عصيد والفيزازي حداثيون أم رجعيون؟ ح.2

بقلم: د. محمد وراضي 

    إن رغبنا في تحديد مقومات الحداثة والعصرنة، فلا بد لنا من استحضار دعائم التخلف والرجعية. ومتى انتهينا إلى استحضار هذه وتحديد تلك، تأتى لنا الحكم على أصحاب الأقلام من كتابنا المعاصرين، المشاركين في مناقشة قضايا تهم الإنسان المغربي وغيره في الحال والمآل. فما هي ضوابط الحداثة والعصرنة بكل أمانة وبكل موضوعية، بعيدا عن الذاتيات، أو النرجسيات؟

    في طليعة مقوماتهما أو ضوابطهما، نجد الحرية. إنها مبدأ ديني عندنا، قبل أن يحصل عليها الغربيون بكفاحهم المرير، ويعتمدونها في أنظمتهم السياسية، بعد حين من الطاغوت الكهنوتي الكنسي، والسلطوي الجبروتي الدنيوي، ممثلا في الملوك والأمراء والبابوات. وأعتقد أن الفيزازي وعصيد على بينة من مضمون قوله تعالى: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” (الرشد فكر نوراني، والغي فكر ظلامي)! وفي قوله سبحانه: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”! وأعتقد أنه لا يغيب عن هذين المتجادلين، كيف أن غياب الحرية بمفهومها الشامل، هو الذي يؤدي إلى الانتفاضات الشعبية، المزلزلة للأوضاع الأمنية في دولنا العربية. تكفي الإشارة إلى ثورة التونسيين، والمصريين، والليبيين، والجزائريين، والمغاربة المتأففين من الفكر الظلامي الجاهلي على مسوى النظر وعلى مستوى التطبيق؟

ويلي غياب الحرية في بلدان تدعي أنها مسلمة، غياب مبدأ العدالة، ومبدأ المساواة، وكان أن حل محلهما في دولنا العربية مبدأ الظلم والتعدي، والتفاوت الطبقي المجحف، وانتشار الفقر والبطالة، بخصوص ما ينشر من مشاكل في مختلف وسائل الإعلام. مما يحمل الشعوب على المطالبة بالحرية والاستقلال الفعلي، بعد أن أصبح صوريا بخطابات رنانة؟ بحيث يعد المستفيدون منه على رؤوس الأصابع؟

    وعندما نتحدث عن الحرية بمفهومها الشامل، فإننا بالدرجة الأولى، نقصد الحرية السياسية التي تسمح بالمراقبة والمساءلة، وهما مبدآن إسلاميان لا وجود لهما على أرض الحكومات العربية المعاصرة، وإلا هل نملك حرية مراقبة ومساءلة أي حاكم يتصرف في شؤوننا، دون أن نتعرض لمضايقات، لا يدرك خطرها إلا من ذاقوا منها ألوانا من التعذيب والمتابعات اللاقانونية واللاشرعية. فأنا من ضمن من عرفوا السجن كاحتجاج مني على كيفية اختفاء واغتيال المهدي بنبركة؟ ففي عام اغتياله، حصلت على شهادة الباكالوريا، وأصبحت على أبواب الالتحاق بإحدى الكليات، فكان أن تمكنت – بعد شهرين من السجن – من الالتحاق بكلية الآداب الرباطية. بصرف النظر عمن اختفوا قبلي وبعدي وراء القضبان لسنوات، من علمانيين ومن إسلاميين في شتى المجالات، ومن شتى الانتماءات السياسية؟

   فإن غابت الحرية السياسية والدينية إلى حد بعيد، فإن حرية تعاطي الدعارة متوفرة، مثلها مثل حرية تعاطي الخمور والمخدرات، والتمادي في الإكثار من المراقص التي تعج بها بلادنا حتى في شهر رمضان؟ فيكون على العلماء أن يتكتلوا متسلحين بالنصوص القطعية الثبوت والدلالة لمواجهة جنود الظلام، الذين يبيعون دينهم خيانة لله ولرسوله، بدلا من الانكباب على مناقشة جزئيات، أبعد ما تكون عن دور العلماء في النهي عن المناكر، وإلا فما الذي يعنيه الجدل حول تعدد الزوجات؟ والقنوت، ونواقض الوضوء أو مبطلاته؟

