رياضة الأجساد ورياضة الأفكار في مغربنا المعاصر المستقل؟ ح.3

بقلم: د. محمد وراضي

من الغرائب أن يفاجئنا حدث نعتقد في البداية أنه فرصة لإشاعة فكر أصيل نؤمن به. وبالتالي نملك أدلة قوية على صحته. ففي يوم من الأيام اتصل بي هاتفيا سيد أخبرني عن هويته. وتذكرت ما قال لي عنه صديق لي قبل أن يتصل بي. إذ لا شك أنه هو الذي أعطاه رقم هاتفي. إنه باختصار شديد مدير جمعية دعوية مركزها بسلا. وسبب اتصاله بي رغبته في تكريمي مع آخرين من السلاويين المعروفين بالعطاءات الفكرية والفنية، ومن ضمنهم الفنان: عبد الحق الزروالي.

    وقبل حلول يوم التكريم، قام السيد مدير الجمعية بزيارتي رفقة اثنين من مساعديه. ولما لم أكن مستعدا لإطالة الجلوس معهم، تحدثت إليهم باختصار عن وضع الإسلام بالمغرب، وقدمت لهم جل مؤلفاتي ما عدا كتاب واحد “عن تدبير الشأن الديني والتطرف، أية هفوات وأية مفارقات”. ثم أخذ لي أحد رفاقه صورة تاريخية معه، هي الآن بحوزتي.

    وقد تعمدت هنا في هذا المقال، أن أتجنب ذكر الرجل. وذكر الجمعية التي هو على رأسها، لكون عمله الديني، لا بد أن يجازى عليه، إن هو متصف بالصدق والأمانة، ولا يعمل إلا لله، لا إلى ما تم له رسمه من أهداف بريئة؟ أوما تم رسمه إليه من انجازات. إلى حد أنني أشبهه بصديقي القديم عبد الإله بنكيران. غير أن صحبتي لهذا الأخير كانت طويلة، بينما أجهل كل شيء عن مدير الجمعية الذي يريد تكريمي دون أن تكون لديه معرفة بي جيدة. فقد عرفت من صديق لي وله أنه كان من جملة عناصر السلفية الجهادية الذين قبعوا في سجن الزاكي بسلا لفترة. يعني أنه كان ممن يريدون جناية الثمار من أشجار لم يعملوا جيدا للاهتمام بها قبل أن توتي ثمارها. مع عدم معرفة الواقع وقراءة نتائج أي عمل فوضوي. مع أن سحنون الذي هو من كبار سلفيي المذهب المالكي يقول: “ليس للأمور بصاحب من لم ينظر لها في العواقب”. وأتذكر أنني قدمت إليه وإلى رفيقيه هذه الحكمة السحنونية، من باب ثنيه على السير في المسار الذي أدى به إلى السجن. فالمسار الذي سلكه، لا بد أن يعرضه للشقاء، ولضياع جزء غال من عمره. ثم إن نفس المسار كان ثمينا لو هو سلك مسارا مخالفا، عمدته دراسة الإسلام وفهمه والاشتغال بالدعوة المعززة بأدلة نقلية وبأخرى عقلية. بالرغم من كونه سوف يتعرض لعراقيل تحول دونه ونشر أفكاره الدينية الخلاقة في الأوساط الخاصة والعامة. كما تعرضت لي شخصيا حتى الآن، إنما دون أن تؤدي بي إلى التوقف النهائي عن أداء رسالة، كلف الله العلماء بأدائها، بعيدا عن التهديد بالعنف أو اللجوء إليه.

    ولم أكن أحمل معي أي مكتوب بإمكاني المساهمة به في حفل تكريم سلاويين مميزين محدودين، لأنني لم أكن على معرفة ببرامج الحفل حتى أهيء للمناسبة ما يلزمها. ولكنني سوف أوجز كلمة بخصوص ما سوف أشاهده وأسمعه. وبالفعل حضرت قبيل افتتاح الحفل بنصف ساعة على وجه التقريب. وكان أن تم الافتتاح بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، وكانت قاعة السينما بحي الرحمة غاصة بالحضور، منهم مجموعة تنتمي إلى الجمعية من كبار ومن صغار، ومنهم الجمهور الذي ملأ القاعة بكثرة، وكان أن أشرف مدير الجمعية ومساعدوه على مختلف الأنشطة التي لا تخلو من فوائد، قامت بها طوائف من الشباب المتفاوت في العمر، جماعة تلت القرآن جماعة وفرادى واحد بعد واحد، وجماعات قدمت بعض الأحاديث النبوية. أما صغار الشبان أو الأطفال، فقد قدموا لنا أناشيد دينية، وبعض العبارات الممجدة للإسلام والمسلمين. وكان الجمهور يصفق لجماعة تلت – كدور لها – آيات من القرآن الكريم. إلا أن المدعوين لتكريمهم لم يحضروا في الجملة. وحتى من حضر منهم لم يتقدم بكلمة إلى الجمهور أو بكلمة إلى المشرفين على الحفل. فقبل تكريمي تقدم إلى المنصة الفنان السلاوي المعروف عبد الحق الزروالي، ولم أتذكر غير شكره لمن أكرموه، لا بمبالغ مالية كما قد يتبادر إلى الذهن، وإنما بصورة مخطوطة للمكرم، ومعها سورة قرآنية في غلاف زجاجي عادي.

    وقبل استخلاص النتائج من كل ما سقته، أذكر صراحة كيف أن مسؤولا في جريدة “نيني” يرفض أن ينشر لي أي مقال تطرقت فيه إلى السياسة من منظور الدين، ولما استفسرته قال لي بالحرف: نحن لا نريد الخلط بين السياسة والدين، فأدركت حينها أن الصحفيين المشتغلين مع مدراء الجرائد، ليس لهم غير تنفيذ أوامر هؤلاء وإن كانت ظالمة، وأن هؤلاء يلتزمون بما فرض عليهم التزامه من الأعلى، بحيث إننا أمام جرائد موجهة من الأعلى، لا أمام جرائد مستقلة بالفعل، ونحن هنا لا نملك غير قوله تعالى: “لله الأمر من قبل ومن بعد” دون أن يفرض علينا اليأس نفسه لكوننا نؤمن إيمانا قويا بقوله سبحانه: “ويومئذ يفرح المؤمنين بنصر الله”!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.