عبدالإله البوزيدي.. السياسي الذي عاد إلى «المحيط» وفي يده مفاتيح ثلاث

بالواضح – الرباط

في انتخابات 2021، دخل عبدالإله الإدريسي البوزيدي دائرة الرباط-المحيط بصفته وكيلاً للائحة حزب الاستقلال، وخرج منها نائباً برلمانياً بعدما انتزع المرتبة الثالثة بـ4499 صوتاً في واحدة من أكثر دوائر العاصمة تنافساً.

بعد خمس سنوات، يعود الاسم نفسه إلى الدائرة نفسها، لكن من موقع مختلف. فالبوزيدي لم يعد مجرد مرشح حزبي؛ أصبح نائباً برلمانياً، ورئيساً لمجلس مقاطعة أكدال الرياض، وصاحب مسار طويل داخل حزب الاستقلال ومهنة المحاماة.

وفي يوليوز 2026، جدد الحزب ثقته فيه وكيلاً للائحته بدائرة الرباط-المحيط، في محاولة للحفاظ على المقعد الذي انتزعه في انتخابات 8 شتنبر 2021.

لكن وراء هذا الترشيح قصة رجل سياسي لم يتشكل في البرلمان، وإنما بدأ من المحاماة والعمل الحزبي والتدبير المحلي، قبل أن تتقاطع هذه المسارات كلها في قلب العاصمة.

ابن تاونات الذي صنع مساره في الرباط

ينحدر عبدالإله الإدريسي البوزيدي من إقليم تاونات، حيث نشأ، قبل أن يتجه إلى دراسة القانون ويلتحق بمهنة المحاماة بهيئة الرباط.

وإذا كانت المهنة قد منحته أدوات الاشتغال القانوني والدفاع والترافع، فإن حزب الاستقلال وفر له منذ وقت مبكر مجالاً آخر لاختبار قدرته على التنظيم والعمل السياسي.

فمساره داخل الحزب يعود إلى سنوات طويلة، وتدرج فيه إلى أن أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية، ثم تولى رئاسة رابطة المحامين الاستقلاليين.

وفي المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال سنة 2017، عاد اسمه بقوة إلى واجهة التنظيم، بعدما انتخب عضواً في اللجنة التنفيذية، وحصل على 437 صوتاً. وكان من بين الأسماء التي دخلت قيادة الحزب في مرحلة إعادة ترتيب كبيرة للبيت الاستقلالي بعد انتخاب نزار بركة أميناً عاماً.

هذه المحطة تكشف جانباً مهماً من شخصيته السياسية: البوزيدي لم يكن مجرد منتخب محلي يعتمد على موقعه الانتخابي، بل راكم أيضاً تجربة داخل الجهاز القيادي لحزب الاستقلال.

من المحاماة إلى رئاسة المقاطعة

غير أن السياسة بالنسبة إلى البوزيدي لم تبدأ داخل البرلمان أو اللجنة التنفيذية.

قبل ذلك، كان قد دخل تجربة التدبير المحلي في الرباط.

فقد سبق له أن ترأس مقاطعة أكدال الرياض بين 2003 و2009، وهو ما يجعل علاقته بهذه المنطقة أقدم بكثير من الولاية الانتخابية الحالية. وتؤكد معطيات منشورة عقب انتخابه من جديد سنة 2021 أنه سبق أن تولى رئاسة المقاطعة خلال الفترة نفسها.

وبذلك، فإن عودته إلى رئاسة أكدال الرياض سنة 2021 لم تكن بداية تجربة، وإنما عودة إلى موقع يعرفه منذ سنوات.

في فاتح أكتوبر 2021، انتُخب رئيساً للمقاطعة بـ25 صوتاً مقابل خمسة أصوات لمنافسه عمر الحياني، ليجمع في الوقت نفسه بين رئاسة مجلس المقاطعة والعضوية في مجلس النواب.

ومنذ ذلك الحين، أصبح البوزيدي يتحرك بين مستويين من السياسة: سياسة القرب داخل مقاطعة من أكبر مقاطعات العاصمة، والسياسة الوطنية من داخل البرلمان.

مفاجأة «المحيط» في 2021

حين اختار الاستقلال البوزيدي وكيلاً للائحته في الرباط-المحيط سنة 2021، لم تكن مهمته سهلة.

الدائرة ضمت 19 لائحة تتنافس على أربعة مقاعد، وكانت تضم أسماء سياسية وازنة.

ومع نهاية الفرز، جاء البوزيدي ثالثاً بـ4499 صوتاً، خلف الفائزين الأوائل، فيما حصل مرشح الحركة الشعبية الذي حل رابعاً على 4295 صوتاً.

