بالواضح – الرباط
ليس من السهل أن تلاحق محمد الدرويش في مسار واحد.
تراه ذات صباح في الجامعة، أستاذاً يحمل أسئلة المعرفة إلى المدرج؛ ثم تلتقيه في قلب النقاش حول التعليم، فتجده يتحدث بلغة من خبر المؤسسة من الداخل؛ وبعدها يظهر في فضاء النقابة، حيث لا تكفي الأفكار وحدها ويصبح التفاوض والصبر وفن المرافعة جزءاً من المعركة؛ ثم تراه في ندوة ثقافية أو مؤسسة مدنية، فيعود المثقف إلى الواجهة؛ قبل أن تفتح السياسة بابها، فيدخلها حاملاً كل ما سبق معه.
كأن الرجل لا يغيّر موقعه بقدر ما يوسّع مداه.
فالأستاذ لا يغادر حين يصبح نقابياً، والنقابي لا يختفي حين يصبح مثقفاً، والمثقف لا يترك مكانه حين يدخل السياسة. كل واحد منهم يظل حاضراً في الآخر، حتى يصبح محمد الدرويش، في نهاية المطاف، شخصية تتقاطع داخلها الجامعة والنقابة والثقافة والعمل المدني والسياسة، لا مجالات متجاورة فحسب، وإنما تجارب تصنع بعضها بعضاً.
وربما لهذا يصعب اختزاله في منصب أو صفة. فالمناصب تقول أين كان، لكنها لا تقول تماماً من هو.
إنها شخصية صنعتها الحركة بين الأفكار والناس والمؤسسات؛ بين قاعة الدرس وطاولة التفاوض، وبين المنبر الثقافي وفضاء القرار. وفي كل انتقال كان يحمل معه شيئاً من المكان الذي جاء منه، ويترك شيئاً منه في المكان الذي يصل إليه.
هكذا يمكن قراءة محمد الدرويش: ليس باعتباره رجلاً جمع أدواراً كثيرة، وإنما باعتباره رجلاً جعل من تعدد الأدوار شخصية واحدة.
من اللسانيات إلى أسئلة المجتمع
في الأصل، هناك أستاذ جامعي.
محمد الدرويش أستاذ التعليم العالي في تخصص اللسانيات، اشتغل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، قبل أن يواصل مساره بجامعة محمد الخامس بالرباط. لكن اللسانيات، في تجربته، لم تبدُ يوماً جزيرة معزولة عن باقي اهتماماته؛ فقد ظل حاضراً في النقاشات التي تتجاوز حدود التخصص إلى قضايا الجامعة والمجتمع والثقافة والتنمية.
ولعل في هذا التكوين الأكاديمي ما يفسر جانباً من طريقته في مقاربة القضايا العامة: الانتباه إلى اللغة، إلى المفاهيم، وإلى ما تختزنه النصوص والخطابات من أفكار ومقاصد.
ولم يكن بعيداً عن المجال اللساني خارج الجامعة أيضاً، إذ تولى مسؤولية نائب رئيس اتحاد اللسانيين المغاربة، كما ارتبط اسمه بمبادرات فكرية وثقافية جعلت من المعرفة جسراً إلى المجال العام.
هنا تبدأ ملامح الشخصية في الظهور: أكاديمي لا ينظر إلى المعرفة باعتبارها إقامة داخل التخصص، وإنما باعتبارها مدخلاً لفهم الواقع والتأثير فيه.
حين خرج الأستاذ من المدرج إلى النقابة
كان من الطبيعي، في مسار كهذا، أن تنتقل أسئلة الجامعة من قاعة الدرس إلى فضاء الممارسة.
فقد تولى الدرويش الكتابة العامة للنقابة الوطنية للتعليم العالي، في مرحلة كان فيها التعليم العالي يعيش أسئلة الإصلاح والملفات المهنية للأساتذة الباحثين. ولم تكن المهمة مجرد موقع تنظيمي؛ فقد ارتبطت بتدبير ملفات ومفاوضات وحوارات مع الحكومة والوزارة الوصية.
وتكشف كتاباته ومداخلاته في تلك المرحلة أنه كان ينظر إلى الأستاذ الباحث باعتباره أكثر من موظف داخل مؤسسة جامعية؛ فمهنة الأستاذ، بالنسبة إليه، ترتبط بأدوار التعليم والبحث والتأطير والإسهام في تطوير المجتمع. وقد نشر، بصفته الكاتب العام للنقابة، مقالة حول «مهنة الأستاذ الباحث: المهام والأدوار» تناول فيها تطور منظومة التعليم العالي والبحث العلمي وأسئلة المهنة.
