صناعة “الأغلبية” في المغرب

بقلم: محمود من لا يخاف (•)

يهدف النظام الانتخابي بالمغرب، بالأساس إلى منع أي حزب سياسي من الحصول على أغلبية حقيقية نابعة من إرادة الشعب. كما أن التعددية الحزبية في المشهد السياسي المغربي، المتسم أصلا بهشاشة النظام الحزبي، ساهمت في تعميق أزمة الديمقراطية الانتخابية. غير أن التاريخ السياسي للمغرب الحديث علمنا أن تشكيل الحكومة باسم الأغلبية، دوما ما كان يخضع لمنطق تحالفات حزبية “صورية” بغض النظر عن التباينات التنظيمية والإيديولوجية ومساراتها التاريخية الطويلة التي تأسست عليها الفكرة الحزبية سواء أكانت ليبرالية، يسارية، محافظة أو إسلامية. وهو ما يجعلنا نقف عند استنتاج واحد، أن التعددية الحزبية في المغرب يتم توظيفها كأداة لتمكين “حزب” من “الأغلبية” لتنفيذ توجهات الدولة باسم “الحكومة”. ولمحاولة الفهم، لنعد بالذاكرة للوراء، ولنستحضر السياق السياسي الذي تشكلت فيه الحكومات السابقة.

يعتبر السياق الذي تشكلت فيه حكومة بنكيران، سياقا خاصا متسما بموجة الربيع العربي التي حملت رياحها دعاة “الإسلام السياسي” لتقلد مسؤوليات “الحكم” بالعالم العربي. فكان من الطبيعي ميلاد أول حكومة مغربية ذات “مرجعية إسلامية”. لكن نظام الاقتراع المغربي يحول دون حصول أغلبية مريحة لأي حزب وحده لذلك كان على بنكيران في أولى خطواته ضمان أغلبية برلمانية لحكومته من أحزاب الكتلة الديمقراطية التي تأسست عام1992 (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية). لقد كان بنكيران يطمح للتحالف مع أحزاب يعتقد أنها الأقرب لحزبه، ولها تجربة سياسية في تدبير الشأن العام، وتتمتع بالاستقلالية والرصيد النضالي من أجل الديمقراطية. لكن اختيار، رفاق “عبد الرحمان اليوسفي” الاصطفاف بالمعارضة، جعل زعيم “الإسلاميين”، أمام تحالف غير متجانس من أحزاب سياسية فرقتها “المذاهب” لتوحدها الحاجة إلى نجاح أول تجربة “إسلامية” لكن على المقاس، وهو ما مكن بنكيران من ضمان أغلبيته البرلمانية من أحزاب العدالة والتنمية والاستقلال والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، فكانت أول حكومة مغربية بعد دستور 2011، أنهت عهد وزارتي الداخلية والعدل ضمن خانة “وزارات السيادة”، وشهدت بقاء أخنوش وزيرا للفلاحة بعد أن تقديم استقالته من حزب “الأحرار”. لكن هذه “الأغلبية” لم تصمد طويلا، حينما قرر حزب “الميزان” الانسحاب من الأغلبية بإيعاز من أمينه العام الجديد “شباط”. ليتم تعويضه بحزب ليبرالي “التجمع الوطني للأحرار”، فكانت أولى نتائجه، تعيين وزير مستقل في وزارة الداخلية، وهو الشئ الذي لم تتردد المعارضة في اعتباره “انتكاسة” حقيقية. فيما كانت عودة أخنوش لحزب السابق، من أجل البقاء في منصبه الوزاري، ضرب لمصداقية ألأحزاب.

فجاءت انتخابات 2016، التي بوأت حزب العدالة والتنمية صدارة المشهد السياسي في ثاني انتخابات تشريعية أجريت في ظل الدستور الجديد، ليكون بذلك أول حزب مغربي يحافظ على موقعه السياسي بعد مرحلة التدبير الحكومي. لكن ما صاحب مرحلة المشاورات لم يكن مشابها لسيناريو 2012، حينما “فشل” أو “أفشل” بنكيران في تشكيل أغلبيته الحكومية، بعدما واجه صعوبات في مفاوضاته مع زعيم “الأحرار” بقيادة أخنوش المقرب من دوائر القرار، الذي اشترط إقصاء حزب الاستقلال من الحكومة من جهة وضم ثلاثة أحزاب أخرى صغيرة متحالفة معه هي حزب الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليعكس لنا هذا المشهد إحدى تجليات كيفية “صناعة” الأغلبية.

مشهد سياسي متسم “بالبلوكاج”، أدى إلى إعفاء الأمين العام لحزب المصباح من مهمة تشكيل الحكومة، إثر تعثر إخراجها إلى حيز الوجود بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية، بعدما تشبث بموقفه الرافض “لصناعة الأغلبية”، وهو ما قبل به خلفه سعد الدين العثماني الذي عين رئيسا للحكومة، فاستطاع تشكيل أغلبيته في غضون أقل من 20 يوما، ليفتح بذلك أبواب الحزب على انقسامات داخلية وانتقادات خارجية عصفت رياحها بحزب “الخطيب” الذي أنار دربهم حتى أطفأت الانتخابات الجهوية والجماعية والتشريعية الأخيرة، أخر شمعة بقية مشتعلة في “المصباح”.

لقد أظهرت التجربتان السابقتان، في 2011 و2016، مفهوم “صناعة الأغلبية”، بعدم قدرت الحزب “الأول” على تشكيل أغلبيته وفق توجهاته وبرامجه، ومن الطبيعي القول، أن تشكيل تلك “الأغلبية” تخضع لمعايير أخرى تجعل الأحزاب السياسية أداة لخدمة توجهات اطراف محسوبة على الدولة. وهو ما سنقف عنده، حينما نقف عند تجربة “التحالف الثلاثي”، الذي مكن أخنوش من تشكيل حكومة “تكنوقراطية بألوان حزبية” وبأغلبية برلمانية “مطلقة”، أعادت “التكنوقراط” إلى الواجهة السياسية، مستفيدين من ظاهرة “صباغة” الوزراء، التي اعتاد عليها “الأحرار” واستفاد منها “البام”، فيما كان الاستقلال أكبر ضحاياها، بعدما تفجرت ردود أفعال حزبية غاضبة على أحد مكونات “الكتلة الوطنية” السابقة، الذي بات متهم باصطفافه ضمن خانة الأحزاب “الإدارية”.

(•) مدون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.