    وأنا هنا أتحدى كل المتهمين المساهمين في الانحراف عن الدين الحق، كانوا من الممارسين لدور لهم في مسمى  المجلس العلمي الأعلى، أو في مسمى المجالس العلمية الجهوية. وأتحدى من هم في مقدمة المسؤولين عن تدبير الشأن الديني أن يقيموا مناظرة موضوعها المواجهة بين علماء السلطان، وبين علماء الأمة بخصوص الدين في الجملة، لأن هؤلاء البعيدين عن التزود بالظلاميات يرتبطون بقضايا من خلالها يبرهنون على أن مسمى الإسلام المغربي مليء بالضلال المبين؟ وإلا فأي عالم يؤكد لنا أن رسول الله ص كان يعقد حلقات للذكر الجماعي؟ وأنه يدعو جهرا على إثر كل صلاة؟ وأنه يذكر الله بالإسم المفرد؟ وأنه يوصي ببناء الأضرحة ورفع القباب عليها، والذبح عندها؟ وأنه أوصى بإحداث فرق دينية، واحدة تشرق، وواحدة تغرب؟ أم إنه سبحانه على العكس قال: “ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله”؟ يعني أمره سبحانه باتباع سنن نبيه، ونهيه عن اتباع خطوات الشيطان؟ إلى حد أنني شخصيا أعتبر الطرق الصوفية المختلفة خطوات الشيطان على وجه التحديد. وهذه الخطوات تبرأ منها كافة أئمة المذاهب الفقهية؟ وفي مقدمتهم الإمام مالك الذي وافق بقية إخوانه الأئمة في كون الضلالات، بدع لا علاقة لها أبدا بالدين الحق؟ لأنه ص بريء من البدع أينما وأنى وجدت؟

    دون ما أدنى شك من كون عصيد على علم بنفاق المتملقين الذين يبحثون عن المال والشهرة، وأن الحق بالنسبة إليهم فيما يمارسونه من بيع للدين؟ وهذه العملية الواضحة، يشاركهم فيها كل من يخاطب الجماهير عبر القنوات الفضائية والأرضية. كان خطاب المخاطبين حول الدين، أو كان حول ما له صلة بالدين من قريب أو بعيد، إذ لا فرق عندنا بين الترحيب بسلفي جهادي تائب في نظر الدولة العلمانية الهوية؟ وبين من اقتدى بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في علاقته ب”سيمون دي بوفوار”. فكلاهما يسلك نفس مسلك الترويج لنظام من الصعب الادعاء بأنه إسلامي، وفي الوقت ذاته بأنه علماني ليبرالي؟؟؟ وفي الوقت ذاته يسقط ادعاء الأول بأنه حداثي، ويسقط ادعاء الثاني بأنه سلفي، بينما هما معا رجعيان متخلفان؟؟؟

    والوضع في العالم برمته يشير إلى أن الجاهلية هي الطاغية، وأن الحداثة والعصرنة عبارة عن الغلبة للأقوى، حيث المكر والخداع والاستغلال؟ يعني قيما لا عقلانية ولا دينية تؤطر العلاقات الدولية. فالهمجية العلمانية هي التي رسخت التمييز العنصري، كما أدت إلى حروب من نتائجها الدمار، والإتيان على آلاف مؤلفة من أرواح جنود منتسبين إلى مختلف دول العالم؟ وقمة الهمجية واضحة في القنبلة الذرية الملقاة على هيروشيما ونازازاكي… وأن الحكام عندنا تلامذة من أدركوا في الحروب الدامية الذروة؟ وإلا فبماذا نفسر العلاقات بين حكامنا العرب كتلامذة للغرب في الجاهلية الموصوفة؟ وبماذا نفسر تدمير اليمن وسوريا، وما جرى ويجري في دول أخرى عربية مثلها؟ فهل لعصيد العلماني أن ينكر همجية العلمانيين التي تمارس على مستوى العالم برمته؟ وهل للشيخ الفيزازي أن يدعي القيام بدور عالم لفضح مناكر بلده، قبل قيامه بفضح مناكر العالم التي يتولى حكام العرب في الخليج المشاركة فيها بكل افتخاروبكل اعتزاز؟؟؟

    ثم نقول أين ادعاء عصيد بوجوب المضي في العولمة لكسب مزيد من العصرنة والحداثة؟ وأين ادعاء الفيزازي بأنه يساهم في ترسيخ هذه الحداثة وهذه العصرنة في الواقع المغربي المختل؟؟؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.