قمة المنامة واستراتيجية السلام

 بقلم: لحسن الجيت

انعقدت القمة العربية الثالثة والثلاثون على أرض مملكة البحرين ودوي المدافع بما في ذلك أزيز الرصاص في قطاع غزة لم يتوقف بل يكاد أن يصل إلى مسامع السادة الحاضرين. وبالرغممن هذه الأجواء المتوترة وغير المشجعة على التفاؤل وحتى على فتح نافذة من الأمل، بقي العالم كله في حالة انتظار وترقب لما يمكن أن تسفر عنه القمة العربية أو بالأحرى ما يرجى فيها من موقف أقله ألا يصب الزيت على النار بقدر ما هي نار مستعرة.

الغرب وعلى رأسه إدارة الرئيس بايدن راهنوا جميعهم على موقف عربي مهادن لعله قد يشجع على ممارسة مزيد من الضغط على الطرف الإسرائيلي المتعنت والمتمثل في شخص الوزير الأول بنيامين نتنياهو وهو الذي أوغل في الخلط بين تطلعاته الشخصية ومستقبله السياسي  وبين مصير البلاد ومصير المنطقة ككل بما فيها المصالح الاستراتيجية للشركاء.

وجاء الموقف العربي ملبيا لتلك الإنتظارات ومنسجما مع ما كان يريده المنتظم الدولي، كما كان امتدادا لخيار السلام الذي تأسس على أركان المبادرة العربية التي انطلقت في قمة بيروت عام 2002. فالرسائل التي طفحت من بيان قادة الأمة العربية أبانت على أنه بالرغم من الأحداث المروعة لتلك الحرب المجنونة الدائرة في قطاع غزة ما بين الجيش الإسرائيلي وميليشيات حركة حماس، فإن إرادة الأمة أقوى من أن يسمح للمتطرفين من كلا الجانبين بأن يتسيدوا هذا السيناريو الدامي. الرئيس الفلسطيني محمود عباس كان خير معبر عن هذه الحالة وعن هذه العبثية التي جرت الويلات على الغزاويين في القطاع محملا في ذلك المسؤولية المشتركة في اندلاع الحرب يوم 7 أكتوبر بقرار من قيادة حماس قوبل بردة فعل لامحدودة من الجانب الإسرائيلي.

 ولما شهد شاهد من أهلها كان من اللازم على القمة العربية أن تعتمد، بعد ذلك الإقرار في خطاب رسمي، مقاربة مغايرة للأسباب التي أدت إلى اندلاع الحرب. وبالفعل تم التركيز على دعوة المنتظم الدولي للتحرك من أجل بناء سلام على أسس متينة وصلبة يفضي إلى حل قوامه دولتين متعايشتين. كما كانت القمة على درجة من الوعي والإدراك بأن الهدنة بين الطرفين المتصارعين ستكون هشة ما لم تكن تتوفر على ضمانات تحول دون العودة إلى نقطة الصفر. من بين تلك الضمانات، كما جاء في بيان القمة، نشر قوات أممية للفصل بين الطرفين المتحاربين إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية تنهي هذا الصراع بشكل عادل ونهائي.

ولسنا مهووسين بنرجسية ما وبعيدين كل البعد عن الأنا المفخمة حينما نعيد إلى الأذهان بأننا كنا أول من دعا إلى نشر تلك القوات الأممية بعد عشرة أيام فقط عن اندلاع الحرب من خلال مقال لنا بعنوان “لا سلام بدون هدنة ولا هدنة من غير ضمانات” تم نشره يوم 19 أكتوبر 2023 في ثلاث منابر وهي “انباء إكسبريس” و”بالواضح” ومنصة “نبض” الخليجي. فيما أحجمت منابر أخرى عن نشره وهي حرة في خياراتها واختياراتها لكن ذلك لن ينال من عزيمة من آل على نفسه أن يطلع القارئ بكتابات تتميز بقوتها الاقتراحية من دون سفسطة كالحديث في النظريات أو الاستئناس بالمرجعيات والقوالب المتهالكة.

لذلك، فقراءتنا اليوم لمخرجات القمة العربية يجب فهمها كذلك في سياق تلك التجاذبات وموازين الفوة داخل المنظومة العربية والجامعة واحدة من تجلياتها. فالصورة الإجمالية في العالم العربي تشهد عن تقهقر واضح وتراجع كبير لما كان يسمى بجبهة التحدي والصمود وباتت تلك الدول تعاني ما تعانيه من أزمات داخلية وصلت إلى حد التطاحن وشبه الحروب الأهلية مما أثر سلبا على قوة تلك الدول في التحكم والتأثير.  ولا أدل على ذلك أنه حينما يوعز للرئيس بشار الأسد بالتزام الصمت ومنعه مسبقا من أخذ الكلمة ففي ذلك دلالة على أن القرار في المنظومة العربية انتقل إلى مكان آخر. وهوما يؤكد لنا اليوم أن الدول المعتدلة قد ازداد دورهاوتعاظم نفوذها في اتجاه السلام والتعايش من دون التفريط في الحقوق التاريخية وغير القابلة للتصرفلقضايا الأمة.

إنها اليوم معركة على الواجهة الدبلوماسية مع إسرائيل بعد سقوط الخيارات العسكرية التي طالما كانت صيحات في أودية وشعارات جوفاء لا طائل منها. أنظمة كانت تقتات من القضية الفلسطينية لخدمة أجندتها الداخلية واستخدامها كوسيلة لابتزاز دول الجوار كما هو الحال لدى النظام الجزائري الذي ما زال يكذب على نفسه ويتشدق بمساندة القضية في الوقت الذي لا يسمحفيه  للجزائريينحتى بالتظاهر من أجلها، كما يبخس قيمتها حينما يقارنها مع قضايا وهمية يتخذها مطية ونكاية في المغرب. وبالفعل قد جاء بيان القمة العربية ليشيد بجهود جلالة الملك لخدمة القضية الفلسطينية بينما بات واضحا للعيان مدى العزلة التي يعيشها النظام الجزائري داخل المنظومة العربية بدليل أن وزير خارجية الجزائر المدعو عطاف لم يجرؤ أمام كبار هذا المحفل من أن ينطق ولو ببنت شفة عن الصحراء المغربية التي طالما كان النظام الجزائري يضعها دائما ربيبة للقضية الفلسطينية. أين اختفت هذه المقارنة وأين هي تلك القوة الضاربة. لقد تحولت إلى قوة مضروبة أمام كبرياء دولة الإمارات العربية المتحدة وأمام شموخ المملكة العربية السعودية. وتلك واحدة من المفارقات التي لن يرضى عنها ذلك النظام. ويستمر مسلسل الإذلال.

اترك رد