ثم اتسعت التجربة النقابية إلى المجال المغاربي، عندما تولى رئاسة اتحاد نقابات التعليم العالي بدول المغرب العربي. وهي محطة أخرى تكشف أن الرجل لم يكن يتعامل مع النقابة باعتبارها مجرد فضاء للدفاع عن مطالب فئة مهنية، بل باعتبارها أيضاً مجالاً للحوار حول مستقبل الجامعة والتعليم العالي.
وهنا تضاف إلى الأستاذ شخصية أخرى: النقابي الذي يعرف أن الفكرة، مهما كانت قوية، تحتاج إلى نفس طويل حتى تتحول إلى اتفاق أو قرار أو تغيير.
المعرفة حين تتحول إلى فعل مدني
غير أن الجامعة والنقابة لم تكونا نهاية الطريق.
ففي العمل المدني والثقافي، وجد الدرويش مساحة أخرى لترجمة انشغالاته. ارتبط اسمه بمؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم، كما تولى رئاسة المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين.
واللافت هنا أن هذه المواقع لم تكن خروجاً عن اهتمامه الأصلي، وإنما بدت امتداداً له. فإذا كانت النقابة تتيح له الدفاع عن قضايا الأساتذة والجامعة، فإن المرصد والمؤسسة الثقافية يتيحان لهما مساحة أوسع: مناقشة المنظومة نفسها، مساءلة اختياراتها، وفتح النقاش حول مستقبلها.
وهذا ما يفسر استمرار حضوره في النقاش التربوي حتى بعد مغادرته المسؤولية النقابية.
في سنة 2024، تحدث الدرويش عن خلاصة تجربة قال إنها تمتد لأكثر من ثلاثين سنة، معتبراً أن الأزمة الحقيقية في منظومة التربية هي «أزمة نموذج»، وأن هناك فجوة بين استراتيجية الدولة وآليات تطبيقها على المستويات المؤسساتية المختلفة.
ليس مهماً هنا الاتفاق أو الاختلاف مع كل تشخيص يقدمه؛ الأهم أن الرجل ظل ينظر إلى التعليم من زاوية التجربة المتراكمة، لا من زاوية اللحظة وحدها.
رجل يقرأ المؤسسة من الداخل
ربما تكون هذه واحدة من أكثر الخصائص التي تميز تجربته.
الدرويش لم يكتفِ بالحديث عن التعليم من الخارج. فقد كان أستاذاً في الجامعة، ثم عاش تفاصيل العمل النقابي من موقع المسؤولية، ثم واصل متابعة قضايا المنظومة من خلال العمل المدني والفكري.
لذلك حين يتحدث عن إصلاح التعليم العالي، لا يأتي كلامه منفصلاً عن تجربة عملية طويلة.
في ملاحظاته حول مشروع مرسوم هيئة الأساتذة الباحثين سنة 2023، مثلاً، لم يكتف بمناقشة المقتضيات التفصيلية، وإنما طرح سؤالاً أوسع حول «روح» النص وفلسفته، مستحضراً تجربته السابقة في شرح النصوص والتفاوض بشأنها.
وربما كان هذا التعدد نفسه قد منح شخصيته اتساعاً يتجاوز المواقع التي شغلها؛ اتساعاً يترك في حضوره شيئاً من خفة الأستاذ، وحيوية النقابي، وفضول المثقف، وروح السياسي المنفتح على الناس. لذلك يبدو، رغم تراكم السنوات والمسؤوليات، أقرب إلى شخصية تحتفظ في داخلها بروح شابة، مرنة، محبة للحركة والحياة، قادرة على الانتقال بين الجدية والمرح من دون أن تفقد وقارها.
وهنا تلتقي شخصية الأستاذ بشخصية النقابي والمثقف: الأستاذ يسأل عن الفكرة، والنقابي يسأل عن أثرها على الناس والمؤسسة، والمثقف يسأل عن فلسفتها واتساقها.
ثلاثة أسئلة في صوت واحد.
السياسة.. مجال آخر لحضور الشخصية
وإذا كانت السياسة محطة في مسار الدرويش، فإنها لا تبدو منفصلة عن كل ما سبقها.
كان عضواً في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومسؤولاً عن قطاع التعليم العالي داخل الحزب، إلى جانب مسؤوليات حزبية وتنظيمية أخرى. كما جمع في مساره السياسي بين الانخراط الحزبي والعمل الفكري والمدني.
ولذلك يصعب أن تُقرأ تجربته السياسية باعتبارها صفحة مستقلة عن سيرته.
فالسياسي هنا يأتي ومعه الأستاذ، والنقابي، والفاعل المدني، والمثقف.
وهذه ربما إحدى أهم مفاتيح فهم الشخصية: السياسة لم تستبدل ما قبلها، وإنما أضافت إليه فضاءً جديداً.
