خطر تحالف “الفقر” مع “التفقير”..

بقلم: يونس فنيش

من عيوب الديمقراطية أنها تمكن البعض من الإستفادة من أزمة الغير. كما أن الديمقراطية لم تستطع في نهاية المطاف وقف زحف تجار الأزمات الذين أضحوا لا ينتظرون حدوث أزمات للمتاجرة فيها بل يفتعلونها و يتفننون في إطالة أمدها لتحقيق أكثر قدر ممكن من الأرباح الإضافية.

المشكل لا يتعلق لا بالليبرالية و لا بالاشتراكية و لا بالاقتصاد المختلط. فإذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب فكيف لها أن تمكن شركات خاصة من التحكم في التجارة و في الاقتصاد العام من خلال الاستحواذ على مواد حيوية و التحكم فيها؟

الديمقراطية لا تمكن الشعب من اختيار حكامه ليحكم من خلالهم، لأنها لا تترك له الإختيار سوى بين المرشحين الذين يبرزهم الإعلام الذي يخضع بدوره إلى سلطة المال الذي لا لون له و لا انتماء.

و بما أن “الديمقراطية المباشرة” لم تعد فكرة واقعية في عصرنا هذا، فأقل ما يمكن استخلاصه هو أن الديمقراطية كوسيلة لتدبير شؤون الناس و الدول شاخت و هرمت و اتضحت عيوبها و لم تعد تتماشى مع المنطق نفسه الذي أتت به.

إذا كانت الشعوب، بصفة عامة، قد اقتنعت بالديمقراطية في ما مضى و توحدت على منهجها، فلأن الجشع كان محدودا نوعا ما بحيث كان لا يستهدف أبسط مكتسبات الناس ليلتهمها متسببا ليس في “الفقر” فقط بل في “التفقير” أيضا كما يحدث اليوم. الفقر كان و مازال و سيظل هنا و هناك، ولكن “مسلسل التفقير” لا يمكنه أن يستمر لأنه يتنافى مع طبيعة الإنسان الذي لا و لن يتقبله.

في ما مضى كانت الأنظمة عبر العالم تخشى تحالف الطبقة البورجوازية مع الطبقة الكادحة لأنه تحالف كان ينتج الثورات، و أما اليوم حيث باتت الطبقة الوسطى قاب قوسين من الاندثار التام فلعل التحالف الذي سيشكل خطرا كبيرا على الأنظمة في المستقبل القريب هو التحالف بين “الفقر” و “التفقير”، بلا فلاسفة أنوار و لا نظريات و بلا تسميات و لا أوصاف. فقد نكون على أبواب شيء جديد عجيب…

الطبقة الوسطى هي مورد الفقراء. و مع تفقير الطبقة الوسطى قد نستفيق يوما ما على وضعية “فقراء” بأعداد هائلة لا يستطيع “المفقرون” مساعدتهم، آنذاك ستنتهي التصنيفات و مصطلحات علماء الاقتصاد و الاجتماع، و لن ينفع لا شرح و لا شروحات و لا تهدئة أوضاع، و ذلك لأن “المفقرين” بطبيعتهم لا يقبلون “الصدقة” عكس “الفقراء”.

“التفقير” ليس شيئا جديدا، ولكنه كان جد محدود بحيث كان مرتبطا فقط بحادث عابر أو بحظ عاثر، عكس ما يحدث اليوم من تسبب في “التفقير” من طرف شركات فاق جشعها كل التوقعات، و تجاوزت أساليبها الجهنمية الخيال العلمي أمام ضعف السياسة و السياسيين، و المثقفين أيضا نظرا لتوغل تلك الشركات الجشعة في دواليب صنع القرار لدرجة فرض توجهاتها على بعض الحكام. إننا أمام معضلة شركات جشعة لا تنتج شيئا و لكنها تتحكم في مصير الصناعة و الاقتصاد و مستقبل الدول.

إنها شركات تبدو شديدة القوة في حين أنها لا تعتمد سوى على صفاقة و وقاحة و تعنت و جشع و طمع مسيريها الذين لا قبل لهم بمهارات التجارة الحرة، و لا يصمدون إلا بفضل اقتراف جريمة تضارب المصالح.

هذه مشكلة تعاني منه عدد من دول العالم بما فيها بعض الدول المتقدمة، ولكن أثرها يكون أكثر حدة على شعوب الدول النامية التي قد تعجز على معالجتها فيحدث ما لا يحمد عقباه. ولكن في حالتنا حيث الأوامر العليا مطاعة، فحتى لو تورط مثلا رئيس الحكومة شخصيا في تضارب المصالح أو في سوء التسيير و التدبير، مثلا، يمكن إقالته بقرار سامي حكيم يرجع الأمور إلى نصابها بلا مشاكل و لا اضطرابات نحن في غنى عنها.

اترك رد