حين يصنع «الفيسبوك» مرشحاً: قراءة في مفاجأة أسامة باريك بميدلت

بقلم: نعيم بوسلهام

لم تكن نتيجة أسامة باريك في ميدلت مجرد مفاجأة انتخابية عابرة، بل تحمل دلالة سياسية وسوسيولوجية تستحق التوقف. فالشاب القادم من عالم التواصل الاجتماعي تصدر النتائج، وفق المعطيات الأولية بعد فرز نحو 80 في المائة من الأصوات، بنسبة 21.19 في المائة، متقدماً على مرشحين مدعومين من أحزاب لها حضور وتنظيم راسخان في الإقليم.

المغزى لا يكمن في القول إن «الفيسبوك انتصر على الأحزاب»، فهذا تبسيط مخل، وإنما في أن جزءاً من الرأسمال السياسي والاجتماعي بات يُنتج خارج القنوات الحزبية التقليدية. فباريك لم يدخل السباق من بوابة التدرج التنظيمي أو شبكات المنتخبين، وإنما من فضاء رقمي استطاع فيه بناء حضور شخصي والتفاعل المباشر مع قضايا المنطقة وسكانها.

وهنا تبرز المفارقة الأكثر إحراجاً للأحزاب: كيف استطاع شخص من خارج بنيتها أن يبدو، بالنسبة إلى شريحة من الناخبين، أكثر قرباً منهم من مرشحين يحملون وراءهم أحزاباً وتنظيمات وتجارب سياسية؟

الجواب المحتمل يرتبط بتحول أعمق في علاقة المواطن بالسياسة. فقد تراجعت، في بعض السياقات، قدرة الوساطة الحزبية التقليدية على إنتاج الثقة، مقابل صعود أشكال جديدة من التواصل تقوم على الحضور الشخصي والقرب والتفاعل الفوري. فالمرشح الذي يدخل يومياً إلى هاتف المواطن، ويتحدث عن مشكلات مجاله الترابي بلغة مباشرة، قد يمتلك قدرة على بناء علاقة سياسية مختلفة عن تلك التي تنتجها الحملات الانتخابية التقليدية.

وتكتسب المسألة أهمية خاصة في إقليم مثل ميدلت، حيث تتقاطع تحديات التنمية والخدمات والتفاوتات المجالية مع خصوصية المناطق الجبلية والقروية. وفي مثل هذه البيئات، قد تكون القدرة على التعبير عن المشكلات المحلية وتمثيلها في المجال العام أكثر تأثيراً من الخطاب السياسي المجرد.

لكن من الخطأ تحويل هذه النتيجة إلى إعلان عن «موت الأحزاب» أو افتراض أن المتابعين الافتراضيين تحولوا آلياً إلى ناخبين. فالنتيجة الانتخابية تحتاج إلى قراءة أدق لتوزيع الأصوات ونسب المشاركة والتركيبة الاجتماعية والجغرافية للناخبين، فضلاً عن دراسة مضمون الحملة الرقمية وشبكات التعبئة التي رافقتها.

مع ذلك، فإن تجربة باريك تطرح سؤالاً يتجاوز شخصه: هل بدأت منصات التواصل الاجتماعي تنتج مساراً جديداً لصعود النخب السياسية؟

إذا كان الجواب نعم، فإن الأحزاب تواجه تحدياً يتجاوز منافسة مرشح بعينه. فالمشكلة تصبح في قدرتها على إعادة بناء علاقتها بالمواطن، خصوصاً الشباب، وعلى الانتقال من خطاب تنظيمي مغلق إلى تواصل أكثر قرباً وفاعلية. أما بالنسبة إلى باريك، فإن الفوز ليس نهاية الاختبار وإنما بدايته؛ فالبرلمان ليس امتداداً لـ«فيسبوك»، والرأسمال الرقمي لا يتحول تلقائياً إلى كفاءة تشريعية أو قدرة على صناعة السياسات.

من هنا ستكون المرحلة المقبلة أكثر دلالة من النتيجة نفسها: هل يستطيع أسامة باريك تحويل الثقة التي أنتجها في الفضاء الرقمي إلى تمثيل مؤسساتي فعّال؟

فإذا نجح، ستكون ميدلت حالة دالة على صعود نمط جديد من النخب السياسية؛ وإذا تعثر، فستظل تجربته شاهداً على تحول مهم في مصادر الوصول إلى الناخب، وعلى أن الطريق إلى صندوق الاقتراع لم يعد يمر بالضرورة من بوابة الحزب وحدها.

لقد انتقلت السياسة إلى الهاتف، وأصبح الهاتف جزءاً من السياسة. وهذه، في حد ذاتها، رسالة ينبغي أن تقرأها الأحزاب جيداً.

اترك رد