مقدمة كتاب “إيران وفلسطين: اختبار جيوسياسي للإيديولوجيا الخامسة”

تعاقبت على القضية الفلسطينية خمس إيديولوجيات؛ إيديولوجيا المشايخ ما قبل تأسيس كيان “إسرائيل”، والإيديولوجيا القومية، والإيديولوجيا اليسارية الاشتراكية، والإيديولوجيا الإسلامية الحركية، والإيديولوجيا الإيرانية الفارسية الإثنا عشرية. وهذه الأخيرة هي اليوم محل اختبار جيوسياسي، بعدما أدت سابقاتها غرضها، وأفضت إلى ما أفضت إليه من اضمحلال إيديولوجي هو من صميم ما تفرزه حركية التاريخ في القضية الفلسطينية وفي غيرها..

وقبل الحديث عن التجربة الإيرانية وما تعلق بها، سيكون لزاما علينا الحديث ولو -بإشارة- عن التجارب السابقة.. فلعل بينها وبين الإيديولوجيا الفارسية الإثني عشرية بعض المشتركات تتضح بعد الفراغ من هذا الكتاب، ولعل التحليل فيه يسفر عن بعض الاختلافات التي تسمح للإيرانيين بالاستمرار والصمود عكس ما حصل للتجارب العربية ذات الخصوصية الجيوسياسية والحضارية والثقافية المعروفة!

كانت مقاومة المشايخ أول تجربة، اعتمدت في خطابها إيديولوجيات قومية إسلامية قبل أن تتشكل القومية العربية الناصرية أو البعثية أو الجماهيرية أو البومدينية (الخ) كما نعرفها، وقبل أن تتوسع إيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة.. كانت هذه المقاومة عبارة عن حركة مركبة جمعت بين الاجتماعي والتربوي، وبين الثقافي والسياسي، لكنها حملت السلاح ضد الاستيطان الصهيوني والعصابات الصهيونية في نهاية المطاف. أبرز شيوخها ومؤسسيها الشيخ عز الدين القسام والشيخ الحاج أمين الحسيني. مارست مقاومتها بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لكنها باءت بالفشل في إيقاف المشروع الصهيوني.

وبعدها، وبعد فرض الكيان الصهيوني إمبرياليا على الوطن العربي، وفي عمقه الاستراتيجي، ظهرت في الميدان حركات تحررية قومية تستجيب للتحديات الجديدة، وأبرزها وجود خطر وجودي يخترق الأمة العربية ويتوسع فيها.. القومية الناصرية كانت بداية هذه الموجة التحررية الجديدة، وسرعان ما وجدت امتدادا لها في عدد من دول المنطقة (سوريا، العراق، اليمن، لبنان، الجزائر، ليبيا، الخ)، بما فيها فلسطين التي عرفت تأسيس حركة تقاوم من منطلق قومي “ناصري”، هي حركة “فتح”. عرفت هذه القوميات تراجعا مع في ظل التحولات التي عرفتها المنطقة، واستمر تلاشيها منذ توقيع أنور السادات على “كامب ديفيد”، مرورا بإعدام صدام حسين وسقوط بغداد بيد مباشرة من الإمبريالية الأمريكية، إلى غاية استغلال فتنة “الربيع” لإسقاط أنظمتها الباقية في ليبيا وسوريا.

في خضم هذه الدينامية القومية، ظهرت ديناميات جديدة إما داعمة، أو داعية إلى المراجعة بين فينة وأخرى. كانت هذه الديناميات في أغلبها يسارية بطموح قومي، في حين أنها تميزت عن القومية العربية الأولى بتبني الاشتراكية العلمية منهجا في التفسير والتغيير. كانت “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” (جورج حبش، تيسير قبعة، الخ) نموذجها الأبرز في فلسطين، كما كانت لها امتدادات فكرية وسياسية في عموم الوطن العربي.. من رموزها نذكر ياسين الحافظ وإلياس مرقص وصادق جلال العظم (سوريا)، ومحمود أمين العالم وأنور عبد الملك ورفعت السعيد (مصر)، وجورج حاوي (لبنان)، وهشام غصيب (الأردن)، وعبد الصمد بلكبير (المغرب).. حاولت هذه الحركة الثقافية والسياسية الإجابة على سؤال “النكسة” (1967)، فضلا عن أنها قدمت خطابا علميا وإيديولوجيا جديدا في القضية الفلسطينية، إلا أن فعلها الاجتماعي والسياسي بقي محدودا، وسرعان ما زاد انحساره بعد صعود الإسلام السياسي وانتشار أدلوجته.

الإيديولوجيا الإسلامية الحركية -مِن حركات الإسلام السياسي السني- كانت رابع الإيديولوجيات التي اعتبرت القضية الفلسطينية قضية مركزية في عقيدتها السياسية، ما يؤكده الكم الهائل من الكتابات والأدبيات التي خصصتها الكوادر والنخب الإسلامية للموضوع. وفضلا عن ذلك فقد استمدت حركات الإسلام السياسي شرعيتها في القضية من عملها الاحتجاجي الميداني، كذا من وجود ممثل عسكري لها في الميدان، هو حركة المقاومة الإسلامية “حماس”.. وقد استمر هذا الوجود الاحتجاجي العسكري بكثافة إلى أن فجّر عملية السابع من أكتوبر (2023)، التي أطلق عليها عملية “طوفان الأقصى”، والتي كادت أن تجهز عليه، ولعل الأمر كذلك، إلا مما قد يتحقق للقضية الفلسطينية من مكتسبات مرتبطة بالانحسار الذي يعرفه اليمين الإسرائيلي المتطرف من جهة، وبالانحسار الأمريكي في الشرق الأوسط من جهة أخرى..

لقد أفضت التجارب أعلاه إلى ما أفضت إليه، أدت غرضها التاريخي بوعي أصحابها أو بغير وعيهم، فيما يشهد عالم اليوم تجربة جديدة لم تكن بعيدة عن المقاومة الإسلامية الفلسطينية، بل دعمتها بالخبرة والسلاح؛ إلا أنها استقلت عن هذه المقاومة بمشروع خاص رغم تقاطعهما الجيوسياسي والاستراتيجي.. ما حدث لـ”حماس” يعتبَر اختبارا لها، لكنه كان اختبارا بعيدا، وهو اليوم أقرب إليها من حبل الوريد، يختبرها في مركز دائرتها الجيوسياسية، في طهران وباقي المناطق الإيرانية حيث تنتشر مخازن السلاح ومراكز الإشعاع ومصانع الصواريخ ومواقع إطلاقها، وحيث تدار المشاريع الكبرى للطاقة والاقتصاد المدني، الخ.

هل تنجح إيران في الصمود ضد الحرب الأمريكية-“الإسرائيلية” عليها؟ هل تنجح في استثمار المتغيرات الإقليمية والدولية لتغيير معادلة الشرق الأوسط؟ هل تنجح في في تثبيت وجودها كقوة ردع إقليمية في مواجهة كيان يسعى إلى السيطرة هو كيان “إسرائيل”؟ المقاربات والقراءات التي يقدمها هذا الكتاب تدور في فلك هذه الأسئلة، وتسعى إلى توثيق وجهة نظر تحاول مقاربة القضية بعين موضوعية -ما أمكن-، تتحرر من الإيديولوجيا دون أن تفقد الانخراط الفكري في معركة جيوسياسية كبرى، بما هي نقطة تلتقي فيها كافة القوى العالمية وتعكس ميزانها وطبيعة تناقضاتها.

اترك رد