قراءة في كتاب رولان بارت بقلم رولان بارت
بقلم: عبداللطيف عسيسو
اشتهر المفكر والناقد والفيلسوف الفرنسي الشهير رولان بارت بأعمال بارزة مثل “S/Z”، و”أساطير” (Mythologies)، و”شذرات من خطاب في الحب” ،و”الغرفة المضيئة” ، و”درجة الصفر في الكتابة” ، و”إمبراطورية العلامات” ، و”لذة النص”). وعلى مدى سنوات عديدة، كان لهذه الكتب تأثير كبير في مجالات النظرية النقدية، والفلسفة، والأدب المقارن، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وحتى الدراسات الأكاديمية للتصوير الفوتوغرافي والسينما. ورغم استمتاعي بهذه الكتب واستفادتي الكبيرة منها، إلا أن أكثر نصوصه تفضيلاً لدي هما: ملاحظات المحاضرات التي قدمها في المغرب عام 1978 (تحت عنوان “المحايد” أو *Le Neutre*)، وسيرته الذاتية “رولان بارت بقلم رولان بارت“.
ما يثير الاهتمام أكثر في هذين الكتابين هو تأملاته حول السأم، والمحايد، والفشل، والإيقاع، والإيماءة، وذاته. وعيٌ بالفشل يقترن بحساسية جمالية تتوق إلى النشوة ، كنت أقرأ بارت مدفوعاً برغبة في العثور على نقطة ضعفه؛ وتحديداً إحساسه بالهشاشة والبراءة والخجل. وقد لمست هذه الحساسية في بضعة مقاطع من كتابات بارت؛ وهي المقاطع التي يظهر فيها بارت صغيراً ومتواضعاً، ويكشف فيها عن جوهره بأكبر قدر من الصراحة والوضوح.
في هذه التدوينة، لن أركز على سلسلة المحاضرات تلك؛ بل أود تسليط الضوء على بعض تأملات بارت الذاتية التي تكشف عن الانكشاف والفشل والرغبة في الحماية والتشتيت والراحة الجمالية. ومثل أي كاتب بارع يميل إلى ما هو باطني أو خفي، يترك بارت للقارئ مهمة الربط بين الخيوط -إن جاز التعبير- والانتقال من تأمل إلى آخر. وأرى أن بارت يريد منا أن نولي اهتماماً وثيقاً بالتناوب الإيقاعي بين تأمل وآخر؛ ففي تلك الفجوات أو المساحات الفاصلة بين تأمل وآخر، يمكننا التأويل واستخلاص نوع من الحكمة.
وقد لفت انتباهي التأمل المعنون بـ “Le retentissement” (أي الصدى أو الارتداد). في هذا المقطع، يخشى بارت (الذي يشير إلى نفسه بضمير الغائب “هو” بدلاً من ضمير المتكلم “أنا” تعبيراً عن “الغيرية” وعن نظرته لسيرته الذاتية -كما ورد في عبارته الاستهلالية- باعتبارها نوعاً من الرواية: “يجب اعتبار كل ذلك وكأنه صادر عن شخصية روائية”) من “التبعات” التي قد تترتب على كلماته، أو على كلمات الآخرين التي تتناوله أو تتناول كلماته:يتردد صدى كل كلمة تعنيه بداخله بقوة بالغة، وهذا الصدى هو ما يخشاه، لدرجة تجعله يتجنب بخجل أي حديث قد يدور حوله. إن لغة الآخرين -سواء كانت تحمل ثناءً أم لا- مشوبة في جوهرها بذلك الصدى المحتمل… وهكذا، فإن الصلة بالعالم تُنتزع دائماً انطلاقاً من خوفٍ ما (156).
