محمد بودن: خطاب الملك خطاب بحجم المرحلة، خلاق، واقعي، إنساني ومستقبلي

بالواضح – عبداللطيف أبوربيعة

جاء خطاب العرش الذي وجهه الملك محمد السادس للشعب مساء الأربعاء 29 يوليوز 2020 في ظل ظروف استثنائية وصعبة تمر منها البلاد بسبب تفشي وباء كوفيد 19 وارتفاع وتيرة تفشي هذا الوباء في عدد من المدن والأقاليم ..خطاب سامي يمكن تحديد النقط التي ركز عليها أربع نقط رئيسية : القرارات والإجراءات الصعبة التي اتخذتها الدولة ، تأثير وانعكاس هذه القرارات والإجراءات على جميع الفئات والمؤسسات، القرارات والإجراءات والتدابير التي قذ تتخذ مستقبلا لمواجهة تطور الوضعية الوبائية بالبلاد، التأكيد والتشديد على روح التضامن وتنويع مقارباتها لتشمل جميع الفئات المتضررة.
ولتسليط مزيد من الضوء على ما جاء في الخطاب الملكي السامي، اتصلنا بالدكتور “محمد بودن” الخبير والمحلل السياسي والاستراتيجي والمختص في تحليل الخطب الملكية والذي أشار إلى أن خطاب جلالة الملك هو خطاب بحجم المرحلة التي تمر منها البلاد وهو خطاب خلاق من حيث تقديمه حلولا للتقليل من حدة الأزمة واستثمار فرصها ، وواقعي من حيث تقديمه كل الاحتمالات الممكنة والتحديات التي يمكن أن تقف في وجه الدولة والحمل الثقيل الذي قد يتحمله المغرب في المستقبل، وخطاب إنساني من حيث ما جاء به من عبارات التأكيد على روح التضامن والتضحية والالتزام والصبر في مرحلة صعبة ، وهو خطاب أخذنا كذلك بشكل ملفت إلى سؤال المستقبل من حيث ما يريد جلالة الملك من تظافر لكل الجهود حتى يكون مستقبل المغرب مستقبلا معافى خاصة وأن عاهل البلاد يدرك أنه بالرغم مما تم وضعه من مخططات واتخاذه من إجراءات وتدابير وتوفيره من إمكانيات، لم نحقق بعد العلامة الكاملة وهو ما يتطلب مواصلة العمل بنفس الروح وبنفس الرغبة وبنفس الإرادة.
بودن أكد على أن هذه اللحظة لها أهميتها التاريخية من خلال ما تقده من فرص وما تطرحه من تحديات في طريق المملكة مما حذا بجلالة الملك إلى تقديم رؤيا مؤسساتية على مستوى القطاع العام والخاص من حيث إحداث مؤسسات جديدة سيكون لها لا محالة الأثر الكبير على توجيه المسار إلى الوجهة الآمنة على المستوى الاقتصادي والاستثماري وعلى مستوى تحقيق الجاذبية وكذا الفعالية على مستوى التدبير وخاصة من حيث مسألة عقلنة الصناديق التمويلية ، وهي الفكرة المهمة الهادفة إلى تجميع الجهود واختصار الزمن. المتحدث ذاته ، أوضح أن إحداث صندوق الاستثمار الاستراتيجي من أجل دعم الأنشطة الاستثمارية سيكون علامة مهمة في مجال دعم وجلب الاستثمار للمغرب وخلق الالتقائية والتناغم بين القطاع الخاص والعام ..كما أن خلق الوكالة الوطنية والتي ستكون مهمتها التدبير الاستراتيجي لمساهمة الدولة ومواكبة أداء المؤسسات سينصب على عمل هذه المؤسسات وفعالية تدبيرها على مستوى الاجتهاد والإبداع ..مبرزا أن المرحلة بقدر ما تطرحه من تحديات إلا أنها تقدم فرصا لهذه المؤسسات من أجل أن تغير من طرائق عملها وتبتكر فلسفة جديدة في التدبير وتقلص من الإنفاق بشكل مبالغ فيه وتعمل على تدبير المخاطر ليكون لها عائد مهم على مستوى تطوير القطاع العام وعلى مستوى تحقيق القطاع الخاص للغاية من الاستثمار ومن ضخ المال، وبالتالي، يضيف متحدثنا، فإن جلالة الملك قدم في خطابه حلولا مبتكرة في عز الأزمة التي تمر منها البلاد سعيا إلى النزول بالأرقام التي يسجلها تفشي الوباء إلى أدنى المستويات في ظل توقع انتقال الوباء في العالم إلى موجة جديدة وخطيرة وهو ما يفرض اختيار طريق مؤسساتي على مستوى الاستثمار وإنعاش الاقتصاد حتى يصبح هذا الاقتصاد تنافسيا يقدم العائد اللازم للاحتياجات والضروريات على المستوى الوطني.
