغربية. حيث تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع قرار يدعم مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي وذي مصداقية لإنهاء النزاع المفتعل. وهو المشروع الذي كان من شأنه أن يعزز المكتسبات الدبلوماسية التي حققتها المملكة في السنوات الأخيرة.
إلا أن روسيا استخدمت حق النقض “الفيتو” وأسقطت المشروع الأمريكي. وهنا اعتقد خصوم الوحدة الترابية للمملكة في قصر المرادية، أنهم حققوا نصرا دبلوماسيا. لكن ما لم يفهموه وهم في “سكرهم” “وسكراتهم” يعمهون هو أن هذا الفيتو كان متوقعا ومحسوبا في العقل الدبلوماسي المغربي.
عندما قدمت روسيا مشروعها المضاد الذي يدعو إلى العودة للصيغة القديمة لبعثة المينورسو، سقط هو الآخر لعدم حصوله على الأصوات اللازمة داخل المجلس. فدخلت القضية في فراغ قانوني غير مسبوق…
وهنا تكمن عبقرية الدبلوماسية المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله.
فانتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة دون تجديده، بسبب الفيتو المتبادل، لا يعني الفوضى كما روج البعض، بل يعني قانونيا الدخول في مسطرة تصفية البعثة وانسحابها. أي أن الصحراء لم تعد منطقة نزاع تديرها الأمم المتحدة، بل أصبحت أرضا مغربية خالصة سياديا وميدانيا، تديرها الدولة المغربية بشكل سيادي كامل ومكمول.
هكذا حول المغرب الفيتو الذي أريد به إحراجه، إلى أداة لتحقيق السيادة الكاملة. فبينما فرح الخصوم بإسقاط قرار، خسروا الإطار الأممي برمته الذي كانوا يراهنون عليه لعقود.
إنها ليست مجرد مناورة دبلوماسية، بل هي مدرسة في التخطيط الاستراتيجي الملكي المغربي،د التي تستحق أن تدرس، فالسياسة ليست في كسب معركة إعلامية عابرة، بل في كسب الحرب القانونية والسياسية على المدى الطويل.
ومن هنا، فإن على الدبلوماسية الجزائرية بأن “تضع آلة حاسبة أمامها” وتعيد حساباتها وتفتح صفحة جديدة مع المملكة المغربية، صفحة التعاون والتكامل الاقتصادي لأن لغة الحسابات الضيقة والفرح اللحظي لا تصنع موقفا دوليا، بينما الرؤية الملكية البعيدة هي من صنعت وستصنع تاريخ وحاضر ومستقبل الشعبين المغربي والجزائري، لأن المغرب من طنجة إلى الكويرة جزء واحد لا يمكن أبدا أن يتجزأ، والذكاء الدبلوماسي هو سلاح السيادة.