إن خوف بارت من الصدى هو خوف من الانكشاف؛ فهو يدرك أن كلماته تعرضه لاحتمال السخرية والرفض. فكلماته، حين تتردد على ألسنة الآخرين، تخلق صدىً -أي أنها تُسمع مجدداً ولكن بصوت شخص آخر وبطريقة مغايرة. وغني عن القول إن هذا الصدى (بمعنى تكرار الرنين أو القرع) يبعث في نفسه الخوف والتردد. وينطوي هذا الاعتراف على دلالة مفادها أنه -رغم كونه كاتباً مرموقاً ومحترماً للغاية في أوروبا- يظل مكشوفاً ومعرضاً للأذى؛ فهو لا يملك زمام السيطرة على نفسه. ويبدو أنه لا شيء يمكن أن يحميه من هذا الخوف، إذ لا سلطة له على أصداء كلماته، ولا تحكم له في الكيفية التي سترتد بها إليه. وتوحي لغة بارت بأن إعادة تداول كلماته ستؤدي -على الأرجح- إلى أصداء سلبية؛ أي أنها ستعرضه لضرر محتمل. إنه يشعر بأن أصداء كلماته ستجعله عرضة للأذى ومجرداً من القوة.
وتلي هذا التأمل مباشرةً فكرة أخرى تتناول أيضاً موضوعي الخوف والانكشاف، وهي تحمل عنوان“Reussi/rate” (أي: نجاح/فشل). وهنا، يتأمل بارت عملية “إعادة قراءة” ذاته؛ ومرة أخرى، يكون أثر هذه القراءة نوعاً من الانكشاف، غير أنه انكشافٌ على الفشل هذه المرة:
عندما يعيد قراءة نفسه، يلمس في نسيج كل نصٍّ انقساماً فريداً: انقسام النجاح والفشل؛ إذ تتناوب هبّاتٌ من التعبير الموفّق ومقاطعُ جيدة مع أخرى رديئة، ومساحاتٍ أشبه بالمستنقعات والصحارى التي شرع هو نفسه في إحصائها. أيعني هذا أنه لا يوجد كتابٌ ناجحٌ بالكامل؟ ربما باستثناء الكتاب عن اليابان.
وفي خضم تأملاته حول الفشل، يتجه نحو النجاح كبلسمٍ شافٍ. وما يجده هو خطابٌ لا يساوره الشك في ذاته ولا يخشى أن تقع كلماته بلا أثر؛ بل يجد “تلك السعادة المستمرة، الفياضة، والمبتهجة في الكتابة: حيث يحمي المرءُ -فيما يكتبه- جنسانيتَه الخاصة”. غير أننا، وبالنظر إلى ما كتبه للتو، نملك ما يدعونا للريبة في هذه السطور؛ فهي -حرفياً- مجرد تشتيتٍ للانتباه، ولا يُغيّر الخط المائل (للتأكيد) في الأمر شيئاً. فمن المؤكد أن “جنسانيته” لا يمكن أن تكون محميةً بتلك السعادة “المستمرة والفياضة والمبتهجة” في الكتابة. ألم يقل بارت -في نهاية المطاف- إنه يخشى عواقب كلماته؟ وأنه حين يقرأ نفسه يرى انقطاعاً وفشلاً؟ هل يعني بارت أن الكتابة -على النقيض من القراءة- تتسم بشرود الذهن؟ وهل يلمح إلى أن الكتابة فعلٌ مشتتٌ للانتباه بينما القراءة ليست كذلك؟
وإذ يشعر بالإحباط جراء هذه الفكرة، يلجأ بارت إلى خيارٍ ثالث، لكن حتى هذا الخيار لا ينجيه من الشعور بالخزي والانكشاف. وهو يلاحظ ذلك -بمفارقةٍ لافتة- قائلاً:
ثمة فئةٌ ثالثةٌ ممكنة: لا هي نجاحٌ ولا هي فشل، بل هي “الوصمة”: حالةٌ موسومةٌ ومطبوعةٌ بطابع المتخيَّل.
