فرنسا من حرية الرسم إلى تجريم التصوير

بقلم: فؤاد هراجة

يبدو أن لعنات السياسة تطارد ماكرون وتكشف عورات مواقفه. فكلما جَيَّشَ الإعلام وبذل مجهودا سياسيا لزرع توجهاته المتطرفة إلا ونزل الخزي ليبطل ويتلقف ما يَفِكُ به.
هكذا فبعد إعلانه أن الإسلام يعيش أزمة في كل العالم، أخزاه القدر وفي عقر دار فرنسا وبحضوره وأمام شاشات العالم، بإعلان الرهينة المحررة مريم إسلامها. ولكي يُنسِي العالم هذا الموقف الكبير، راح يتبنى كرئاسة الصور المسيئة لرسول  الله صلى الله عليه وسلم، وأعاد نشرها على بنايات لمؤسسات الدولة، بدعوى التأكيد على حرية التعبير كمبدأ يستحيل التنازل عنه. وفي حمأة المقاطعة الواسعة للبضائع الفرنسية من قبل الكثير من المسلمين في العالم، يأتي مشروع تجريم نشر صور رجال ونساء الشرطة أثناء مزاولة مهامهم، وهو ما يؤكد أن أي شخص ليس له الحق في توثيق تجاوزات السلطة وممارساتها للعنف المفرط وغير اللازم في كثير من الأحيان، كما ليس له الحرية في نشر ما تم تصويره بغرض فضح هذه التجاوزات. فسبحان الله! البارحة تتبنى فرنسا الرسمية حرية نشر الرسوم، وإن كانت تؤذي مليارا ونصف المليار مسلم، واليوم تجرم نشر صور لرجال ونساء الشرطة بدعوى حفظ سلامتهم الجسدية، منتهى التناقض!

يذكر أن مشروع قانون التجريم ينص في المادة 24 على عقوبة تصل الى السجن لمدة عام وغرامة قدرها 45 ألف يورو (54 ألف دولار) لمن يدان بنشر صور تظهر وجوه ضباط شرطة. الأمر الذي دفع الفرنسيين إلى رفض هذا القرار وخروجهم بالآلاف في مدن عدة رافعين لافتات عليها شعارات قوية من قبيل:
•ضعوا أسلحتكم أرضا وسنضع هواتفنا.
•الديمقراطية تموت في الظلام.
•جورج اورويل كان على حق في روايته 1984.
•الجمهورية تسير نحو دولة بوليسية.
وبناء عليه نُذَكٌِرُ كل أصحاب النوايا الحسنة من بني جلدتنا الذين نسوا أو تناسوا الجزء الأول من الحادثة المتعلقة بازدراء نبي الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وركزوا على الحرية باعتبارها مبدأ كونيا، فدافعوا عن موقف فرنسا الرسمي من الرسومات، ها هي ”ماما“ فرنسا تحرجهم وتقول لهم من خلال هذا المشروع المُغْلِقِ لعدسات الكاميرات في عصر التواصل أن الحرية كانت مجرد ذريعة، وأنها لن تكون مبدأ إذا تعلق الأمر بأجهزة الدولة. والسؤال الذي يفرض نفسه علينا، هل دخل العالم زمن النكوص والردة في مجال حقوق الإنسان؟ وهل يشهد الغرب ثورات مضادة على المبادئ والحقوق والديمقراطية… التي ناضل من أجلها لِما ينيف عن ثلاث قرون ؟ فما نراه اليوم في فرنسا مهد ثورة ”حرية-مساواة- مؤاخاة“ من تراجعات ملحوظة، وما نراه من عربدة على النتائج الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية من قبل دولاند ترامب يشي بمستقبل لا يبشر في الدول الغربية. هل ستنتقل من الاستبداد الديمقراطي كما عبر عنه ألكسيس دوطوكڤيل إلى استبداد الإنجاز كما تتبناه الصين الشعبية؟ ثم هل ستقبل الشعوب الغربية بكذا انتهاكات لحقوق تاريخية مكتسبة، وكيف سيكون رد فعلها؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.