تُثير وثيقة قضائية صادرة عن المحكمة الإدارية معطيات لافتة بشأن طريقة تعامل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مع تنفيذ الأحكام القضائية، بعدما انتهى القضاء إلى فرض غرامة تهديدية قدرها 40 ألف درهم عن كل يوم امتناع أو تأخير في التنفيذ، في قضية مرتبطة بوزارة التعليم العالي ومديرية الشؤون القانونية والمنازعات.
وحسب الوثيقة، فإن الأمر يتعلق بحكم قضائي صدر بتاريخ 26 غشت 2025 في ملف عدد 2525/7110/2025، قبل أن يصدر قرار عن محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير بتاريخ 18 دجنبر 2025، وهو القرار الذي تم بموجبه تأييد الحكم موضوع التنفيذ.
وتكشف الوثيقة أن المحكمة لم تكتفِ بتثبيت الحق موضوع النزاع، وإنما لجأت إلى آلية الغرامة التهديدية لإجبار الإدارة على احترام منطوق الحكم وتنفيذه، محددة مبلغ 40.000 درهم عن كل يوم امتناع أو تأخير، مع احتسابها ابتداءً من تاريخ توقيف المدعي في 13 ماي 2025.
المثير في هذه القضية أن الجهة المعنية هي مديرية الشؤون القانونية والمنازعات، أي المصلحة التي يفترض أن تكون في مقدمة المصالح الإدارية المكلفة بتتبع الملفات القضائية والأحكام الصادرة بشأن الوزارة، والسهر على التعامل معها وفق المقتضيات القانونية.
وهنا تطرح القضية أكثر من علامة استفهام حول كيفية تدبير هذا الملف، وحول الأسباب التي جعلت صاحب الحكم مضطراً إلى طرق باب القضاء مجدداً من أجل حمل الإدارة على تنفيذ حكم صادر لفائدته.
فإذا كان الحكم القضائي واجب التنفيذ، فما الذي حال دون تنفيذه في حينه؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير؟ وهل قامت المصالح القانونية المختصة بكل الإجراءات اللازمة لتنفيذ الحكم فور صدوره؟ ثم من سيتحمل في نهاية المطاف الكلفة المالية للغرامة اليومية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بمبلغ يمكن أن يتراكم بسرعة ويصبح عبئاً على المال العام؟
القضية تضع مدير الشؤون القانونية والمنازعات أمام مسؤولية إدارية ومؤسساتية تستحق التوضيح، ليس باعتبار أن الوثيقة تثبت لوحدها وجود خطأ شخصي أو مسؤولية تأديبية، وإنما لأن صدور غرامة تهديدية بهذا الحجم ضد إدارة يفترض أن تكون مهمتها الأساسية حماية احترام القانون داخل الوزارة، يستدعي تفسيراً واضحاً للرأي العام وللمعنيين بالأمر.
إن احترام الأحكام القضائية ليس خياراً إدارياً ولا مسألة مرتبطة بتقدير المسؤولين، بل هو أحد الأسس التي يقوم عليها مبدأ سيادة القانون. وحين تضطر الإدارة إلى مواجهة غرامة يومية بقيمة 40 ألف درهم بسبب التأخير أو الامتناع عن التنفيذ، فإن الأمر يتجاوز مجرد نزاع إداري ليصبح سؤالاً حول فعالية منظومة تدبير المنازعات القضائية داخل الوزارة، وآليات تتبع الأحكام وتنفيذها، والمسؤوليات المترتبة عن أي تأخير غير مبرر.
وفي انتظار توضيحات الوزارة ومديرية الشؤون القانونية والمنازعات بشأن ملابسات هذا الملف، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً مطروحاً بقوة: كيف يعقل أن تتحول الجهة المكلفة بالشؤون القانونية إلى طرف في مسطرة قضائية غايتها إجبار الإدارة على تنفيذ حكم قضائي؟