مما لا شك فيه أن عاره —أي انكشافه أمام الفشل— يحمل “سمة” يطبعها عليه “المتخيَّل”. وبعبارة أخرى، لا تكتفي الكتابة بصرفه عن الشعور بالخزي، بل إنها تضع علامةً على هذا الخزي وتوسمه. وهذا يعني أن المتخيَّل —أي الكتابة— ليس بلسماً شافياً؛ بل إن عاره الشخصي يدخل في علاقة عنيفة مع الكتابة؛ إذ يبدو الأمر وكأن الكتابة —التي تظل وسيلةً للصرف عن الانكشاف— قد فرضت نفسها على ذلك العار.
تسعى الكتابة إلى وسم الخزي أو وضع علامة عليه، وهو ما يوحي بوجود علاقة ملكية. ولكن، هل يمكن للانكشاف أمام الفشل أن يفلت يوماً من قبضة الكتابة وما توفره من صرفٍ للانتباه؟ وبالنظر إلى ما سبق وذكرناه بشأن بنيامين واهتمامه بمفهوم “صرف الانتباه” (أو التشتيت)، فإن هذا السؤال يبدو مشروعاً.
ومن المثير للاهتمام أن التأملين التاليين يتسمان بالسطحية والطابع المتخيَّل؛ إذ يعملان على إزاحة الأثر السلبي المرتبط بهما من خلال آلية صرف الانتباه. يحمل التأمل الأول عنوان “اختيار الملابس” (Du choix d’un vêtement)، بينما يحمل الثاني عنوان “الإيقاع” (Le rythme). وكلا التأملين يمثلان —إن جاز التعبير— مسارين للهروب.
في تأمل “اختيار الملابس”، يُشبّه بارت الكتبَ التي يختارها المرء بالملابس التي يرتديها. وهو يقرأ هذا الأمر باعتباره “استعداداً لتحمّل… خطاب الحقيقة انطلاقاً من اقتصاديات جسده الخاص”. وبعبارة أخرى، تعمل هذه الكتب على إكساء الجسد وحمايته من التبعات السلبية التي لا مفر منها عند الخوض في “خطاب الحقيقة“.
تنتقل التأملات التي تحمل عنوان “الإيقاع” (Rhythm) إلى طريقة أخرى للتعامل مع مفهوم “الانكشاف” أو “التعرّض” (exposure). يشير بارت إلى أنه (أي بارت نفسه) “لطالما وضع ثقته في ذلك الإيقاع اليوناني: تعاقب الزهد والاحتفال”. وفي محاضرة ألقاها عام 1978، يربط بارت أيضاً بين الزهد و”تعاقب حالات متطرفة ومتناقضة: احتفالات جماعية عديدة، تتخللها فترات من الكبح والامتناع والرزانة” (84). وبعبارة أخرى، ثمة “إيقاع” يحكم الانتقال بين حالة متطرفة وأخرى ضمن “تعاقب الزهد والاحتفال”. وهو يضع هذا الإيقاع في مقابل “إيقاع الحداثة المبتذل” الذي يتأرجح بين العمل وأوقات الفراغ؛ إذ إن هذا الإيقاع مختلف تماماً. يشير بارت إلى عادة “سلافية أو بلقانية” يعتكف فيها المرء على نفسه طوال أيام الاحتفال الثلاثة. ثم يقترح فكرة التنقل ذهاباً وإياباً بين هذا النمط من الاحتفال وبين حالة الرزانة. أو -وهذا ما أقترحه أنا- إيقاع يتأرجح بين الانكشاف (القراءة) والتشتت (الكتابة).
إن الإيقاع الذي يتحدث عنه بارت متأصل في نصه ذاته؛ فالتأملات التي تلي هذا الجزء تتمحور بالكامل حول مفهوم “الانكشاف”، وتحمل عنوان “ليُعرف ذلك” (Que ca se sache). وفي هذا السياق، يقر بارت بأن “كل عبارة يصوغها الكاتب (حتى أكثرها حدة وجماحاً) تنطوي على عنصر خفي فاعل، أو كلمة غير منطوقة؛ شيء أشبه بالوحدة الصرفية الصامتة (morpheme) التي تنتمي لفئة أولية -كالنفي أو الاستفهام- ويكون معناها الضمني: وليُعرف ذلك!”.
