توثيق ذكرى الإستقلال في الرواية التأسيسية المغربية

بالواضح

بقلم: رفقة أومزدي

يحاول النص البحث في مسألة توظيف موضوعة الإستقلال في الروايات المغربية التي كتبت بُعيد فترة الإستقلال، كتيمة روائية تراد لذاتها أم أنها جاءت فقط في خضم وصف وتصوير مرحلة تاريخية لها ما قبلها وما بعدها.
وكإشارة فإن هذه الروايات تدخل ضمن المرحلة التأسيسية المؤرخة لنشأة الرواية المغربية، هذه المرحلة التي وُسمت أغلب نصوصها بهيمنة الذاتية وخطية السرد، كما غلبة الخطابة والوعظ، ومرحلة التأسيس هذه أو ما قبل الروائية كما يسميها بعض النقاد فيؤرخ لها من صدور أول شكل روائي سنة 1924 لابن المؤقِّت” الرحلة المراكشية” حتى رواية “جيل الظمأّ” لمحمد عزيز الحبابي سنة 1967.
وارتبطت هذه المرحلة الأولى بفترة تاريخية هامة من تاريخ المغرب والمتمثلة في مقاومة الاستعمار ومن تم حصول المغرب على الإستقلال، فأخذت الكتابة الروائية الإتجاه التاريخي، فواكبت النصوص هذا الحدث الهام الإستعمار، ظهور الحركات الوطنية والمقاومة، الإستقلال، ثم التحولات الاجتماعية والسياسية والنقاشات الفكرية المتمثلة في سؤال الهوية، الانفتاح الحضاري والمثقافة، وخيبات المغرب ما بعد الاستقلال، خاصة أن أغلب الكتاب قد عايشوا هذه المرحلة ونالهم من النفي واضطهاد المستعمركما الفرح بالانتصار والانعتاق.
نبدأ برواية “بوتقة الحياة” للكاتب أحمد البكري السباعي الصادرة سنة 1966، من الروايات التي جمعت بين السيرة الذاتية والقصة، تصور الرواية معاناة اجتماعية لأسرة مغربية فقيرة، تتكون من عمر الأب وعائشة الأم، وأحمد كبير الأسرة، وشقيقه حسن، وأخته رقية، وأشقاء آخرون، و أشخاص آخرون يدورون في فلك الأسرة، عاش الأبناء في حرمان بسبب ضيق الحال، ويطرق الموت باب الأسرة أكثر من مرة، كأخ الأب وابنته اللذان تعرضا لرصاصة طائشة من جندي استعماري أثناء أحداث الفداء بالبيضاء، وهما في طريقهما إلى منزل الأسرة، قصد الاتفاق على خطبة البنت لصغير الأسرة حسن، وتتعرض العمة لحادثة تودي بحياتها، والأسرة في احتفال وفرح، فينقلب الفرح مأتما، م يلتحق الأب بأخويه العم والعمة تاركا وراءه أسرة يتيمة عاجزة، ويتعلق صغير الأسرة حسن تعلقا طائشا ببنت صديق أسرة، الشيخ حمزة، ينتهي بمأساة أيضا..
وهذا هو الجو العام الدرامي المؤثث للرواية، حيث نلاحظ فراغها تقريبا من أي ملحم تاريخي عدا بعض الإشارات الخاطفة كرصاصة الجندي الفرنسي رغم أن أحداثها تعاصر بداية المقاومة وتشكل الكفاح الوطني في الدار البيضاء وأحداث الإستقلال فيما بعد لكن يبدو أن الكاتب آثر عدم الإبتعاد عن فضاء الأسرة وما يحمله من قضايا وأبعاد إجتماعية.

