حين يتحول مقص الرقابة إلى مقص على الخطاب الديني

بقلم: نعيم بوسلهام

لم يعد السؤال في المغرب، في بعض الحالات، هو فقط: ماذا قال المتحدث؟ بل يبدو أن السؤال أصبح أيضاً: إلى أي مدى يمكن أن يقترب كلامه من الخطوط الحمراء التي ترسمها أجهزة الرقابة؟
آخر فصول ذلك جاء بقرار المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري توقيف بث برنامج «دين ودنيا» على إذاعة «شدى إف إم» لمدة شهر، على خلفية حلقة بثت في 18 شتنبر 2026، اعتبرت الهيئة أن مضمونها أخل بالموضوعية والحياد وواجب التحكم في البث.
السبب؟ تصريح للشيخ السكاش تحدث فيه عن التصويت باعتباره مسؤولية دينية وأخلاقية أمام الله، داعياً المواطنين إلى اختيار من يرونه صالحاً ونزيهاً، ومحذراً من التصويت لمن يصفه بالفاسد أو الناهب أو المحتال أو الطاعن في الدين.
لا خلاف على حق الهيئة في حماية نزاهة العملية الانتخابية ومنع استغلال المنابر الإعلامية للدعاية المقنعة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل كل خطاب ديني حول أخلاق التصويت يتحول بالضرورة إلى تأثير غير مشروع على الإرادة الانتخابية؟
فالشيخ لم يسمِّ حزباً أو مرشحاً بعينه، ولم يقدم لائحة انتخابية، وإنما تحدث بلغة وعظية عن مسؤولية الناخب وضميره. قد تكون بعض تعبيراته قابلة للنقد، خصوصاً حين يساوي بين التصويت لفاسد وفساد الناخب نفسه، لكن ذلك شيء، واعتبار البرنامج برمته مستحقاً للتوقيف شهراً شيء آخر.
الأكثر إثارة للانتباه أن الهيئة أخذت أيضاً على البرنامج عدم تدخل المنشطة بالقدر الكافي لضمان «التحكم في البث». وهنا يبرز سؤال مهني مقلق: هل نريد من المنشط أن يدير النقاش، أم أن يتحول إلى رقيب فوري على كل كلمة ينطق بها الضيف؟
فالحياد الإعلامي لا ينبغي أن يعني إفراغ النقاش العمومي من الآراء والمواقف، خصوصاً في فترة انتخابية يفترض أن تكون مجالاً لتوسيع النقاش حول السياسة والمجتمع والقيم.
وإذا كان في كلام الشيخ تجاوز أو تعميم أو خطاب يحتاج إلى تصحيح، فالمعالجة الإعلامية الممكنة ليست بالضرورة إطفاء البرنامج شهراً كاملاً؛ إذ يمكن الرد على الخطاب، ومناقشته، وتصحيحه، وترك الجمهور أمام تعدد الآراء.
المشكلة إذن ليست في وجود قواعد تنظيمية، وإنما في اتساع مفهوم المخالفة إلى درجة قد تجعل كل خطاب ديني يقترب من السياسة موضع شبهة رقابية.
الديمقراطية لا تحمي الناخب فقط من الدعاية والتضليل، بل تحمي أيضاً حقه في الاستماع إلى الآراء المختلفة، ومناقشتها، ثم اتخاذ قراره بنفسه.
فإذا كان المطلوب حماية صندوق الاقتراع من التأثير، فلا ينبغي أن تكون النتيجة خنق المجال العمومي الذي تتشكل داخله قناعات الناخبين.

اترك رد