الرباط شالة.. ثلاثة مقاعد تضع الدرويش ولشكر وبنبراهيم في واجهة السباق

بالواضح – الرباط

تبدو دائرة الرباط شالة، قبل أيام قليلة من موعد الاقتراع التشريعي في 23 شتنبر، واحدة من أكثر دوائر العاصمة قابلية لإعادة ترتيب أوراقها، ليس فقط لأن ثلاثة مقاعد برلمانية ستكون موضوع المنافسة، وإنما لأن السباق يجمع أسماء راكمت تجارب مختلفة داخل المؤسسات والأحزاب والعمل الميداني.

وفي قلب هذه المنافسة تبرز ثلاثة ترشيحات تستحق قراءة خاصة: عبدالعزيز الدرويش، وكيل لائحة حزب الاستقلال، والحسن لشكر، وكيل لائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأديب بن ابراهيم، وكيل لائحة الأصالة والمعاصرة. ولا يتعلق الأمر هنا بترتيب مسبق للمرشحين، بقدر ما يتعلق بقراءة عناصر القوة التي يحملها كل مسار انتخابي داخل دائرة لا تمنح سوى ثلاثة مقاعد.

وتزداد أهمية هذه القراءة باستحضار نتائج 2021، حين وزعت مقاعد شالة الثلاثة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي، بحصول لوائحها على 10823 و7605 و5880 صوتاً على التوالي، وفق النتائج المنشورة آنذاك.

لكن أرقام 2021 تظل مرجعاً لفهم الخريطة السابقة، وليست وصفة جاهزة لنتائج 2026، خصوصاً أن أسماء المرشحين تغيرت في عدد من اللوائح، وأن المشهد الحزبي والميداني داخل الدائرة دخل بدوره مرحلة جديدة.

الدرويش.. رصيد محلي يتحول إلى رهان برلماني

يخوض عبدالعزيز الدرويش هذه الانتخابات من موقع سياسي ومؤسساتي يمنحه خصوصية واضحة داخل المنافسة. فقد راكم حضوراً في تدبير الشأن المحلي، ويتولى رئاسة مجلس عمالة الرباط، في تجربة هي الأولى من نوعها داخل حزب الاستقلال، الذي اختاره وكيلاً للائحته في الرباط شالة، في رهان على تحقيق تمثيلية برلمانية غير مسبوقة للحزب بهذه الدائرة.

قوة هذا الترشيح لا ترتبط فقط باسم الحزب، وإنما أيضاً بالمسار اللافت الذي قطعه الدرويش داخل المؤسسات المنتخبة وبالمعرفة التي راكمها في مقاطعة اليوسفية القلب النابض لدائرة الرباط شالة، فضلا عن درايته بتفاصيل العاصمة وقضاياها الترابية والاجتماعية. وهي معطيات تجعل ترشحه منطلقاً من معرفة سابقة بالدائرة وواقعها المحلي، وليس محاولة اكتشافها انتخابياً للمرة الأولى.

كما أن تجربة الدرويش في تدبير الشأن الترابي تتيح له تقديم نفسه للناخب باعتباره مرشحاً يحمل تجربة عملية في التعامل مع الملفات المحلية والمؤسسات، وهو ما يجعل المعركة بالنسبة إليه اختباراً لقدرة هذا الرصيد المؤسساتي على التحول إلى تمثيلية برلمانية.

والأهم أن الاستقلال لا يدخل شالة هذه المرة بالصيغة نفسها التي خاض بها استحقاق 2021؛ فاختيار شخصية ذات حضور محلي ومؤسساتي واضح يغير طبيعة رهان الحزب، ويجعل استعادة المقعد جزءاً من معركة أوسع لاستعادة موقع انتخابي داخل العاصمة.

وإذا أفرزت النتائج حضوراً قوياً للدرويش وحزبه، فإن ذلك لن تكون له دلالة برلمانية فقط؛ بل قد يضيف إلى مساره المؤسساتي بعداً وطنياً جديداً، وتصبح طبيعة موقعه داخل الحزب والخريطة السياسية المقبلة عاملاً في تحديد ما يمكن أن يحمله هذا المسار من امتدادات لاحقة، بما فيها الأدوار الحكومية، إذا أفرزت نتائج الاقتراع والتحالفات السياسية شروط ذلك.

