من أجل فهم حقيقي لحملة “لوموند” على المغرب

بقلم: لحسن الجيت
تعمدت جريدة “لوموند” الفرنسية أن تشن اليوم حملة مسعورة على المملكة المغربية في توقيت أقل ما يقال عنه إنه مشبوه. لا يمكن فهم أسباب وأبعاد أي نشاط سياسي أو إعلامي من دون ربطه بالظرفية والملابسات المحيطة به، لأنها تعتبر أساسية وضرورية لقراءة موضوعية حتى يتسنى تفسير وفهم الحدث موضوع البحث. فالقراءات المعزولة غالبا ما تؤدي إلى الضياع والخروج باستنتاجات تكون أبعد عن المواقف المراد تشريحها.
الحملة المشبوهة كما نشرتها تلك الجريدة في حلقات متتالية ليست بريئة، لا في مضمونها ولا في توقيتها، وتفضي إلى خلاصات كلها افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان، بقدر ما هي نتاج خط تحريري يحمل أصلا جينات ذلك التحامل المجاني على المغرب. لذلك، فقراءتها لبعض الوقائع كما تزعم، هي قراءة بعيدة عن الموضوعية. ومن بين تلك الخلاصات الغريبة القول إن الملكية في بلادنا مهددة أكثر من ذي قبل.
قبل الرد على هذه الخرجة الإعلامية غير المحسوبة، والتي تفتقر إلى المهنية بسبب الكيدية التي يحتفظ بها بعض أقلام هذه الجريدة الفرنسية، لابد من التساؤل: ما سندها في خلاصات لا يقبل بها عاقل ولا تحليل متماسك؟ ومن الذي حملها على هذه المجازفة؟ إن منطلقاتها غير منسجمة مع ما يفترض فيه أن يكون سببا موضوعيا يفضي إلى نتيجة حتمية ومعقولة. فالجريدة تبني حججها الواهية على خلاصات مفادها أن إدارة الشأن العام في المغرب تتم بنوع من الازدواجية المتناقضة، أي كما تدعي، بين الحداثة والمحافظة. وكأن تلك الجريدة تريد أن تقول لنا إن في ذلك تناقضا صارخا لا يمكن أن يوفر للمستقبل ضمانات الديمومة والاستمرارية.
هذا القول مردود عليه بحجة أن طبيعة المغاربة ونمط تفكيرهم قائم بالأساس على تلك الازدواجية، بل أكثر من ذلك على التعددية. فليس الملك وحده يجمع بين هذه الازدواجية، بل جميع المغاربة في لباسهم وبيوتهم وعمرانهم يجمعون بين ما هو حداثي وما هو محافظ. ملك البلاد، كبقية رعاياه، يرتدي اللباس التقليدي ويتزين به في مناسبات وطنية ودينية. وفي المقابل، له من اللباس العصري ما يعكس الجمالية والتناغم، بل يختار أيضا ألوانا إفريقية تؤكد على قناعته الإفريقية. ويصعب على تلك الجريدة أن تفهم بأن الازدواجية تقترن بالوسطية والاعتدال في إدارة شؤون الدولة وقضايا عموم المغاربة، من قبيل الأحوال الشخصية عبر نقاش وطني مفتوح بخصوص تعديل مدونة الأسرة، التي جمعت بين أصول الشريعة والحداثة. ولذلك، فإن العقلية الفرنسية أبعد بكثير من أن تستوعب هذا الاعتدال والوسطية، وتكتفي بفهم ضيق وخلاصات بسيطة تحصرها في الازدواجية والتناقض، بينما هي في الأصل انسجام وتطابق في إطار التعددية لمن لديه استعداد للفهم.
تتبجح أيضا الجريدة الفرنسية في محاولة لتقديم الدليل على واقع لا تراه إلا هي، وهو أن المسار السياسي الذي عرفته بلادنا مشهد سياسي متحكم فيه يشتغل “بالروموت كنترول”. وفي هذا السياق، تسرد تلك التطورات التي أصبحت متجاوزة، بدءا من عام 2011 المرتبط بما سمي بالربيع العربي، مرورا بالعشر سنوات التي تولى فيها حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة.
في هذا الصدد، تعمدت الجريدة أن تشكك في تلك التحولات السياسية بنية خبيثة يراد بها الإساءة لمسار سياسي متميز، ليس له مثيل في المنطقة العربية وفي ظرفية جد حساسة قلبت الموازين وأحدثت حالة من عدم الاستقرار في العديد من الدول العربية. يبدو أن الجريدة لم تكن راضية على ذلك المسار الذي أنقذ البلاد. فهذه التحولات لا يمكن اعتبارها تحايلا، بل هي محكومة بالظرفية وتندرج في سياق الانتقال الديمقراطي الذي تؤمن به فرنسا والعديد من الدول الغربية. فكيف لهذه الجريدة أن تشكك في هذه التحولات السياسية والدستورية كلما تعلق الأمر بالمغرب، وتثني أو تسكت عن مثلها في الفضاء الأوروبي؟ هذه ليست ازدواجية، وإنما الكيل بمكيالين.
نفس المؤاخذة يمكن أن نوجهها إلى جريدة “لوموند” بخصوص استخدامها لنفس الأسطوانة المشروخة المتعلقة بمجال حرية التعبير في المغرب. وفي هذا الصدد، ادعت الصحيفة أن هناك تضييقا على الحريات في بلادنا، بما في ذلك حرية التعبير. هذا الادعاء ليس له ما يعززه على أرض الواقع، فإن كان هناك مجال أصبح يميز المشهد السياسي والإعلامي بالمغرب فهو مجال هذه الحرية، التي انتشرت انتشار النار في الهشيم. ففي ما نعاينه اليوم ببلادنا، تجاوزت هذه الحرية بكثير المعايير المتعارف عليها، سواء عبر منابر إعلامية أو على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، إلى درجة أن المغاربة أنفسهم بدأوا يتخوفون من الإفراط في استعمالها إلى حدود لا تطاق، وصلت إلى السب والشتم وإهانة عموم المواطنين ومحاولة النيل أحيانا من المقدسات.
