من أمانة التحقيق إلى تجديد الوعي بالتراث: وقفة ثانية مع كتاب «قُرّة العينين» لأنس أمين

بالواضح – متابعة من حفيظ حاجي

لا تستمدّ الكتب التراثية قيمتها من قِدمها وحده، بل من قدرتها على استعادة حضورها في الوعي العلمي، وما تتيحه من إمكانات للفهم والبحث وإعادة قراءة مسارات الفكر المغربي. ومن هذا المنطلق، يشكّل تحقيق الدكتور أنس أمين لكتاب «قُرّة العينين في الكلام على الرؤية في الدارين» للشيخ ماء العينين القلقمي، الصادر عن دار القرويين للنشر والتوزيع، مناسبة للتأمل في العلاقة بين أمانة التحقيق ومسؤولية صون الذاكرة العلمية.
إن أهمية هذا المصنَّف لا تنحصر في موضوعه العقدي، بل تتجلى أيضًا في تقاطع مباحثه مع الحديث والتصوف والأدب، بما يكشف عن طبيعة المعرفة التراثية وتداخل حقولها. فالنص القديم ليس مادة جامدة تُستعاد كما هي، وإنما أثرٌ فكري يحمل ملامح عصره، وطرائق علمائه في الاستدلال والمحاججة، ويظل قابلًا لقراءات جديدة متى أُحسن وضعه في سياقه التاريخي والمعرفي.
وتزداد أهمية هذا الإصدار باستحضار مكانة الشيخ ماء العينين في تاريخ الحياة العلمية بالمغرب والصحراء، وما يمثله تراثه من رصيد يستحق مزيدًا من التحقيق والدراسة. فخدمة هذا الرصيد لا تتحقق بالاكتفاء بالتعريف بأعلامه ومؤلفاته، بل تقتضي الكشف عن امتداداته الفكرية والروحية، ورصد صلاته بمؤسسات العلم والتأليف والتداول، بما يتيح إدماجه في كتابة أكثر شمولًا لتاريخ الثقافة المغربية.
أما التحقيق، فيبقى جوهر هذا العمل ومناط قيمته العلمية؛ إذ لا تكفي إعادة نشر النصوص لإحياء التراث، ما لم تقترن بالتوثيق والتخريج والضبط والتعريف بالمصادر والأعلام، مع الالتزام بالدقة المنهجية التي تمكّن القارئ من التحقق، والباحث من البناء على ما أُنجز. وهنا تتجلى مسؤولية المحقق في الجمع بين الوفاء للنص وتيسير قراءته، دون أن تحجب العناية بالشكل ضرورة الفحص العلمي للمضمون.
ولعل الرهان الحقيقي لمثل هذه المبادرات هو ألّا تظلّ حبيسة لحظة الاحتفاء بصدورها، بل أن تتحول إلى منطلق لأبحاث تستكشف ما تختزنه خزائن التراث المغربي من نصوص ومعارف، وتعيد وصل الذاكرة العلمية بأسئلة الحاضر. فالأمم لا تصون ماضيها بمجرد الاحتفاظ بآثاره، وإنما بمنح تلك الآثار حياة جديدة داخل المعرفة والنقاش والدرس.
تحية تقدير للدكتور أنس أمين على هذا الجهد العلمي، ولدار القرويين للنشر والتوزيع على إتاحة هذا المصنَّف للقراء والباحثين. ويبقى الأمل أن يكون هذا الإصدار خطوة في مسار أوسع لتحقيق التراث المغربي، لا بوصفه ذاكرة تستدعي الاعتزاز فحسب، بل باعتباره رصيدًا معرفيًا يستحق القراءة النقدية والاستثمار العلمي المتجدد.

اترك رد