عبدالكريم بنعتيق.. رجل الدولة والسياسة في اختبار العودة من بوابة الرباط

بالواضح – الرباط

في المشهد السياسي المغربي، هناك أسماء تصنع حضورها من موقع واحد، وأخرى تتشكل تجربتها عبر محطات متعددة داخل الدولة والحزب والمجال العام. عبدالكريم بنعتيق ينتمي إلى الفئة الثانية؛ سياسي راكم، على امتداد عقود، تجربة تتقاطع فيها المسؤولية الحكومية مع العمل الحزبي، والملفات الاقتصادية مع قضايا الهجرة ومغاربة العالم، والانشغال السياسي مع امتدادات دبلوماسية وعلاقات دولية.

ولعل ما يمنح مساره خصوصيته أن الرجل لم يظل أسير موقع واحد. فقد عرف المؤسسات الحكومية من الداخل، وخاض تجربة حزبية خارج الاتحاد الاشتراكي، قبل أن يعود إلى صفوفه، ثم يستعيد موقعاً داخل الحكومة، ليغادرها لاحقاً ويواصل حضوره في الحياة السياسية من موقع حزبي. واليوم، يعود إلى الواجهة من بوابة الانتخابات، مرشحاً للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في دائرة الرباط المحيط.

إنها عودة لا تبدو منفصلة عن مسار طويل، بقدر ما تبدو امتداداً طبيعياً لتجربة سياسية اختبرت أكثر من فضاء وأكثر من موقع.

من الرباط إلى دوائر القرار

ولد عبدالكريم بنعتيق في الرباط سنة 1959، المدينة التي ستحتضن اليوم واحدة من أهم محطات مساره السياسي.

منذ بداياته، لم يكن تكوينه محصوراً في الحقل السياسي بالمعنى الضيق، بل جمع بين التكوين الأكاديمي والتجربة المهنية، قبل أن ينتقل إلى فضاء المسؤولية العمومية. وفي سنة 2000، دخل الحكومة ككاتب دولة مكلفاً بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، ثم تولى سنة 2001 كتابة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية.

كان انتقالاً مبكراً إلى دائرة القرار التنفيذي، وفي وقت كانت فيه التجربة الحكومية تمنح صاحبها احتكاكاً مباشراً بملفات الاقتصاد والإدارة والعلاقات التجارية الخارجية.

لكن بنعتيق لم يتعامل مع السياسة باعتبارها مساراً وظيفياً داخل الحكومة فقط. فقد ظل العمل الحزبي بالنسبة إليه جزءاً أصيلاً من مساره، وهو ما سيقوده إلى واحدة من أكثر محطاته دلالة.

حين حمل حقيبة مغاربة العالم

في سنة 2017، عاد بنعتيق إلى الحكومة، وزيراً منتدباً لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، مكلفاً بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة.

كانت تلك الحقيبة مناسبة لاختبار جانب آخر من تجربته. فملف مغاربة العالم لا يقع عند تقاطع الإدارة والسياسة الاجتماعية فقط، بل يتصل كذلك بالدبلوماسية والهوية الوطنية والعلاقات مع بلدان الإقامة.

وخلال هذه المرحلة، انخرط بنعتيق في ملفات مرتبطة بتحسين الخدمات الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج، وتقوية صلاتهم بالمغرب، والاهتمام بالأجيال الجديدة من أبناء الجالية، إلى جانب استحضار دور الكفاءات المغربية بالخارج في التنمية الوطنية.

وهنا برزت إحدى أهم نقاط قوته السياسية: القدرة على الاشتغال على ملف يتجاوز الحدود الجغرافية والإدارية، ويتطلب في الوقت نفسه معرفة بالمؤسسات وقدرة على التواصل مع مجتمع مغربي واسع ومتنوع في بلدان الإقامة.

الوزير الذي لم ينقطع عن السياسي

ظل عبدالكريم بنعتيق، بعد تجربته الحكومية، حاضراً في المشهد السياسي والحزبي، محافظاً على صلته بالفعل السياسي وعلى رصيد من الخبرة راكمه داخل مؤسسات الدولة، وفي العمل الحزبي، ومن خلال اشتغاله على ملفات ذات امتدادات دولية، لاسيما قضايا مغاربة العالم والهجرة.

فالفارق بين السياسي والموظف الحكومي يتجلى تحديداً في هذه المرحلة: الأول يستطيع أن يفقد المنصب دون أن يفقد موقعه داخل المجال العام.

وبنعتيق، الذي خبر الحكومة والحزب والمعارضة، ظل حاضراً داخل الاتحاد الاشتراكي، قبل أن يعود في المرحلة الأخيرة إلى موقع أكثر تقدماً داخل الحزب، مستعيداً مكانته كأحد الوجوه التي تحمل ذاكرة سياسية ومؤسساتية ممتدة.

العودة من بوابة الانتخابات

في سنة انتخابية مفصلية، اختار الاتحاد الاشتراكي عبدالكريم بنعتيق وكيلاً للائحته في دائرة الرباط المحيط.