أما الرواية الوحيدة للإعلامية الكاتبة فاطمة الراوي ” غدا تتبدل الأرض” الصادرة سنة 1967 فتحمل نَفسا ثوريا نضاليا بامتياز، حيث تدافع من خلالها الكاتبة عن الطبقة العاملة فجاء في إهدائها:
” إلى الذين يزرعون لا يحصدون، إلى الطبقة العاملة المغربية ”
بطلة الرواية فتاة مغربية تقليدية الشكل والهيئة، متمسكة بالهوية ومحافظة على التقاليد صامدة في وجه انفتاح المغرب ما بعد الإستقلال، وبالنقيض منفتحة فكريا ثائرة في وجه الاستبداد والظلم وتعمل نقابية تستميت في الدفاع عن المطالب العمالية، ثائرة في وجه الأب الذي يتعامل مع الفرنسيين والذي يريد تزويجها برجل يكبرها بعشرين سنة، أب شديد المحافظة فيما يخص عملها كنقابية شديد الانفتاح لما يتعلق الأمر بالآخر المستعمِر.. وهو النقاش الذي فتحته وحالت إيجاد أجوبة له على طول النص.
ومن الحوارات التي أبرزت هذا الصراع بين البطلة وأبيها:
قول الأب:
كنت أريد أن تكوني كجورجيت بنت برنار، أو سوزان بنت روبير، وأن تعتني بلباسك وتعرفي كيف تعيشين في مجتمع الطبقات العالية، حتى أفخر بك أمام أصدقائي الأجانب..
فترد عليه في تحد:
لست من طينة سوزان، ولا أقبل هاته الصداقة التي يقترحها روبير، وأنا أتأسف لكون أبي بالأمس قد تغيّر، فقد كنت من الوطنيين وآمنت بالتضحية وحوربت من أجل أفكارك، لكن الإستقلال غيّر منك كثيرا، وجعلك تتحالف مع أعداء الأمة، وتنسى الشعب الذي ضحى من أجل هذا الإستقلال.

والرواية الأخيرة هي للمفكر والفيلسوف محمد عزيز الحبابي” جيل الظمأ” ، الرواية التي يسلط فيها الكاتب الضوء على دور المثقف وضرورة التزامه بقضايا وطنه، وإشكالية الثقافة في بداية عهد الإستقلال باعتبارها حسب الكاتب الأداة الأساسية والمثلى من أجل بناء المستقبل، وهي الوحيدة القادرة على إحداث التغيير، هذا التغيير الذي لا يتأتى من الخارج وإنّما ينبثق من الداخل ويمَسّ داخل التركيبة المجتمعية، وبالتالي فعلى المثقف النزول من برجه العاجي والإنخراط في التوعية والتربية الفكرية كما جاء في ص126:
” يساهم المثقفون في بناء صرح التفاهم بين الشعوب والتواجد السلمي البناء. فواجب المثقف إذن، خطير، إنه العامل الأساسي على تطوير عقلية ومفاهيم مواطنيه.”
ويشير إلى المسؤولية التي من المفروض أن يحملها كل مثقف بقوله:
” أريد أن أوقف عزمي وجهودي على تقدم أمتي وتطوير بيئتي… أريد أن أنحني على جروح إخوتي البشر، فأضمدها وأُبَلسِمها خالقا منها الرفاهية والازدهار.”
هذا في ظل تراجع المثقف الحقيقي وتصدر أشباه مثقفين همّهم الوحيد الدفاع عن مصالحهم والتنكر لهموم الشعب، يقول:
” إن المثقفين أبعد عن أن يتفهّموا شقاء أو سعادة الفئة الفقيرة البائسة، لأنهم يعيرون الانتباه كلّه والعناية كلَّها لصخب وضجيج سفسطات الأغنياء وذوي المكانات ” .
ويصرح الكاتب في موضع آخر:
” للأسف المثقفون إلا سواهم، هم حماة الزيف المجتمعي والانحراف الأخلاقي “.
رواية تتساءل عن الجدوى، عن القلق الذي لازم مغرب ما بعد الإستقلال ومايزال، عن تواطؤ فئة من المفروض أنها عرفت معنى الكفاح والتضحية والحرية، عن ظمإ جيل للحرية والإنبعاث والإنعتاق الحقيقي من سرابيل الجهل والخوف.. ولا غرو أنه ظمأ لم يقف عند جيل الأمس وإنما ظمأ مستمر في الزمن وهذا نقاش آخر.
وكخلاصة، يمكن القول أن معظم الروايات المنشورة في هذه الفترة، وظفت موضوعة الإستقلال كحدث فارق في المسار التاريخي للوطن صحيح، لكنّه حدث في خضم أحداث سياسية ومجتمعية أخرى، حدث شعبي، من الماضي لا يستوجب التوقف كثيرا ولكن الإسراع في التفكير في القادم والتخطيط للمستقبل، روايات انتشى أبطالها بالإنتصار كما أُثقل آخرون بأسئلة الجدوى والماذا بعد.. لكننا لا نجد توظيفا لموضوع الإستقلال داخل حيّز سردي مهم ومستقل كما هو الحال في الملاحم مثلا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.