لشكر.. مقعد قائم ومعركة تثبيت الحضور الاتحادي

أما الحسن لشكر، فيدخل السباق من موقع انتخابي مختلف، فهو النائب الحالي عن دائرة الرباط شالة، وقد جدد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ثقته فيه وكيلاً للائحته برسم انتخابات 23 شتنبر.

وهذا المعطى يمنح ترشيحه طبيعة خاصة: فالمعركة بالنسبة إليه ليست بحثاً عن موطئ قدم جديد داخل الدائرة، وإنما دفاع عن حضور انتخابي سبق أن تمكن من بنائه، وتحويل تجربة الولاية السابقة إلى رصيد يمكن أن يساعد الاتحاد الاشتراكي على الاحتفاظ بمقعده.

ويملك لشكر، إلى جانب موقعه البرلماني، تجربة داخل المؤسسة التشريعية واشتغالاً على ملفات اجتماعية وخدماتية، بينما يحاول خلال الحملة الحالية جعل القضايا المرتبطة بأحياء شالة وواقعها الاجتماعي جزءاً أساسياً من خطابه الانتخابي. وقد تحدث أخيراً عن أوضاع اجتماعية صعبة في عدد من أحياء الدائرة، رابطاً ذلك بملفات السكن والصحة والحماية الاجتماعية والتشغيل.

ومن هنا، فإن ورقة لشكر الانتخابية تقوم على معادلة واضحة: مقعد قائم، تجربة برلمانية، حضور اتحادي داخل الدائرة، ومحاولة تحويل الحصيلة والتواصل المباشر مع السكان إلى رصيد انتخابي جديد.

كما أن استمرار الحضور البرلماني للاتحاد الاشتراكي في شالة، إذا تحقق، سيمنح لشكر موقعاً متجدداً داخل المؤسسة التشريعية، ويتيح له مواصلة بناء مساره السياسي على أساس تجربة انتخابية ثانية ممتدة.

وعلى المستوى الأبعد، ستظل طبيعة المرحلة السياسية المقبلة وحجم الاتحاد الاشتراكي داخل الخريطة الوطنية وموقعه في أي ترتيبات للتحالفات عوامل محددة لأي امتداد حكومي محتمل لمسار لشكر؛ وهي مسألة لا يمكن حسمها قبل معرفة النتائج وشكل الأغلبية المقبلة.

بنبراهيم.. تجربة برلمانية وحضور حكومي يدخلان الاختبار الانتخابي

أديب بن ابراهيم يخوض بدوره الانتخابات من موقع يجمع بين تجربة انتخابية سابقة وحضور حكومي، بعدما جدد حزب الأصالة والمعاصرة ترشيحه في دائرة الرباط شالة. وكان الحزب قد حصل في 2021 على أحد المقاعد الثلاثة بالدائرة، ما يجعل ترشيح بنبراهيم مرتبطاً أيضاً برهان الحفاظ على حضور حزبي قائم.

وتضيف تجربة بنبراهيم في العمل البرلماني والحكومي إلى ترشيحه بعداً مؤسساتياً واضحاً، فيما أظهرت الحملة الحالية تركيزاً على التواصل المباشر مع سكان الدائرة وشرح البرنامج الانتخابي والإنصات إلى انتظارات المواطنين.

وتكمن إحدى نقاط القوة في هذا المسار في أن المرشح لا يقدم نفسه فقط باعتباره وكيلاً للائحة حزبية، وإنما باعتباره صاحب تجربة سابقة داخل المؤسسة التشريعية وتجربة حديثة في العمل الحكومي، بما يسمح له بخوض الانتخابات من موقع يجمع بين معرفة العمل البرلماني والاحتكاك المباشر بآليات تدبير السياسات العمومية.

لكن أهمية هذه العناصر تظل في النهاية مرتبطة بالقدرة على ترجمتها إلى حضور انتخابي داخل الرباط شالة، وهي مهمة لا تختلف في جوهرها عن الاختبار الذي يواجهه منافسوه.

وإذا أفرز الاقتراع نتيجة تعزز موقع بنبراهيم داخل البرلمان، فإن تجربته السابقة والحكومية قد تمنحه امتداداً سياسياً إضافياً في المرحلة المقبلة، لكن طبيعة هذا الامتداد، بما في ذلك أي حضور حكومي محتمل، ستبقى رهينة بالنتائج الوطنية وموقع حزبه داخل التحالفات التي ستتشكل بعد الانتخابات.