اختيار يحمل دلالة تتجاوز اسم المرشح. فالحزب يضع في الواجهة شخصية لها تجربة حكومية سابقة، ومعرفة بدواليب الإدارة والدولة، وتجربة حزبية لا تختزل في السنوات التي قضاها داخل «الوردة».

أما بنعتيق، فيدخل الاستحقاق الانتخابي من موقع مختلف تماماً عن موقعه حين كان وزيراً.

فالوزارة تمنح السياسي سلطة القرار، بينما الانتخابات تضعه أمام سلطة الناخب.

وهنا تحديداً تكمن أهمية العودة.

فبعد أن تعامل لسنوات مع الملفات من داخل المؤسسات، يجد بنعتيق نفسه أمام مهمة إعادة ترجمة تجربته إلى خطاب انتخابي، وإقناع الناخب بأن الخبرة السياسية تظل ذات قيمة حين تنتقل من مكاتب القرار إلى فضاء التمثيل الديمقراطي.

رصيد التجربة في مواجهة اختبار الزمن

ربما يكون أهم ما يميز بنعتيق اليوم أنه لا يحتاج إلى تقديم نفسه باعتباره سياسياً جديداً.

الرجل يأتي إلى الانتخابات وفي رصيده تجربة تمتد إلى بداية الألفية، مروراً بالحكومة، والعمل الحزبي، وتأسيس حزب سياسي، والعودة إلى الاتحاد الاشتراكي، ثم تولي حقيبة حكومية مرتبطة بالمغاربة المقيمين بالخارج والهجرة.

لكن الخبرة، في السياسة، لا تكفي وحدها.

فالانتخابات لا تمنح امتيازاً تلقائياً لمن راكم التجربة، وإنما تعيد ترتيب الأوزان وفق قدرة المرشح على مخاطبة الحاضر.

ومن هنا، فإن رهان بنعتيق لا يتمثل فقط في استعادة مقعد أو موقع، وإنما في إثبات أن التجربة السياسية، حين تتجدد ولا تتحول إلى مجرد ماضٍ، يمكن أن تصبح رأسمالاً انتخابياً.

بين رجل الدولة والسياسي الاتحادي

في شخصية عبدالكريم بنعتيق، تتجاور صورتان تبدوان للوهلة الأولى مختلفتين: صورة السياسي الاتحادي، وصورة رجل الدولة الذي سبق أن جلس إلى طاولة الحكومة.

غير أن مساره يجعل الفصل بينهما صعباً.

فخبرته الحكومية منحته معرفة بدواليب الدولة، وتجربته الحزبية منحته احتكاكاً مباشراً بالتنظيم والصراع السياسي، وتجربته في ملف مغاربة العالم أضافت إلى رصيده بعداً دبلوماسياً وتواصلياً، بينما منحته تجربته خارج الاتحاد الاشتراكي قدرة على النظر إلى حزبه من خارج أسواره قبل أن يعود إليه.

وهذا تحديداً ما يجعل شخصيته أكثر تعقيداً من الصورة التقليدية للسياسي الحزبي.

الرباط.. محطة جديدة في مسار طويل

اليوم، يقف عبد الكريم بنعتيق أمام محطة مختلفة.

فبعد أن كان جزءاً من السلطة التنفيذية، أصبح يطلب تفويضاً شعبياً جديداً. وبعد أن مارس السياسة من داخل الحكومة، يخوضها اليوم من داخل السباق الانتخابي، تحت راية «الوردة» وفي مدينة يعرف تفاصيلها جيداً.

ولذلك، فإن انتخابات شتنبر 2026 بالنسبة إلى بنعتيق ليست مجرد محطة في أجندة انتخابية؛ إنها لحظة لإعادة قياس رصيد سياسي راكمه على امتداد أكثر من ربع قرن.

سيكون السؤال هذه المرة أقل ارتباطاً بما إذا كان الرجل يعرف دهاليز الدولة، فقد عرفها بالفعل، وأكثر ارتباطاً بقدرته على إقناع الناخب بأن هذه الخبرة يمكن أن تتحول إلى تمثيلية داخل المؤسسة التشريعية.

وهنا تكمن قيمة هذه العودة: سياسي عرف السلطة، واختبر الحزب، وعاش تجربة المعارضة، يعود اليوم ليطلب شيئاً مختلفاً عن كل ما سبق: ثقة الناخب.

ومن هذه الزاوية، تبدو قصة عبد الكريم بنعتيق في 2026 أبعد من مجرد عودة إلى الواجهة؛ إنها امتداد لمسار سياسي لم تختزله الوزارة، ولم تستنفده المسؤولية الحكومية، ولا تزال محطاته مفتوحة على فصل جديد، هذه المرة من بوابة الانتخابات.

إنها، في نهاية المطاف، عودة رجل خبر أكثر من وجه للسياسة المغربية، ويضع اليوم كل ذلك الرصيد أمام امتحان واحد لا يجامل أحداً: صندوق الاقتراع.

اترك رد