متى ستنضم الرباط لشبكة «مدن للتعلم»؟
بقلم: سعيد الياسمني (.)
في الوقت الذي تتجه فيه مدن العالم إلى جعل التعلم رافعة للتنمية المستدامة، يبرز سؤال يستحق النقاش بمناسبة اليوم العربي لمحو الأمية: لماذا لم تنضم مدينة الرباط، عاصمة المملكة المغربية، إلى الشبكة العالمية لمدن التعلم التابعة لليونسكو، رغم ما تتوفر عليه من مؤسسات جامعية وعلمية وثقافية وموارد بشرية مهمة؟
من مدينة التعليم إلى مدينة التعلم
وفقا لمعهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة (UIL)، فإن مدينة التعلم ليست مجرد مدينة تضم مدارس وجامعات ومراكز للتكوين، بل هي مدينة تعبئ مواردها ومؤسساتها وفاعليها من أجل إتاحة فرص التعلم للجميع، في مختلف الأعمار ومجالات الحياة.
ويشمل هذا التصور التعليم النظامي، وتعلم الكبار، ومحو الأمية، والتكوين المهني، والتعلم الرقمي، والتعلم داخل الأسرة والعمل والمجتمع. فالهدف هو بناء ثقافة تجعل التعلم مدى الحياة مسؤولية مشتركة بين الجماعات الترابية والمؤسسات التعليمية والاقتصادية والثقافية والمجتمع المدني.
ومن هذا المنطلق، أطلقت اليونسكو سنة 2013 شبكتها العالمية لمدن التعلم، بهدف تشجيع المدن على تبادل التجارب وتطوير السياسات والممارسات التي تجعل التعلم محركا للتنمية والإدماج الاجتماعي.
عواصم عربية ومدن مغربية سبقت إلى الشبكة
تضم الشبكة مدنا عربية عديدة، من بينها عمان وتونس والدوحة ومسقط، كما شهدت سنة 2025 انضمام القاهرة والرياض. وعلى المستوى المغربي، التحقت مدن عدة بالشبكة، من بينها أكادير وفاس والصويرة ومراكش وبنجرير وإفران وشفشاون، ثم الدار البيضاء ووجدة سنة 2025.
وتؤكد هذه التجارب أن الانضمام ليس امتيازا محصورا في العواصم أو المدن الكبرى، بل هو مسار يمكن أن تسلكه مدن مختلفة الأحجام، متى توفرت لديها الرؤية والإرادة والآليات اللازمة.
الرباط: مؤهلات واعدة تحتاج إلى رؤية موحدة
تتوفر العاصمة المغربية على مقومات مهمة يمكن أن تشكل أساسا لمشروع متكامل لمدينة التعلم؛ فهي مركز للمؤسسات الوطنية والجامعات ومراكز البحث، وتحتضن مؤسسات ثقافية ومكتبات وفضاءات للتكوين والعمل الجمعوي ومدينة المعرض الدولي للكتاب.
وقد احتضنت الرباط أيضا أنشطة للتعاون الإقليمي في مجال تعلم الكبار، وهو ما يعزز إمكاناتها لتكون فضاء لتطوير المبادرات وتبادل الخبرات.
لكن هذه المؤهلات، مهما كانت أهميتها، لا تجعل المدينة تلقائيا مدينة للتعلم. فالتحدي الأساسي هو الانتقال من وجود مؤسسات ومبادرات متفرقة إلى استراتيجية حضرية متكاملة تجعل التعلم مدى الحياة جزء من السياسات المحلية وأولويات التنمية.
ماذا ستربح الرباط من الانضمام؟
يمكن أن يتيح الانضمام إلى شبكة اليونسكو للرباط فرصا لتبادل الخبرات مع مدن من مختلف أنحاء العالم، وتطوير الشراكات بين الجماعة الترابية والجامعات والمؤسسات الثقافية والمقاولات والجمعيات.
كما يمكن أن يدعم بناء برامج مبتكرة لمحو الأمية، والتعلم الرقمي، والتكوين المستمر، وتطوير المهارات المهنية، والتربية الإعلامية، والتعلم المرتبط بالتحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
والأهم أن هذا التوجه يمكن أن يوسع فرص التعلم أمام الفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إليه، مثل الكبار الذين لم يستكملوا تعليمهم، والأشخاص في وضعية هشاشة، والباحثين عن العمل، وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
إن مدينة التعلم ليست مجرد تصنيف دولي، بل فرصة لإعادة تنظيم الموارد المحلية بما يجعل التعلم أداة لتعزيز المشاركة المجتمعية وتحسين المهارات ودعم التنمية المستدامة.
ماهي شروط الانضمام؟
تؤكد الوثائق التوجيهية لمعهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة أن الانضمام يتطلب التزاما سياسيا محليا واضحا، وتبني رؤية للتعلم مدى الحياة، واحترام المبادئ المرجعية للشبكة، ثم تقديم طلب رسمي وفق المسطرة المعتمدة وطنيا.
وتشمل الإجراءات التشاور مع الفاعلين المحليين، واستكمال استمارة العضوية، والحصول على تأييد العمدة، وإحالة الطلب عبر اللجنة الوطنية لليونسكو. كما يتطلب الانضمام مواصلة العمل وتقييم التقدم المحرز وتقديم تقارير دورية وفق متطلبات الشبكة.
وبالتالي، فإن الرهان أمام الرباط ليس مجرد تقديم ملف للعضوية، بل إعداد مشروع قابل للتنفيذ، بأهداف واضحة وشراكات فعلية ومؤشرات لقياس النتائج.
من محو الأمية إلى بناء مدينة تتعلم
في اليوم العربي لمحو الأمية، ينبغي توسيع النقاش من محاربة الأمية بمعناها التقليدي إلى بناء بيئة حضرية تتيح لكل شخص فرصة التعلم والتطور والمشاركة، مهما كان عمره أو مستواه التعليمي أو وضعه الاجتماعي.
إن السؤال ليس بالضرورة: لماذا ليست الرباط مدينة للتعلم؟ بل: ما الذي ينبغي أن تفعله الرباط حتى تصبح مدينة يتعلم فيها الجميع، وفي كل مرحلة من مراحل الحياة؟
قد تكون البداية بإطلاق مبادرة محلية تحت شعار «الرباط: مدينة تتعلم»، تقوم على تشخيص فرص التعلم وحاجاته، ورسم خريطة للموارد التعليمية والثقافية، وإشراك المؤسسات والجامعات والجمعيات والمقاولات والسكان في إعداد استراتيجية مشتركة.
فوجود المدارس والجامعات والمكتبات شرط مساعد، لكنه ليس كافيا. وما يمنح المدينة صفة مدينة التعلم هو قدرتها على تعبئة مواردها، وتنسيق جهود فاعليها، وضمان فرص التعلم للجميع.
إن طموح الرباط ينبغي ألا يقتصر على الانضمام إلى شبكة دولية، بل أن يجعل من التعلم مدى الحياة مشروعاً مجتمعيا وتنمويا. وعندئذ تصبح العضوية في شبكة اليونسكو امتدادا طبيعيا لسياسة محلية ناجحة، لا مجرد شهادة تضاف إلى سجل العاصمة.
