بالواضح – الرباط
منذ توليه حقيبة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، ومهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، في 16 أكتوبر الماضي، بدأ سمير بلفقيه يلفت انتباه المتتبعين للشأن العام والحكومي، ليس فقط من خلال حضوره على رأس قطاع وزاري، وإنما أيضاً عبر الطريقة التي اختار بها تدبير موقعه التواصلي داخل الحكومة، في مقاربة تبدو مختلفة عن النمط الذي اعتاده المغاربة مع عدد من أسلافه في هذه المهمة.
فالرجل لا يبدو معنياً بحصر وظيفة الناطق الرسمي في عرض خلاصات اجتماعات مجلس الحكومة الأسبوعية، أو انتظار انعقاد المجلس ليعلن المواقف الرسمية للسلطة التنفيذية، بل يتجه نحو تكريس حضور تواصلي أكثر مبادرة، يتفاعل مع الأحداث والمستجدات، ويحرص على تقديم التوضيحات والمواقف الحكومية كلما برزت حاجة إلى ذلك.
وقد ظهرت ملامح هذا التوجه منذ الساعات الأولى لتوليه المسؤولية، إذ لم يفصل بلفقيه بين موقعه الوزاري ومهمته التواصلية، بل حرص على الحضور في واجهة النقاش العمومي، مستثمراً صفته ناطقاً رسمياً لتقديم الموقف الحكومي بشأن القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام.
ولعل آخر تجليات هذا الأسلوب، وليس آخرها بالضرورة، تصريحه الأخير بشأن بلاغ الديوان الملكي، الذي أعقب التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية. فقد سارع بلفقيه إلى تقديم قراءة الحكومة لمضامين البلاغ ودلالاته السياسية والدبلوماسية، مستحضراً السياق التاريخي للمحطات التي عرفتها القضية الوطنية، ومبرزاً ما يعنيه هذا التطور بالنسبة إلى التوجه الحكومي في المرحلة المقبلة.
واللافت في هذه المحطة ليس مضمون التصريح وحده، وإنما توقيته أيضاً؛ إذ لم ينتظر الناطق الرسمي انعقاد مجلس حكومي حتى يقدم موقف السلطة التنفيذية، بل اختار التواصل المباشر مع الرأي العام، بما يجعل وظيفة الناطق الرسمي أقرب إلى مواكبة مستمرة للنقاش العمومي، بدل اقتصارها على التواصل المرتبط بالاستحقاقات المؤسساتية الدورية.
وهنا تحديداً تبرز خصوصية المقاربة التي ينهجها بلفقيه؛ فهو يتعامل مع التواصل الحكومي باعتباره وظيفة متصلة بإيقاع الأحداث وانتظارات المواطنين، وليس مجرد محطة أسبوعية مرتبطة بجدول أعمال مجلس الحكومة. وهي مقاربة تندرج ضمن التحولات التي تعرفها الممارسة التواصلية الحديثة، حيث لم يعد الصمت المؤسساتي أو انتظار المواعيد الدورية كافياً لمواكبة سرعة تداول الأخبار واتساع دائرة النقاش العمومي.
وبعيداً عن الحكم المبكر على هذه التجربة، التي ما تزال في بدايتها، فإن ما يثير الانتباه هو انتقال الناطق الرسمي من منطق انتظار السؤال إلى منطق المبادرة بالتوضيح، ومن التواصل المناسباتي إلى الحضور المتفاعل مع المستجدات. وهو تحول يضع أيضاً على عاتق الناطق الرسمي مسؤولية الحفاظ على الدقة والانسجام في نقل المواقف الحكومية، حتى لا تتحول سرعة التواصل إلى بديل عن وضوح الموقف المؤسساتي.
وبين حقيبته الوزارية ومهمته التواصلية، يكرّس سمير بلفقيه حضوراً حكومياً يتجاوز حدود التصريحات المرتبطة بالمواعيد المؤسساتية، نحو تواصل أكثر التصاقاً بإيقاع الأحداث وانتظارات الرأي العام. فالمبادرة إلى تقديم الموقف الرسمي في الوقت المناسب لا تقتصر على إطلاع المواطنين على توجهات الحكومة، بل تسهم أيضاً في تضييق مساحة التأويل، وتفادي الفراغ الذي قد يغذي الالتباس أو يفتح الباب أمام توترات واحتقانات محتملة. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة بلفقيه متجهة نحو إضفاء نفس جديد على وظيفة الناطق الرسمي، قوامه الحضور حين تقتضي اللحظة، والتوضيح حين تبرز الحاجة، وجعل التواصل الحكومي أداة للمواكبة والاستباق، لا مجرد استجابة متأخرة لتساؤلات الرأي العام.
