قراءة في خلفيات الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة

بقلم: مصطفى المريني (.)

انتشرت قراءات متضاربة في وسائل الإعلام المحلية والدولية بشأن أسباب الهجرة الجماعية لآلاف الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة، من بينها قراءات مغرضة ذهبت إلى حد الإيحاء بتورط السلطات المغربية في دفع الشباب إلى اقتحام المدينة. ولعل ما ساعد على رواج مثل هذه التأويلات هو التزام الحكومة المغربية الصمت إزاء الحدث ،وذلك رغم ما اكتسبه من أبعاد إقليمية ودولية، الأمر الذي ترك فراغًا ملأته التأويلات والإشاعات ..وبصرف النظر عن خلفيات هذه القراءات ودوافعها، فإن المقاربة الأكثر اتزانا، في تقديري، تقتضي التعامل مع ما جرى باعتباره نتاجًا لتفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية وتواصلية، عززتها ديناميات منصات التواصل الاجتماعي، لا باعتباره فعلًا مدبرا من طرف السلطات المغربية، فالظواهر الجماعية بهذا الحجم لايمكن تفسيرها بسبب واحد أو بمنطق المؤامرة،وإنما هي حصيلة تراكمات بنيوية تنفجر عندما تتوفر ظروف موضوعية ..
فعلى المستوى الاجتماعي مثلا، يكشف الحدث عن أزمة أفق تعيشها فئة واسعة من الشباب، تتمثل في تراجع الإحساس بإمكانية الارتقاء الاجتماعي، وضعف الثقة في قدرة السياسات العمومية على تحقيق الإدماج والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص. فالهجرة هنا لم تعد مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل تحولت لدى كثيرين إلى تعبير عن فقدان الثقة في المستقبل، وعن شعور متزايد بأن مسارات النجاح أصبحت أكثر صعوبة داخل الوطن. ولا شك أن الحكومة تتحمل جانبًا من المسؤولية في هذا الوضع، ليس لأنها أنتجت الأزمة بمفردها، وإنما لأنها لم تنجح بالقدر الكافي في تحويل النمو الاقتصادي والأوراش الكبرى إلى أثر اجتماعي ملموس يشعر به الشباب في حياتهم اليومية. فالفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يبشر بفرص واعدة، وبين الواقع الذي يعيشه جزء من الشباب، أسهمت في تكريس الإحباط وتغذية النزعة إلى البحث عن الخلاص خارج الحدود.
أما على المستوى الاقتصادي، فلا يمكن إغفال تأثير البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الفوارق المجالية والاجتماعية، وهي عوامل راكمت شعورًا بالهشاشة لدى شرائح واسعة من المجتمع. ورغم أن هذه الإكراهات ترتبط أيضًا بظروف دولية وإقليمية، فإن الحكومة مطالبة سياسيا واخلاقيا بتحمل مسؤوليتها في الحد من آثارها، عبر سياسات أكثر نجاعة في التشغيل، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتوجيه ثمار النمو نحو الفئات الأكثر هشاشة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تحقيق مؤشرات اقتصادية إيجابية، وإنما في قدرة هذه المؤشرات على الانعكاس إيجابا على حياة المواطنين، ولا سيما الشباب، الذين يشكلون الرأسمال البشري لأي مشروع تنموي.
ومن زاوية التواصل ،فقد لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في دينامية الحدث،حيث تحولت إلى فضاءات للتعبئة السريعة، وهو ما يؤكد أن الهجرة غير النظامية لم تعد تدار فقط عبر شبكات التهريب التقليدية ،بل أصبحت ايضا رهينة ديناميات الفضاء الرقمي بما أضحى يملي على السلطات تطوير سياسات تواصلية واستباقية أكثر فاعلية ويطرح الحدث سؤالا مهما حول طريقة تدبير الحكومة للتواصل أثناء الأزمات ،فعياب المعلومة الرسمية فتح الباب على مصراعيه أمام الإشاعات والتأويلات ،بل واستغلت الواقعة سياسيا واعلاميا من أطراف مناوئة لبلدنا .وفي المقابل، فإن الاعتماد على المقاربة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، لا يكفي لمعالجة الظاهرة. فالتجارب الدولية تُظهر أن تشديد المراقبة قد يحد من بعض المحاولات، لكنه لا يوقف الدوافع العميقة التي تدفع الشباب إلى الهجرة. لذلك، فإن الحل الحقيقي يمر عبر مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية، وبين حماية الحدود وفتح آفاق الأمل داخل الوطن. إن ما حدث في سبتة المحتلة يجب أن يُفهم كرسالة إنذار واضحة، وليس مجرد حادث عابر. فهو يعكس الفجوة المتزايدة بين تطلعات الشباب وقدرة السياسات العمومية على الاستجابة لها، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة عميقة للسياسات الموجهة لهذه الفئة، ليس فقط عبر توفير فرص الشغل، بل أيضًا عبر إعادة بناء الثقة في المؤسسات، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية، وفتح مسارات حقيقية للمشاركة والارتقاء.

(.) استاذ جامعي 

اترك رد