ثلاثة مسارات.. وثلاثة رهانات على المقعد نفسه

المثير في الرباط شالة أن المرشحين الثلاثة لا يخوضون المنافسة بالرصيد نفسه، لكنهم يحملون ثلاثة أنواع من الرصيد السياسي القابل للتحول إلى أصوات.

الدرويش يأتي من بوابة التدبير الترابي والعمل المؤسساتي المحلي، حاملاً معه رهان حزب الاستقلال على إيجاد أول موطئ قدم استقلالي برلماني داخل دائرة الرباط شالة.

ولشكر يدخل من بوابة المقعد القائم والتجربة البرلمانية، حاملاً رهان الاتحاد الاشتراكي على استمرار تمثيليته في الرباط شالة.

وبنبراهيم يخوض السباق مستنداً إلى تجربة برلمانية وحضور حكومي، فيما يراهن الأصالة والمعاصرة على الحفاظ على المقعد الذي حصل عليه في الانتخابات السابقة.

ولا يعني ذلك أن السباق ينحصر في هذه الأسماء الثلاثة. فالتجمع الوطني للأحرار، الذي تصدر نتائج 2021 في الدائرة، حاضر بدوره للدفاع عن موقعه، إلى جانب أحزاب ومرشحين آخرين يمكن أن يكون لهم تأثير مباشر في توزيع الأصوات والمقاعد.

وهنا تحديداً تكمن صعوبة دائرة الرباط شالة: ثلاثة مقاعد فقط، وأرصدة انتخابية متعددة، وأسماء قادرة على تحريك الخريطة السابقة دون أن تكون نتيجة 2021 كافية وحدها لاستشراف نتيجة 2026.

فالمرشح الذي يمتلك تجربة مؤسساتية يحتاج إلى تحويلها إلى ثقة انتخابية، وصاحب المقعد القائم يحتاج إلى إقناع الناخب باستمرارية حضوره، والمرشح صاحب التجربة الحكومية يحتاج إلى إثبات أن رصيده المؤسساتي قادر على الحفاظ على موقع حزبه داخل الدائرة.

من محطة الرباط شالة إلى ما بعدها

ولهذا فإن أهمية هذه الانتخابات بالنسبة إلى الدرويش ولشكر وبنبراهيم لا تتوقف عند السؤال المباشر: من سيحصل على أحد المقاعد الثلاثة؟

فالنتيجة التي سيحققها كل منهم ستسهم، في جانب منها، في تحديد موقعه داخل حزبه وفي المرحلة السياسية المقبلة. وقد تكون العودة إلى البرلمان بالنسبة إلى أحدهم تكريساً لمسار مؤسساتي، وبالنسبة إلى آخر استمراراً لمسار برلماني قائم، فيما قد تمثل لثالثهم محطة جديدة في مسار جمع بين البرلمان والحكومة.

ثم تأتي المرحلة الأوسع: حجم الأحزاب بعد الاقتراع، وتركيبة الأغلبية، وطبيعة التحالفات، والأسماء التي ستجد طريقها إلى مواقع المسؤولية الحكومية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مقاعد شالة باعتبارها جزءاً من صورة سياسية أكبر، دون تحميلها مسبقاً أكثر مما تحتمل. فالانتخابات ستمنح أولاً ثلاثة مقاعد برلمانية، لكن وزن أصحابها داخل أحزابهم، وما قد يترتب عن ذلك لاحقاً، سيظل مرتبطاً بالخريطة الوطنية كاملة.

وهكذا، تدخل الرباط شالة الأيام الأخيرة للحملة بثلاثة أسماء تحمل كل واحدة منها رواية انتخابية مكتملة: الدرويش برصيد التدبير والقرب من الشأن الترابي، ولشكر برصيد التمثيلية البرلمانية والحضور الاتحادي، وبنبراهيم برصيد التجربة البرلمانية والحكومية والحضور الميداني.

ثلاثة مسارات، ثلاثة رهانات، وثلاثة مقاعد فقط؛ أما ما بعد الصندوق، فستكتبه النتائج أولاً، ثم التحالفات التي ستتشكل في ضوئها.

اترك رد