الأبعاد السياسية والامنية والاقتصادية للأزمة المغربية الجزائرية

بقلم: مصطفى شكري

تابع الرأي العام الوطني والدولي بكثير من الاهتمام خطاب العاهل المغربي بمناسبة افتتاح الدخول البرلماني الجديد والذي تم فيه التأكيد على ثلاثة أبعاد رئيسية، وفي مقدمتها ، “تعزيز مكانة المغرب ، والدفاع عن مصالحه العليا ، لاسيما في ظرفية مشحونة بالعديد من التحديات والمخاطر والتهديدات”

وتزامن الخطاب الملكي مع تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة الإيطالي المخضرم ستيفان دي ميستورا بعدما رفض المغرب أو جبهة البوليساريو 12 مرشحا منذ شغور المنصب في مايو 2019. وكذا إطلاق الجارة الجزائر لتصريحات جديدة حول ضرورة انسحاب القوات المغربية من منطقة الكركرات العازلة لتسهيل البحث عن تسوية للنزاع في المنطقة حسب ما جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة خارجيتها.

وحسب الكثير من المتتبعين لنزاع الصحراء فإن عودة الجزائر للحديث عن ” الكركرات” محاولة للعودة بالملف الى نقطة الصفر وإجهاض أي محاولة لتسوية هذا الملف بشكل عادل ونهائي..
فهل سيستطيع الديبلوماسي الايطالي فك طلاسم ملف الصحراء وإقناع عراب البوليساريو باعتماد مقترح الحكم الذاتي كحل نهائي، وإقبار وهم “تقرير المصير” .. أم أن الجارة الشرقية لن تقبل بأي حل لا يضمن لها منفذا على المحيط الاطلسي ولا أدل على ذلك من إعادة طرحها لمعبر الكركرات كمدخل شرطي لتسهيل مهمة المبعوث الاممي الجديد.. !!!

لقد ارتبط معبر الكركرات في أذهان الجميع بتاريخ 13 نونبر، أي يوم تحرير هذا المعبر الحدودي من شرذمة الانفصاليين الذين حاولوا منع الشاحنات الدولية من العبور صوب الجنوب الإفريقي، قبل أن تتدخل القوات المسلحة الملكية في وقت وجيز وتحرر “الطريق الدولية”.
وقد كان تدخل أفراد الجيش المغربي بشهادة المنتظم الدولي دقيقا ومحكما في منطقة الكركرات، حيث لم تسجل أي خسائر مادية أو بشرية في صفوف القوات المسلحة الملكية التي أقفلت بشكل نهائي العشرة كيلومترات بجدار أمني أنشأته فرق من الهندسة العسكرية بهدف منع أي دخول للمنطقة مستقبلا..
كما شرع المغرب في دراسة إمكانية إنشاء ميناء الكويرة الكبير وإعادة تعمير هذه المنطقة الإستراتيجية الواقعة في أقصى جنوب المملكة، بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه في الربط البحري بين الشمال والجنوب ومنطقة الساحل، وهو ما من شأنه أن يخفف من المشاكل المرتبطة بهذا المعبر الاقتصادي، والذي سيضم أيضا مشروعا يتعلق بإنشاء منصة لوجيستية.
وتمتد منطقة الكركرات نحو خمسة كيلومترات في منطقة منزوعة السلاح خالية من أي وجود عسكري، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار 1991 الذي ترعاه الأمم المتحدة.

كما اتجهت في الآونة الأخيرة كل من البوليساريو وعرابتها الجزائر إلى إحياء معركة ” الثروات” المتواجدة بالاقاليم الصحراوية ودفع محكمة العدل الأوروبية الى إلغاء اتفاقين تجاريين بين المغرب والاتحاد الأوروبي على أساس أنهما تشملان منتجات قادمة من الصحراء المتنازع عليها بين المملكة وجبهة بوليساريو، ولكن بعد ذلك بدقائق أكد المغرب والاتحاد الأوروبي في تصريح مشترك التزامهما بمواصلة شراكتهما التجارية، واتخاذ “الإجراءات الضرورية من أجل تأمين الإطار القانوني الذي يضمن استمرارية واستقرار العلاقات” بينهما.
وعلى الرغم من أن الخلاف الأول بين المغرب والاتحاد الأوروبي حدث قبل عشر سنوات، إلا أن الخلاف الرئيسي حدث في عام 2016، بعد أن ألغى الاتحاد الأوروبي من نصوص اتفاقيات صيد الأسماك والزراعة،  منطقة الصحراء، مما دفع المغرب إلى تعليق جميع الاتصالات مع المؤسسات الأوروبية لمدة عام. ويعتبر الاتحاد الشريك التجاري الرئيسي للمغرب، والتي تبلغ 73 بالمئة من إجمالي صادراته منذ دخول اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين حيز التنفيذ في عام 2012.
ووفقًا لبيانات بعثة الاتحاد الأوروبي في المغرب، فهو أول مصدر زراعي من جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الاتحاد الأوروبي، وأول مصدر للخضروات إلى العالم عبر أوروبا.

وتصاعدت طوال الشهور الاخيرة الأزمات بين المغرب والجزائر بشكل يهدد حسب كل المتتبعين استقرار المنطقة المغاربية، خاصة وأن هذه الأزمات أخذت أبعادا سياسية وأمنية واقتصادية، مع دخول أطراف خارجية على غرار فرنسا وإسبانيا وأمريكا وإسرائيل وألمانيا، ما من شأنه تعميق حدة هذه الأزمات..
ومع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في 10 ديسمبر 2020، اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على إقليم الصحراء، فتحت البوليساريو بابا جديدا من المناوشات والتصريحات النارية، وإن كانت هذه المناوشات تبدو محدودة، ولم تصل إلى مرحلة “الحرب الشاملة”، إلا أن استمرارها يهدد باستقرار المنطقة.

كما ازدادت الأزمة بين الجزائر والمغرب تعقيدا بشكل غير مسبوق، مع حرب التصريحات المتبادلة وخاصة حين طرح وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، ملف الصحراء خلال اجتماع “دول عدم الانحياز الافتراضي” بأذربيجان في 13 و14 يوليوز الماضي، ليرد مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة السيد عمر هلال، بالدعوة إلى تقرير مصير شعب القبائل” بالجزائر. وبعد ذلك، شرعت الجزائر في سلسلة إجراءات ضد المملكة المغربية بدءا من استدعاء السفير، وقطع العلاقات الدبلوماسية، والإعلان عن عدم تجديد عقد نقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر الأنبوب العابر للأراضي المغربية، ثم غلق الأجواء الجزائرية أمام الطيران المغربي.

ختاما فإن هذا الغليان السياسي إما أن يتم احتواؤه بشكل ثنائي بين المغرب والجزائر ، وتجنب التصعيد والبحث عن خيارات للتهدئة والحلول العقلانية، أو أن المنطقة قد تنزلق إلى متاهات أكثر تعقيدا مما هي عليه الآن، حسب معظم المتتبعين لواقع المنطقة المغاربية. وللحديث بقية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.