حين يصوّت الشباب للبحر… تسقط كل الخطب

بقلم: مراد مجاهد

في مقالنا السابق انتهينا إلى أن المغرب لا يعيش أزمة رجال بقدر ما يعيش أزمة سياسة، وأن السؤال الحقيقي ليس من سيجلس على كرسي رئاسة الحكومة، بل لماذا أصبحنا، مع كل محطة انتخابية، نبحث عن اسم جديد بدل أن نبحث عن أحزاب قادرة على إنتاج الأمل. ولم يكن الحديث عن فوزي لقجع حديثًا عن شخصه، بقدر ما كان محاولة لفهم ظاهرة سياسية آخذة في الاتساع؛ فكلما تراجعت ثقة شريحة من المواطنين في الأحزاب، ارتفع منسوب الرهان على الأفراد، وكلما ضعفت المؤسسات الحزبية، ازداد الاعتقاد بأن الخلاص قد يأتي من رجل واحد. غير أن الأمم لا تُبنى بالرجال وحدهم، وإنما تُبنى بسياسات تصنع الرجال، وبمؤسسات تجعل نجاح الدولة أكبر من نجاح أي فرد.

لقد تعاقبت على المغرب تجارب حكومية مختلفة، ويرى كثير من المتابعين أن المواطن ما يزال يطرح السؤال نفسه: أين انعكاس كل ذلك على حياته اليومية؟ فالمغاربة لا يقيسون نجاح الحكومات بعدد البلاغات، ولا ببلاغة الخطابات، ولا بحجم المؤشرات الاقتصادية المجردة، وإنما بما يلمسونه في قدرتهم على العيش الكريم، وفي فرص الشغل، وفي جودة المدرسة والمستشفى، وفي شعورهم بأن أبناءهم سيجدون مستقبلًا داخل هذا الوطن لا خارجه. وحين لا يجد جزء من المواطنين جوابًا مقنعًا، يبدأ في البحث عن جواب آخر، لا في صناديق الاقتراع هذه المرة، بل في أسماء يعتقد أنها تمتلك القدرة على الإنجاز، ولو جاءت من خارج المسار الحزبي التقليدي.

ولعل هذا ما يفسر الحضور المتكرر لاسم فوزي لقجع في النقاش العمومي. فالرجل ارتبط، في نظر كثيرين، بصورة المسؤول الذي ينجز أكثر مما يتحدث، غير أن تحويل هذا الانطباع إلى مشروع سياسي يظل سؤالًا أعقد بكثير من مجرد المقارنة بين الأشخاص. فالحكومة ليست مؤسسة تقنية، ولا إدارة مالية، ولا جامعة رياضية، وإنما فضاء تتقاطع فيه المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتحتاج فيه الكفاءة إلى سند سياسي، كما تحتاج فيه القرارات الصعبة إلى أحزاب تمتلك القدرة على الإقناع والتأطير وتحمل المسؤولية. أما إذا أصبحت الدولة، في كل مرحلة، مضطرة إلى البحث عن شخصية استثنائية لإنقاذ المشهد، فإن السؤال ينبغي أن يتجه إلى الأحزاب قبل أن يتجه إلى الأفراد.

لقد أعاد خطاب العرش الأخير ترتيب الأولويات الوطنية بوضوح، فجعل تحسين معيش المواطن، وتعزيز العدالة المجالية والاجتماعية، وترسيخ الاستثمار، وضمان التدبير الرشيد للموارد، في قلب المرحلة المقبلة. وهي أهداف لا يختلف حولها اثنان، لكنها في الوقت نفسه تضع الجميع أمام امتحان صعب؛ لأن نجاحها لن يقاس بما يكتب في التقارير، وإنما بما يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فحين تتحسن القدرة الشرائية، وتضيق دائرة البطالة، ويستعيد الشباب ثقتهم في المستقبل، يمكن القول إن السياسة أدت وظيفتها. أما إذا بقيت المؤشرات تتحسن على الورق بينما يشعر كثير من المواطنين بأن واقعهم اليومي لم يتحسن بالقدر المأمول، فإن النقاش حول نجاعة السياسات العمومية سيظل حاضرًا.

ولعل المشهد الذي عاشته سبتة في الأيام الأخيرة يلخص هذه المعضلة أكثر من آلاف الخطب والندوات. فحين يختار عدد من الشباب أن يواجهوا البحر، وأن يغامروا بحياتهم في سبيل الوصول إلى الضفة الأخرى، فإن المسألة لا تعود مجرد قضية هجرة غير نظامية أو تحدٍ أمني أو ملف دبلوماسي، بل تصبح أيضًا مناسبة للتساؤل حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع بعضهم إلى المجازفة. فالهجرة ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل كثيرة، لكن من الصعب تجاهل أن شعور بعض الشباب بانسداد الأفق أو محدودية الفرص قد يكون، في حالات عديدة، أحد الدوافع التي تغذي هذا الخيار المؤلم. إنهم لا يغادرون الوطن بالضرورة رفضًا له، وإنما قد يغادره بعضهم بحثًا عما يعتقد أنه فرصة لحياة أفضل.

ولهذا فإن أخطر استفتاء يمكن أن تواجهه أي سياسة ليس ذلك الذي يجرى أمام مكاتب التصويت، بل ذلك الذي يجرى على الشواطئ. فصندوق الاقتراع يمنح الحكومات شرعيتها الديمقراطية، أما مشاهد القوارب التي تغادر السواحل، فهي تدفع إلى طرح أسئلة عميقة حول مقدار الأمل الذي يشعر به الشباب في مستقبلهم داخل وطنهم. وكل شاب يغامر بحياته في البحر لا يمثل رقمًا جديدًا في إحصاءات الهجرة فحسب، بل يذكرنا بأن بناء الثقة في المستقبل يظل أحد أكبر التحديات التي تواجه أي سياسة عمومية.

من حق الأحزاب أن تطلب أصوات المواطنين، فهذا جوهر الديمقراطية، لكن من حق المواطنين أيضًا أن يسألوا الأحزاب عن حصيلة برامجها، وعن مدى وفائها بما التزمت به، قبل أن تطلب منهم تجديد الثقة. فالثقة لا تُكتسب بالشعارات وحدها، وإنما تُبنى بالإنجاز، ولا تُقاس بكثرة المهرجانات، بل بقدرة السياسات العمومية على أن تمنح الشباب أسبابًا كافية لبناء مستقبلهم داخل وطنهم.

ولذلك فإن النقاش حول اسم رئيس الحكومة المقبل، مهما بلغت أهميته، سيظل ناقصًا إذا لم يسبقه نقاش أعمق حول السياسة نفسها. فالمغرب لا يحتاج إلى بطل جديد كل خمس سنوات، بل يحتاج إلى حياة حزبية تستعيد معناها، وإلى مؤسسات تنتج الكفاءات بصورة طبيعية، وإلى سياسات تجعل الوطن مكانًا لتحقيق الأحلام لا محطة انتظار للهجرة. وعندما يصبح الشاب مقتنعًا بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا، لن يعود البحر منافسًا للوطن، ولن يكون اسم من يقود الحكومة هو السؤال الأكبر، لأن قوة الدول لا تُقاس بقدرة قادتها على إدارة الأزمات فقط، بل بقدرتها على بناء الثقة، وترسيخ المؤسسات، وفتح آفاق الأمل أمام أجيالها.

تعليقات (0)
اضافة تعليق