كما أن عدد المظاهرات التي شهدها المغرب في الآونة الأخيرة يبين بوضوح أنه البلد الوحيد في العالم العربي الذي رخص لهذه التظاهرات، وقلما حصل ذلك في دول أخرى. وبالرغم من هذه التجاوزات، لم تُفتح في السنوات الأخيرة أية متابعات قضائية ضد المخالفين للنظام عبر ما يعرف بحرية التعبير. وأعتقد أن أقل من ذلك في دول أخرى، معروفة باستبدادها، يؤدي إلى سجن المخالفين من دون محاكمات، كما يفعل النظام الجزائري الذي حرم الجزائريين من التظاهر مهما كانت البواعث. ولذلك كان على جريدة “لوموند” أن تدافع عن المبدأ في بلدان الانتهاكات، بدلا من أن توجه سهامها لمملكة عريقة ضاربة في القدم.
كما أقامت الجريدة حجتها بخصوص نهاية الملكية في المغرب على الحالة الصحية لجلالة الملك، وهي حالة يريد ذلك المنبر الإعلامي الترويج لها لأهداف مقيتة. وإن كان لابد من رد على هذا الادعاء، يكفي التذكير بأن إشعاع المملكة المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس هو إشعاع غير مسبوق وليس له مثيل في التاريخ الحديث للمملكة. وتشهد على ذلك شخصيات فرنسية وازنة، ومن مختلف المشارب السياسية، تعترف بأن المغرب أخذ مكانته المؤثرة سواء على مستوى المنطقة المغاربية أو القارة الإفريقية أو حتى على المستوى الدولي. إلى جانب ذلك، استطاع الملك على مدى ربع قرن أن يغير وجه المغرب ويحوله إلى أوراش مفتوحة بفضل متابعته الحثيثة، ملك لا ينام ولا يغمض له جفن، فيما ينام الجميع. والفضل في كل ما سبق يعود بكل تأكيد إلى حضوره الوازن في صناعة الحدث وتتبعه، وليس إلى غيابه.
فجلالته حينما يجري فحوصات طبية، فإن أول ما يقوم به هو الحرص على إطلاع شعبه على وضعه الصحي عبر بلاغ من الديوان الملكي، احتراما وتقديرا للحبل السري الذي يربط الملك بشعبه والمتمثل في العقد الاجتماعي باسم البيعة. وليس مطلوبا من الجريدة أن تذكرنا بذلك، فهذه رسالة يجب عليها أن تلتقطها. ويُسائلها أيضا أين كانت حين لم تبلغ الرأي العام الفرنسي بمرض الرئيس فرانسوا ميتران بالسرطان، وقد حكم البلاد لولايتين بتلك الوضعية من دون إفشاء سر مرضه.
إن توقيت هذه الحملة أهم من مضمونها، وهو ما يكشف أنها لا تعدو أن تكون سوى حملة مدفوعة الأجر مسبقا. فما جدوى أن تستند جريدة “لوموند” على معطيات قديمة تجاوزها الزمن، ليست سرية وبعضها معروف ومتداول، وبعضها الآخر مسخر للزج بمغالطات والتشويش على مملكة انطلقت في مسار تنموي مستقل بعيدا كل البعد عن أية وصاية؟ يبدو أن الجريدة كذلك غير راضية على هذا الوضع.
فالمهمة التي أوكلت لجريدة “لوموند” بلا شك مدفوعة الأجر، ويقف من ورائها النظام الجزائري. ولماذا هذا النظام معني بتحريك أقلام مأجورة معروفة بخط تحريري يؤهلها القبول بهذا الدور بالنيابة عن غيرها؟ إنه معني بذلك من أجل خلط الأوراق والاصطياد في المياه العكرة وخلق أزمة بين فرنسا والمغرب، حتى لا تبقى الجزائر وحدها في صراع منفرد مع باريس بعد أن كانت أزمتها مع فرنسا محصورة في مواقف اليمين الفرنسي المتواجد في الحكومة. ولأن الأزمة آخذة في الاستفحال بين باريس والجزائر بعد دخول الرئيس إيمانويل ماكرون على الخط، فإن النظام الجزائري اعتقد أنه قادر على تحريك بعض المنابر اليسارية من أجل شن حملة معادية للمغرب وجره إلى أزمة مع باريس، لعلها تخفف عنه تداعيات العزلة الشاملة التي يتخبط فيها مع فرنسا ومع جيرانه في المنطقة.
أعتقد أن رهان النظام الجزائري على منبر إعلامي هو رهان خاسر وابتزاز لا طائل من ورائه. فهذا التحرك في الوقت بدل الضائع لن يزيد النظام الجزائري إلا تخبطا، كما أن تحركه لا يراد به فقط استهداف المغرب وإنما محاولة يائسة لمساومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تربطه علاقات مميزة مع المغرب، قائمة على الاحترام المتبادل والالتزامات الواضحة التي تمنح المصداقية للعلاقات بين الدول. ففرنسا في حاجة ماسة للمغرب، والعكس صحيح. أما شطحات النظام الجزائري ومحاولة اللعب على الحبال فقد أصبحت مكشوفة، تتراكم فيها الفضائح واحدة تلو الأخرى.
فهل انتبهت جريدة “لوموند” إلى الخطأ الفادح الذي وقعت فيه، أم أن بيع ذمتها أصبح عندها أهم من الالتزام بأخلاقيات المهنة؟