بعبارة أخرى، يدرك بارت أن ثمة عقبةً تكمن في كل ما يكتبه، حتى في تلك الكلمات التي يخطّها بقناعة راسخة (كلمات تتسم بالحدة والجموح)؛ إذ يوجد دائماً ما قد يعرّضه للحكم عليه. ومن خلال هذه الملاحظة، يجادل بارت فعلياً بأنه مهما بلغ جموحه أو غضبه – ومهما بدا شجاعاً أو قوياً أو متماسكاً على الورق – فإن كلماته ستتضمن شيئاً ما (أمراً خفياً غير مرصود) من شأنه أن يجرّده من قوته.
ولكن، هل للضعف والعجز اليدُ العليا في هذه التأملات؟
مما رأيناه، يوحي إصرار بارت على الإيقاع والحماية بأن العجز يفرض سيطرته أحياناً؛ ففي بعض الأحيان، يجد المرء نفسه في موقف يجعله يبدو أحمقاً. وحتى في اللحظات التي يشعر فيها المرء بأنه في ذروة تألقه وقدرته، تظل هناك دائماً عواقب مترتبة على ذلك. غير أن النقطة الجوهرية عند بارت تكمن في ضرورة أن يدرك المرء أنه عرضة دائماً للفشل والحكم والعواقب، بينما يواصل في الوقت ذاته ممارسة عمله وفقاً لإيقاعٍ ما. ويشير بارت إلى أن الأسلوب والكتابة والجنسانية ليست سوى محاولات للابتعاد عن العار والانكشاف؛ فهي تصرف انتباهنا. ومع ذلك، وكما رأينا آنفاً، فإن الخيال يضع بصمته على العار؛ إذ تسعى الكتابة إلى وسم حالة الانكشاف بقوتها. لكن الحقيقة هي أنه رغم تلك البصمة التي يتركها الخيال، يظل العار قائماً؛ غير أنه يصبح موسوماً، وبمعنى آخر، قابلاً لأن يُنظر إليه من جديد.
وهنا تلتقي الفنون بالأخلاق؛ فذلك الانكشاف على الفشل، وتلك الهيبة أو التردد المصاحبين للكتابة للآخرين وإعادة قراءة الذات، هي أمور ذات طابع أخلاقي، إلا أن هذا الانكشاف يظل دائماً موسوماً بطابع الخيال الذي يسعى لحماية الجسد ومواطن الضعف من الانكشاف المفرط. أو كما يرى بارت، فإن الرعب المصاحب لقراءة الذات يتخفف حدّته بفضل الانشغال بكتابة الذات.
ما يثير اهتمامي حقاً في أطروحات بارت هو أنها تخاطب مباشرةً شخصية “الشليميل” (schlemiel) وقارئ الأدب الذي يتناول هذه الشخصية في سياقها الأمريكي. ورغم أن بارت غالباً ما يفتقر إلى الحس الفكاهي (نظراً لفرط جديته مع نفسه)، إلا أنه يضع إطاراً نظرياً يتجلى بوضوح تام في الكوميديا التي تقدم شخصية “الشليميل” الأمريكي.
يتعرض “الشليميل” الأمريكي -مثل شخصية “بورتنوي” عند فيليب روث أو شخصية لاريت ديفيد- للإذلال والانكشاف من خلال أقواله وأفعاله. ولكن، ولأن كلماتهم مغلفة بالخيال واللمحات الذكية والأسلوب المميز، فإنهم يظلون في مأمن من الأذى البالغ، ويتمتعون بنوع من البراءة. ومع ذلك، يظل هؤلاء “الشليميل” في نهاية المطاف مكشوفين ومعرضين للسخرية، وتظل انتصاراتهم -بلا شك- مؤقتة؛ إذ يمكن القول -على حد تعبير بارت- إن “الشليميل” الأمريكي عالق في إيقاع متناوب بين التشتت والانكشاف.
. Roland Barthes par Roland Barthes ,Seuil, 1975
Roland
