وسط شوق الجمهور المغربي.. ما سر استمرار صمت وليد الركراكي وغيابه عن المشهد التدريبي؟

منذ إسدال الستار على تجربته مع المنتخب المغربي، اختار الناخب الوطني السابق وليد الركراكي الابتعاد عن الأضواء بشكل لافت، في خطوة أثارت كثيرا من علامات الاستفهام داخل الأوساط الرياضية المغربية، خاصة في ظل غياب أي إعلان عن وجهته المقبلة، رغم أن سيرته التدريبية تجعله من بين أكثر المدربين العرب والأفارقة طلبا في سوق التدريب.

وبينما اعتاد الجمهور رؤية الركراكي حاضرا في الواجهة، سواء خلال المؤتمرات الصحافية أو المباريات الكبرى أو حتى عبر تصريحاته التي كانت تشعل النقاش، فضل هذه المرة الصمت، مكتفيا بالابتعاد عن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما زاد من فضول الجماهير التي لا تزال تعتبره أحد أبرز صناع الإنجاز التاريخي لكرة القدم المغربية.

ولم يكن لقب “مول النية”، الذي التصق بالركراكي منذ قيادته “أسود الأطلس” إلى نصف نهائي كأس العالم، مجرد وصف عابر، بل تحول إلى علامة ارتبطت بشخصيته العفوية والقريبة من الجماهير، الأمر الذي جعل غيابه الطويل أكثر إثارة للانتباه، خصوصا بعد النتائج التي حققها المنتخب المغربي لاحقا، والتي لم تستطع إعادة إنتاج ملحمة المونديال التاريخية.

ويطرح هذا الغياب سؤالا مشروعا: هل لم يتوصل الركراكي فعلا بعروض تتناسب مع قيمته التدريبية؟ أم أنه تلقى عروضا عديدة لكنه فضل رفضها انتظارا لمشروع رياضي ينسجم مع طموحاته؟

من الصعب تصور أن مدربا يملك هذا الرصيد لم يحظ باهتمام الأندية والمنتخبات. فالركراكي لم يصنع اسمه فقط مع المنتخب المغربي، بل سبق أن راكم نجاحات لافتة مع الفتح الرباطي والدحيل القطري والوداد الرياضي، وقاده إلى التتويج بدوري أبطال إفريقيا والدوري المغربي، فضلا عن تحقيق ألقاب أخرى جعلته من أكثر المدربين المغاربة تتويجا في السنوات الأخيرة.

كما أن إنجازه التاريخي في كأس العالم منح اسمه إشعاعا دوليا، وفتح أمامه أبواب أسواق تدريبية كانت في السابق بعيدة عن المدربين العرب والأفارقة، وهو ما يجعل فرضية غياب العروض تبدو مستبعدة إلى حد كبير.

في المقابل، تبدو فرضية التريث أكثر منطقية. فالركراكي يدرك أن العودة إلى الواجهة بعد تجربة بحجم قيادة المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم لا يمكن أن تكون عبر أي مشروع، لأن أي خطوة غير محسوبة قد تؤثر على الصورة التي بناها خلال سنوات من العمل والنجاحات.

كما أن المدرب المغربي يعرف أن التحدي المقبل سيكون أكثر تعقيدا، إذ سيقارن الجميع أي تجربة جديدة بما حققه مع “أسود الأطلس”، وهو ما يفرض عليه اختيار فريق أو منتخب يمنحه الإمكانات الكافية للمنافسة وتحقيق الأهداف.

ولا يستبعد متابعون أن يكون الركراكي قد تلقى بالفعل عروضا من أندية ومنتخبات، لكنه فضل تأجيل الحسم في مستقبله، سواء من أجل أخذ قسط من الراحة بعد سنوات من الضغط المتواصل، أو انتظارا لفرصة تتوافق مع طموحه الرياضي، وربما أيضا مع طموحات الجمهور المغربي الذي اعتاد رؤيته في أعلى المستويات.

وفي المقابل، لا يخفي كثير من الأنصار حنينهم إلى المدرب الذي أعاد الثقة لكرة القدم المغربية، معتبرين أن شخصيته القيادية، وقدرته على إدارة المجموعة، وروحه التنافسية، عناصر لا تزال تفتقدها الساحة الكروية، وهو ما يفسر استمرار اسمه في واجهة النقاش كلما تعثر المنتخب أو برزت أخبار عن تغيير مدربين في أندية ومنتخبات كبرى.

ويبقى الصمت الذي اختاره الركراكي جزءا من شخصيته الهادئة في تدبير المراحل المفصلية من مسيرته، غير أن هذا الصمت لن يستمر إلى الأبد. فمدرب بحجمه وإنجازاته يصعب أن يبقى خارج المنافسة طويلا، والسؤال لم يعد إن كان سيعود إلى التدريب، بل متى سيعود، وأي مشروع سيختاره ليكتب فصلا جديدا في مسيرة صنعت له مكانة استثنائية داخل الكرة المغربية والعربية والإفريقية.

اترك رد