لقد ظل التعليم حاضراً في اهتماماته، وظلت الجامعة جزءاً من ذاكرته المهنية، وظلت الثقافة حاضرة في فضائه العام. وبذلك لم يتحول تعدد المجالات إلى تشتت، بقدر ما أصبح نوعاً من التراكم.
رجل المؤسسات.. لا رجل المناصب
في السيرة المهنية، يسهل أن نعدّ المناصب: أستاذ، كاتب عام لنقابة، رئيس اتحاد، رئيس مؤسسة، رئيس مرصد، فاعل سياسي…
لكن تعدادها وحده لا يقول الكثير.
الأهم هو ما صنعته هذه المواقع في شخصية صاحبها.
فالجامعة أعطته المعرفة، والنقابة أعطته خبرة التفاوض والمرافعة، والعمل المدني أعطاه فضاءً أوسع للتفكير والتأطير، والثقافة منحته مجالاً لصناعة النقاش، والسياسة وضعته أمام تعقيد القرار والاختلاف والمجتمع.
وبهذا المعنى، فإن محمد الدرويش ليس رجلاً تنقل بين مواقع، وإنما رجل تراكمت داخله المواقع حتى صار كل موقع يشرح الموقع الآخر.
الأستاذ يفسر النقابي، والنقابي يفسر السياسي، والمثقف يفسر الأكاديمي، والفاعل المدني يربط الجميع بالمجتمع.
ما بين الفكرة والممارسة
في شخصية الدرويش شيء من ذلك النوع من المثقفين الذين لا يكتفون بإنتاج الفكرة، بل يبحثون عن طريقها إلى الواقع.
وهذا ما يجعل حضوره متصلاً دائماً بقضايا المؤسسات، لا بالأفكار المجردة فقط.
فحين يتحدث عن الجامعة، يتحدث من موقع من عاشها. وحين يناقش قضايا الأستاذ الباحث، يفعل ذلك من ذاكرة نقابية طويلة. وحين ينخرط في العمل الثقافي والمدني، يحمل معه خبرة المؤسسة. وحين يدخل المجال السياسي، لا يدخل بذاكرة السياسي وحدها، بل بكل هذه الطبقات المتراكمة.
لهذا، ربما، يصعب أن تجد فاصلاً حاداً بين محمد الدرويش الأستاذ ومحمد الدرويش النقابي ومحمد الدرويش المثقف ومحمد الدرويش السياسي.
إنهم ليسوا أربعة رجال.
إنهم رجل واحد، تعددت ساحات حضوره وبقي جوهر انشغاله متصلاً بالمعرفة والإنسان والمؤسسة والشأن العام.
مسار لا يختصره منصب
بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحضور في الجامعة والنقابة والعمل المدني والسياسي، تبدو سيرة محمد الدرويش أقرب إلى مسار فكري وعملي متصل منها إلى قائمة من المسؤوليات.
فالرجل الذي بدأ من اللسانيات لم يبق أسير التخصص، والأستاذ الذي دخل النقابة لم يتخل عن الأكاديمي، والنقابي الذي اتجه إلى العمل المدني لم يغادر قضايا الجامعة، والمثقف الذي اقترب من السياسة لم يفقد لغته الأكاديمية.
كل مرحلة أضافت شيئاً إلى التي سبقتها.
وربما هنا تحديداً تكمن خصوصية التجربة: أن التعدد لم ينتج شخصية مشتتة، بل شخصية أكثر تركيباً.
محمد الدرويش، في النهاية، ليس فقط أستاذاً جامعياً مارس النقابة، ولا نقابياً خاض السياسة، ولا مثقفاً اشتغل في الشأن العام.
إنه شخصية صنعتها الجامعة، وصقلتها النقابة، ووسعتها الثقافة والعمل المدني، واختبرت حضورها السياسة؛ فبقيت كل هذه التجارب حاضرة في بعضها البعض.
ومن ثم، فإن أفضل طريقة لقراءة مساره ليست البحث عن الصفة التي تختصره، بل النظر إلى المسافات التي قطعها بين الأفكار والمؤسسات والناس.
هناك، بين المدرج وطاولة التفاوض، وبين الندوة والمنبر العام، تتشكل صورة محمد الدرويش: رجل لم يبدّل مجاله بقدر ما وسّع مجاله، ولم يترك دوراً وراءه بقدر ما حمله معه إلى الدور التالي.
وهذا ما يجعل تعدد أدواره، في نهاية المطاف، ليس أكثر ما يلفت في سيرته، وإنما قدرته على تحويل هذا التعدد إلى شخصية واحدة لها ملامحها ومسارها وأثرها.
