حلم الهجرة والانتحار على أرض الغربة

بقلم: الحسن لهمك

حلم الهجرة وتغيير الأوطان في سبيل تحقيق حياة أفضل ورغد العيش، هاجس يراود الكثير من الطامحين في مختلف بلدان العالم. ولعل التاريخ البشري قد سجل في صفحاته موجات هجرة ورحلات جماعية لشعوب عديدة، دفعتها ظروف اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية إلى البحث عن واقع أفضل.

لكن دعونا نتحدث عما حدث بالمغرب خلال الأيام الأخيرة، حيث توجهت أعداد كبيرة من الشباب المغربي، خاصة في شمال المملكة، نحو مدينة سبتة، في مشهد أثار كثيرًا من التساؤلات حول أسبابه ودلالاته.

وقد يصعب الإحاطة بجميع العوامل التي تقف وراء هذه الظاهرة، لكن، ومن باب ما لا يُدرك كله لا يُترك جله، يمكن الوقوف عند بعض الأسباب البارزة. فقد خاض المغرب خلال العقود الأخيرة مسيرة تنموية شملت مجالات اجتماعية واقتصادية متعددة، غير أن هذه المسيرة، في نظر فئة واسعة من الشباب، لم تنجح في تحقيق تطلعاتهم، ولم يجنوا منها إلا مكاسب محدودة لا ترقى إلى مستوى انتظاراتهم.

ويعزو كثيرون ذلك إلى استمرار مظاهر الفساد التي تحد من فعالية عدد من المبادرات التنموية، وتسهم في إفراغها من أهدافها، بما يسمح بتحويل جزء من ثمارها إلى مصالح ضيقة، بدل أن تنعكس آثارها بشكل ملموس على الفئات التي هي في أمسّ الحاجة إليها.

ولا يصل إلى الطبقات الفقيرة، في كثير من الأحيان، سوى جزء يسير من ثمار التنمية، بينما تستمر الوعود والشعارات دون أن تُترجم، بالقدر الكافي، إلى تحسن ملموس في مستوى العيش أو في جودة الخدمات الاجتماعية، فيصدق في ذلك المثل القائل: “أسمع جعجعة ولا أرى طحينًا.”

وفي هذه الحالة، ومع طول انتظار الشباب وتزايد شعورهم بخيبة الأمل في تحقيق تنمية حقيقية تستجيب لتطلعاتهم في فرص الشغل، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وصون كرامتهم، يجد بعضهم نفسه فريسة للإحباط، ويتجرع مرارة الواقع.

ولذلك لا يرى بعض الشباب أمامه سوى الهجرة، ولو عبر طرق محفوفة بالمخاطر، بحثًا عن مستقبل يعتقد أنه سيمنحه فرصًا أفضل للعيش الكريم، وعدالةً أكبر، وسيادةً للقانون، ومحاربةً للفساد، وتعليمًا وخدماتٍ اجتماعيةً أكثر جودة، واحترامًا لكرامة الإنسان.

وتظل هذه المقومات من أهم ركائز بناء مجتمع أكثر إنصافًا وتماسكًا، كما أنها من أبرز تطلعات الشباب، الذين يتطلعون إلى تنمية تجعل الإنسان في صلب الأولويات، وتحقق التوازن بين الاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الكبرى، وبين توفير فرص العيش الكريم وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وفي المقابل، ينبغي على الجميع التحلي باليقظة، خاصة في ظرفية إقليمية ودولية دقيقة، يواجه فيها المغرب تحديات متعددة، ويتعرض لمحاولات تستهدف تشويه صورته واستغلال بعض الأحداث خارج سياقها، عبر نشر الإشاعات وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، والسعي إلى تأليب بعض المواطنين على وطنهم وخدمة أجندات لا تخدم مصالحه.

ويبقى الرهان الحقيقي هو تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتسريع وتيرة الإصلاح، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والعدالة الاجتماعية، بما يعيد الأمل إلى الشباب ويجعلهم شركاء في بناء وطنهم، بدل البحث عن مستقبل مجهول قد ينتهي، في كثير من الأحيان، بمآسٍ لا تُحمد عقباها.

تعليقات (0)
اضافة تعليق