وحول النجاح الوطني الذي أشار إليه جلالة الملك في التعاطي مع الحد من تفشي الوباء ببلادنا ، أوضح بودن أن ذلك كان نتاج تراكم طبيعي لإرادة ملكية قيادية رشيدة ودعم الدولة وخطط قوية للحكومة واجتهاد الإنسان المغربي، وهي معطيات يمكن أن تساهم في بناء لحمة وطنية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لتجاوز التحديات والأزمات ..مؤكدا على أن هذا التعاقد هو الوصفة المغربية التي ينجح فيها المغرب مشيرا إلى أن كل اللحظات المفصلية التي يتحقق فيها الإجماع الوطني وتذوب فيها الحساسيات والتباينات وتختفي فيها الانتماءات ينجح فيها المغرب .كما أن بناء المرحلة الجديدة بما طرحه من ثقل وما توفره من إمكانيات يعتمد بالأساس على خلق توازن بين المصلحة العامة والمصالح الأخرى وإعلاء قيم الوطنية والصبر والوعي والتضحية ..مبرزا أن هذا التعاقد الوطني قد تتفرع عنه تعاقدات أخرى سياسية ، اجتماعية ، مجتمعي على اعتبار أن هذه العناصر كلها ستصب وتنصهر في المجهود الوطني والذي فيه الكثير من القرارات القوية والفعالة في نفس الوقت على مستوى التأثير وبلوغ الأهداف والحد من الصعوبات ..وما جاء به خطاب جلالة الملك يستطرد بودن، يشكل منصة مهمة للانطلاق نحو الأمام بالرغم من الحذر التي يفترض أن نبقي عليه مع هذه الجائحة علما أن المغرب يعرف أين يسير رغم هذه الحجرة التي وقفت في الطريق معتمدا على رجالات ونساء هذا الزمن والذين من المفترض فيهم أن يقدموا المصلحة العامة أولا وأن يتجنبوا التشويش على هذه المصلحة أو التأثير سلبيا عليها لما للمرحلة من ثقل كبير وأهمية تاريخية لمواصلة المسار بنفس الخيارات الكبرى ونفس العزيمة ونفس اللحمة الوطنية خاصة وأن جلالة الملك أكد في هذا الإطار على الوصفة الناجعة من أجل الخروج من مأزق بعض التحديات التي قد تفرضها المرحلة.
وحول سؤالنا للدكتور “محمد بودن” والمتعلق بمسألة الحماية أو التغطية الاجتماعية التي سبق وأسس لها جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2018 والتي أعاد التأكيد عليها جلالته اليوم في خطاب العرش لسنة 2020 ، رد متحدثنا أن هذه الحماية والتغطية الاجتماعية ، وكما أراد لها جلالة الملك، لا يجب أن تكون لحظة بروتوكولية أو ظرفية بل يجب أن تكون ممأسسة ومبنية على مصلحة الإنسان أولا لأن جلالة الملك يريد أن يكون للمواطن ضمان وأمان مكثف على المستوى الاجتماعي وعلى التوجه نحو اقتصاد سوق اجتماعي وليبرالية اقتصادية رحيمة تجعل من الدولة والمؤسسات سواء بالقطاع العام أو الخاص تفكر بشكل عام في دورها الاجتماعي بالموازاة مع أدوارها التقليدية، وبالتالي، يؤكد بودن، أن أهمية الحوار والتفاوض بين ممثلي المجتمع وممثلي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية هو ضروري بشكل عام من أجل التوصل إلى منظومة تحمي المواطن من ضنك العيش ومن مخاطر قد تهدده في صحته وفي مستقبله ..مشيرا من جهة ثانية فيما يتعلق بالنقاط والمرتكزات الأساسية ومنطلقات هذا الحوار إلى مسألة المعرف الاجتماعي أو السجل الاجتماعي الموحد والذي سيجنب المملكة المغربية النقاش الذي أثير من خلال دفعات الدعم المقدمة لحاملي بطاقة راميد أو فئات القطاع غير المهيكل وما واكب ذلك من تساؤلات واستفسارات في شأن من له الحق في الاستفادة ومن ليس له الحق، وبالتالي، سيكون هناك مسك إلكتروني ومراقبة وتتبع من قد يدلي بمعطيات كاذبة أو هوية كاذبة وما قد يترتب على ذلك من جزاءات.
بودن يعتقد في ختام تواصله معنا أن السير نحو تنظيم المجال الاجتماعي والذي شدد عليه جلالة الملك ، هو مفيد للبناء ولسرعة هذا البناء ومعزز الحكامة والشفافية وأيضا يعطي الحق لمن يستحقه لأن الأساس هو أن تصل الحقوق لمن يستحقها خاصة وأننا اليوم نعيش في كنف الدولة الاجتماعية والتي كانت طيلة هذه الفترة دولة راعية ومسؤولة وقامت بمجهود كبير اتجاه المواطنين بما تملكه من مقدرات وبحثت عن تحقيق تطلعاتهم في هذه الأزمة خاصة الأسر المتضررة رغم ما يقال على أن الأمر غير كافي وهذا صحيح بالنظر لحجم الانتظارات إلا أنه لا توجد دولة في العالم في هذه المرحلة استطاعت أن تقنع بسياساتها وتوجهاتها المواطنين وستكون دائما هناك حاجة ورغبة في التطوير وفي تجريب منطق جديد لذلك لا يجب أن يكون الحوار في هذه القضايا ولا يجب استغراق الوقت في ما لا يفيد ولا يجب تسييس الأمور بشكل كثير بل يجب تغليب المصلحة العامة والوطنية لأن المواطن المغربي البسيط ينتظر مثلا كيف يصل إلى سلة العلاجات في المستشفيات ولا أن تبرمج له مواعيد التطبيب على ستة أشهر أو سنة، ينتظر أن يصل إلى تقاعد لا يشكل بالنسبة إليه كابوسا، ينتظر كذلك أن يصل إلى خدمات اجتماعية ضرورية وذات جودة وخاصة بالنسبة للأسر في وضعية هشة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.