تونس الغد خضراءٌ أو حمراء؟

بقلم: أحمد إبراهيم (•)

يوماً خرجت من فندق بونواس بالدّشداشة والِّلبس الخليجي(الغترةوالعقال)، أمشي وأذرعُ الأرض  بكعب النّعل جيئةً وذهوبا على شارع بورقيبة، ودخلتُ سوق الصّناعات التقليدية، وقطعته للنّهاية فوجدت نفسي أمام بابٍ خشبي عملاق يحمل لوحة (جامع الزيتون) التاريخي .. كل هذا كان في زيارتي الأولى لتونس الخضراء قبل ثلاثين سنة.

لم يكن يومذاك قد وُلد كوفيد-19(كورونا المزعوم) على كوكب الأرض، ولاكنتُ قد سمعتُ عن منطقة إسمها (سيدي بوزيد) بالوسط الغربي الفقير بتونس، أشعل فيه شابٌ تونسي ثقابٌ كبريتي أحرق به نفسه مُمهّداً للربيع العربي المزعوم.

في ليلته عدتُ الى غرفتي بفندق أبونواس، عازما أن اكتب خطابا موجّها الى الرئيس التونسي زين العابدين بن علي(يومذاك)، وكنت عازبا لم أتزوج بعد، جلست على الطاولة، طلبت من عاملة البدالة مكالمة دولية (بيت الوالدة في دبي) ورنّ هاتف الغرفة فرفعته وكان على الخط صوت أمّي (تغمّدالله روحها الجنان) وانتهت مكالمة قصيرة بيننا على كلماتي (أحبّج ماما) بعد أن أكّدتُ لها اني صلّيت اليوم المغرب والعشاء في جامع الزيتون.

وعُدتُ الى الورقة وكلماتي:/ “سيادة الرئيس (زين) قطعت اليوم نهاراً كاملاً مشياً على القدمين في العاصمة تونس، كما كنت قطعت قبل أسبوع مسافة ألف كيلومتر الى(راس الجدير) الحدود التونسية الليبية بالسيّارة، وفي تجوالي بين الدولتين المجاورتين في المغرب الكبير، لاحظت أسماء وقبائل عربية عندكم كما هى عندنا في الجزيرة العربية، وهذا يؤكد ان الحظ كان قد إبتسم لنا يوما، وسيبقى يبتسم لنا دوماً إذا إتحدنا ياسيادة الرئيس” ..

إنتهت المسودّة
وكانت هذه زيارتي الأولى الى المغرب العربي في شبابي، رغم زياراتي المتكررة منذ طفولتي ومراهقتي إلى العالمَين الآسيوي والأوروبي، كثيراً ماكنّا نتعمّد إخفاء عروبتنا في بعض تلك الدول حمايةً للعُنق والجيوب، ولكني تفاجأت في تونس الخضراء وبكل حضاراتها وثقافاتها الغربية، أنها كانت تحب العرب، مجموعة الشبّان والشابات أينما وجدتهم وأمدّ لهم يدي لأصافحهم بطبعي الإجتماعي، إلاّ وهم لي برحابة صدرٍ تفوقها إبتسامات عريضة، ليس لأنّي بجمال يوسف أو ثراء بل غيت وإنما، والحديث لهم(انتم تتحدثّون اللغة العربية جميلةً وواضحة، لهجاتكم حلوة، هندامكم جميل، تلبسون الِّلبس التراثي الفضفاض، فيذكّرنا بزمن الرسول والصحابة الكرام، نتلمّس فيكم روح التواضع بنظرة الإنسان لأخيه الإنسان، ليس تلك النظرة الدُّونية (الأفندية) التي سُئمنا منها.

وعثرت في حقيبتي الآن على بقايا تلك الأوراق المُبعثرة، إعادة ترتيبها أعادت لي صياغة العنوان الى: (تونس الغد خضراءٌ فلاتحرقوها) .. لاحدود لحجم غِبطتي فرحاً عندما عرفتُ ان العربي من المشرق العربي مُحبوبٌ في المغرب العربي، ولهجات الشعر والنثر الخليجي مفهومة في الريف والحضر بتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، لأنه ينطق لغة الضاد سليماً بتراتيلها السماوية الحجازية، ويتقيّد بالهندام التاريخي العربي .. وبالإختصار (والصوت من تونس الخضراء عام 1990) يا أخَ العرب، انت محبوبٌ عندنا بتاريخك وتراثك العربي الأصيل.

والغريب أني يوم خربشتُ هذا العنوان في التسعينات على المسودّة بقلم رصاص يقبل المسّاحة لم أكن متزوجا وظلّ يسكنها الغبار إلى يومي هذا ولي اليوم أبناء وأحفادٌ، أعدتُّه بقلم حبرٍ يقبل النشر، فإنه يفرض نفسه بواقع العرب لازال يحبّ العرب، وأنّ زمن الجاهلية والتقاتل القبَلي لن يعد بين العرب، وأن الأجيال القادمة سيتّحد مستقبلهم بالغد القريب وبطرُقٍ فُضلى كما إتّحد ماضيهم بالأمس القريب والبعيد.

وإنّي لأجزم أنه لا يوجد للعرب من هو أحنّ من العرب على أنفسهم، فكما أن لغة الحوار كان بالامس تجمعنا وتوحّدنا، ولغة المال والسلاح أيضا قد توحدنا، كذلك لغة العلوم والتكنولوجيا والفضاء قد تُوحّدنا غداً بخصوبة الأرض على الأرض وسِلاسَة الفضاء بالفضاء.

هنا وجدت نفسي قارئا عربيا قبل أن اكون كاتباً، بقراءة مانشرته مجلة فورين بوليسي، أن الحفاظ على الديمقراطية في تونس مرهونٌ بإلتزام الرئيس الأمريكي جوبايدن بتعزيز الديمقراطيات في العالم، وأن مايجري في تونس بمثابة إختبارٍ له على أن تونس هى آخر إختبار للربيع العربي، رغم الفقر والعُزلة وغير مهمّة من الناحية الجغرافية.

*إنّها لشعلةٌ تستمدّ وقودها من العرب بدمائهم ، وعلى التوانسة إطفائها بأياديهم وإن كانت أياديهم هى التي أشعلتها بعلمٍ أو جهل..!*

(•) كاتب اماراتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.