بعد تسع سنوات من الاعتقال.. ماذا ربحت الدولة من استمرار مأساة معتقلي الريف؟
بقلم: نعيم بوسلهام
بعد مرور سنوات طويلة على اندلاع حراك الريف، لم يعد السؤال الأساسي يتعلق فقط بالأحكام الثقيلة التي صدرت في حق قادته، بل بالطريقة التي اختارت بها الدولة إدارة هذا الملف منذ لحظاته الأولى. فالمتابع لمسار الأحداث يلاحظ أن المقاربة الأمنية طغت بشكل شبه كامل على المقاربة السياسية والاجتماعية، وأن منطق القوة تقدم على منطق الحوار.
لقد كان بإمكان الدولة أن تتعامل مع احتجاجات الحسيمة باعتبارها صرخة اجتماعية نابعة من التهميش التاريخي الذي تعانيه المنطقة، وأن تفتح قنوات حوار جادة مع المحتجين، وأن تستوعب الغضب الشعبي ضمن آليات التدبير الديمقراطي للاحتجاج. لكن ما حدث، بحسب كثير من المتابعين والفاعلين الحقوقيين، هو العكس تماماً؛ إذ جرى تحويل مطالب مرتبطة بالمستشفى والجامعة وفرص الشغل والعدالة المجالية إلى ملف ذي أبعاد أمنية وقضائية.
إن الشهادات التي ترويها عائلات معتقلي الريف، وعلى رأسها والدة ناصر الزفزافي، ترسم صورة مؤلمة عن حجم المعاناة التي لم تتوقف عند حدود السجن، بل امتدت إلى الأسر والآباء والأمهات والزوجات والأبناء. فالعقوبة لم تعد، في نظر كثيرين، مقتصرة على المعتقل نفسه، بل تحولت إلى معاناة جماعية طالت محيطه الاجتماعي بأكمله.
وتكشف هذه الشهادات عن إحساس عميق لدى العائلات بأنها كانت موضوع مراقبة وضغط مستمرين، وأن الدولة لم تكتف باعتقال الأبناء، بل تركت الأمهات والآباء يعيشون سنوات طويلة من القلق والترقب والإنهاك النفسي. ومهما اختلفت الروايات والتقديرات، فإن النتيجة الإنسانية كانت واحدة: أسر محطمة، وأمهات أنهكهن الانتظار، وآباء غادروا الحياة قبل أن يروا أبناءهم أحراراً.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الملف بهذا الشكل أعطى انطباعاً بأن الدولة العميقة ما زالت أسيرة منطق قديم يعتبر الاحتجاج تهديداً أمنياً قبل أن يكون تعبيراً سياسياً واجتماعياً مشروعاً. وهو منطق أثبتت التجارب في مختلف أنحاء العالم محدوديته، لأنه قد ينجح في إخماد الأصوات مؤقتاً، لكنه يفشل في معالجة الأسباب الحقيقية للاحتقان.
لقد بدا واضحاً خلال مختلف مراحل الملف أن المقاربة الأمنية كانت صاحبة الكلمة العليا. فمن حملات الاعتقال الواسعة، إلى الأحكام القاسية، إلى تشتيت المعتقلين بين السجون البعيدة عن أسرهم، وصولاً إلى ما تتحدث عنه العائلات من معاناة متواصلة في الزيارات والتنقل والتواصل، تشكلت صورة دولة اختارت الردع بدل الاحتواء، والعقاب بدل المصالحة.
وإذا كانت الدولة قد نجحت في إنهاء الاحتجاجات في الشارع، فإنها لم تنجح في إنهاء الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي ما زال هذا الملف يطرحها. فكيف يمكن إقناع المواطنين بجدوى المشاركة والثقة في المؤسسات إذا كان مصير من يرفع مطالب اجتماعية هو سنوات طويلة خلف القضبان؟ وكيف يمكن الحديث عن الإنصاف والمصالحة بينما تستمر معاناة العائلات عاماً بعد عام؟
إن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، بل أيضاً بقدرتها على التسامح السياسي واحتواء الأزمات بالحوار. أما حين تصبح المقاربة الأمنية بديلاً دائماً عن السياسة، فإن الدولة تخاطر بتوسيع الهوة بينها وبين المجتمع.
لقد آن الأوان لقراءة هذا الملف بعين الحكمة لا بعين الأجهزة، وبمنطق المستقبل لا بمنطق العقاب. فبعد كل هذه السنوات، لم يعد الإفراج عن معتقلي الريف مطلباً إنسانياً لعائلاتهم فقط، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة المغربية على الانتقال من منطق القوة إلى منطق الثقة، ومن إدارة الأزمات أمنياً إلى حلها سياسياً.

