رياضة الأجساد ورياضة الأفكار في مغربنا المعاصر المستقل؟ الحلقة الأخيرة

بقلم: د. محمد وراضي
كل تأكيد للواقع المغربي المتفرع إلى فروع، تجسده أنشطة الدولة، وأنشطة المواطنين، توضيحه (أي الواقع المذكور) لمعرفة ما إذا كان جديا لجلب المنافع ولدفع المضار، والتوضيح له صفتان: المدح أو الذم، وعلى كل مسؤول أعلى أن يبذل أقصى جهده للاطلاع التام ما أمكن على الفرع الذي أسندت إليه إدارة شأنه، مع وجوب أن يكون أي مدير لفرع من ذوي الاختصاص فيه صادقا، حتى لا تسند الأمور إلى غير أهلها، فالدكتور الراحل أحمد رمزي – على ما نذكر – لم يكن من ذوي الاختصاص حين أسندت إليه مسؤولية إدارة الأوقاف. أما الراحلة الممثلة ثريا جبران، لم تكن لتفهم ما تقتضيه عملية الاستفادة من النتائج التي تسفر عنها رياضة الأفكار، لا لأنها لم تقرأ ولم تكتب، وإنما لأنها ليست فقيهة في بابها. وحتى جمعية اتحاد كتاب المغرب، انفصلت منذ عقود عن أيديولوجيتها المتذبذبة التي كانت تعض عليها بالنواجد. فالضربات التي تعرضت لها المعارضة، كانت عامة، مع أن البعض منها يتحرك دون أن يعرف كيف يعارض، وإنما يعرف أو يجهل الانقياد الذي ينال بفضله الرضا والجوائز والنقد السيال، وكأن التعامل مع الفكر الخلاق في الوطن العربي يتراجع بسرعة إلى الخلف، فكيف إذن نأمل أن تتدخل وزارة الثقافة لتقديم عون ضروري إلى كتاب، همهم الأساسي، تقديم الإنتاج الفكري في دولة، كثر الحديث عن تقدمها في شتى الميادين، وفي طليعتها ميدان الرياضة الجسدية كما أوضحنا قبل الآن.
نشير هنا إلى أن كتاب المقالات يجدون لأجل نشرها كما قلنا عوائق مادية قبل كل شيء. فعندما طبعت كتابي “عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية”، طرقت أكثر من باب كي يتم توزيعه على نطاق واسع، فكان أن قبلت شركة واحدة توزيعه بشروط هي حصولها على 40%. ولم أجد غير الخضوع لهذه الشروط، لأن النظام الليبرالي العلماني، هو الذي يفرض أمثال هذا التعامل. ثم إنني أنا الذي أتحمل مسؤولية إيصال عدد النسخ التي أريد توزيعها إلى المقر الفرعي بالرباط. وعندما تمر مدة 6 شهور تجمع النسخ التي لم يتم بيعها، ثم تتصل الشركة بي لآخذها كي أضعها في بيتي حيث تناجي ربها طالبة منه الفرج. وبما أن جل بضاعتي رد إلي، فإنني أدخل بهذا الجل من باب الإهداء، آملا مجرد استفادة المهدى إليه منه. وأعتبر كل ما تم إنفاقه عليه صدقة جارية، خاصة وأنني أخدم بكل ما أقدم عليه توسيع دائرة الدعوة إلى الدين الحق، فأحمد الله على ما أفعله، لأن ما أفعله إنما لوجه الله، من جهة، ولإخبار أمير المؤمنين بما يجري واقعيا حول الدين وأهله.
إنها إذن رياضة الفكر التي لم تجد من يشجعها بنفس حماس تشجيعه لرياضة الجسد، نقصد الجسد الرسمي أولا، والذي هو الدولة ذاتها. هذا الجسد عبر التاريخ قل ما يخلو من إصابات تحول دون بعض أعضائه وأداء وظيفته على أكمل وجه. وعليه فإن جميع وزرائنا متخلفون عن أداء ما عليه أقسموا، نقصد الإخلاص للدين بالدرجة الأولى، وللملك بالدرجة الثانية، وللوطن بالدرجة الثالثة، مع اليقين التام بأن وظيفة وزير ما شاملة، ما دام وصفه بالمسلم لا يتطرق إليه أدنى شك؟ أو لم نقل ونكرر: إن الإسلام جلب للمنافع ودفع للمضار، وإلا فليس إسلاما على الإطلاق وبأي وجه؟؟أو لم يأمر شراح دستورنا بإزالة الأدى عن الطريق؟ إنما ما الذي علينا قوله عندما نضطر إلى السير فوق الأذى بأرجلنا وسياراتنا، ودراجاتنا النارية والهوائية؟ أو لا نجد في وسط مدننا أو في جوانب منها حفرا طالما أدت إلى إصابة مراكبنا بأعطاب مكلفة؟ فلزم حينها رفع الشكاوى إلى الوزير المسؤول الذي أدى قسم الولاء والطاعة؟
وما قيل عن كل ما يتعلق بالأشغال العمومية يقال عن مهام كل وزير في الحكومة القائمة، حيث إنه مكلف بسلامتها وحمايتها، والحرص على تجديدها وتطويرها. إلا أننا نوقن بكون الحالفين عن اليمين المؤداة أمام الملك والشعب، لا ينتظر منهم إتقان العمل المسند إليهم بشهادة الرأي العام؟
وبراهيننا على ما ندعي أوضح من شمس الظهيرة، فلنرفع إذن أصواتنا، ولنقدم طلباتنا التي تفتقر قبل كل شيء إلى من يصحح مضامينها، على الأقل في الميدان الذي أولناه كل اهتماماتنا، دون أن ندعي بأننا نجيد الحديث عن الاقتصاد والتنمية، والإنتاج الفلاحي والصناعي، إذ أننا نترك للمختصين إنجاز كل ما يتعلق بالشؤون التي لهم بها دراية. فنحن لا نتحدث إلا عن تراث سيء، عسى الحكومات المتعاقبة أن تزيله في طريق النمو، مع العلم بأن شعبنا في حاجة إلى من يزيل من ذهنه خرافات كانت بالأمس وحتى باليوم تعمي الأبصار وتطمس القلوب والعقول النيرة؟؟؟