لكن أهمية النتيجة لم تكن في الرقم وحده.

فالدائرة نفسها شهدت سقوط أسماء سياسية ثقيلة، وهو ما جعل وصول البوزيدي إلى البرلمان واحداً من نتائج تلك الانتخابات التي أكدت أن «المحيط» قادرة على قلب التوقعات.

ومنذ ذلك الحين، أصبح البوزيدي جزءاً من المشهد البرلماني للعاصمة، بعدما كان لسنوات جزءاً من المشهد المحلي فيها.

برلماني يشتغل من بوابة القانون

داخل مجلس النواب، وجد البوزيدي نفسه في لجنة تنسجم إلى حد كبير مع تكوينه المهني؛ لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات.

والسجل الرسمي لمجلس النواب يثبت عضويته في هذه اللجنة، إلى جانب عضويته في مجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة حول المساواة والمناصفة.

كما يظهر سجله البرلماني الرسمي أنه تقدم بـ27 سؤالاً خلال الولاية التشريعية 2021-2026، من بينها أسئلة حول مخرجات الحوار الوطني بشأن التعمير والإسكان والإجراءات المتخذة لإنعاش القطاع العقاري.

وفي سؤال آخر، تناول موضوع حكامة المرافق العمومية واللامركزية الإدارية والشفافية والحق في الحصول على المعلومات.

هذه المعطيات لا تكفي وحدها للحكم على حصيلته البرلمانية، لكنها ترسم ملامح اهتماماته داخل المؤسسة التشريعية: العدالة والتشريع من جهة، وقضايا الحكامة والتعمير والشأن العام من جهة أخرى.

السياسة خارج البرلمان أيضاً

اللافت في تجربة البوزيدي أن البرلمان لم يكن المؤسسة الوحيدة التي وسعت حضوره.

ففي مارس 2022، انتخب نائباً لرئيس الجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات، إلى جانب رئاسته لمجلس مقاطعة أكدال الرياض وعضويته في البرلمان.

وهذا الموقع أضاف إلى تجربته بعداً مرتبطاً بقضايا الجماعات واللامركزية والتدبير الترابي.

وفي مقاطعة أكدال الرياض، اختار خلال ولايته الحالية الاستثمار أيضاً في الجانب الثقافي والتواصلي؛ إذ ارتبط اسمه بتنظيم مهرجان ربيع أكدال الرياض، الذي بلغ سنة 2025 دورته الثامنة عشرة، وقدم باعتباره تظاهرة تجمع بين الثقافة والفن والرياضة والأنشطة الموجهة إلى الشباب والأسر.

وفي إحدى الفعاليات، تحدث البوزيدي عن انفتاح المجلس على المؤسسات الدينية والتأطير الثقافي والفكري، بما يعكس جزءاً من رؤيته للعمل المحلي الذي لا يقتصر على الخدمات اليومية وحدها.

وجه آخر لا يظهر في البرلمان

وراء السياسي والمحامي والمنتخب المحلي، هناك مسار آخر أقل ارتباطاً بالسياسة المباشرة.

فالبوزيدي يتولى رئاسة الجامعة الملكية المغربية لرياضات الكيك بوكسينغ والمواي طاي والصفات والرياضات المماثلة، وظهر بهذه الصفة في أنشطة وملتقيات رياضية دولية، من بينها فعاليات مرتبطة بالمواي طاي في أبوظبي سنة 2025.

هذا الموقع يضيف إلى مساره مجالاً مختلفاً عن العمل الحزبي والتشريعي والتدبير المحلي، ويجعل حضوره موزعاً بين السياسة والمؤسسات والرياضة.

وبذلك، فإن اختزال البوزيدي في صفة «النائب الاستقلالي» لا يعكس كامل مساره.

حين يتحول التدبير إلى مادة للانتقاد

لكن تعدد المواقع لا يعني أن تجربة البوزيدي خالية من الجدل.

فالتدبير المحلي في العاصمة وضعه أكثر من مرة في مواجهة المعارضة داخل مجلس مقاطعة أكدال الرياض.

وفي يونيو 2025، اندلع خلاف مع مستشارين من فيدرالية اليسار الديمقراطي على خلفية تصريحات نسبت إلى رئيس المقاطعة خلال ندوة صحافية، ودفعت مستشاري المعارضة إلى مقاطعة دورة المجلس احتجاجاً عليها. ونقلت الصحافة أن الخلاف ارتبط بقضايا الهدم والإفراغ وبطريقة التعاطي السياسي معها.

وهذه الواقعة، بصرف النظر عن رواية كل طرف، تكشف شيئاً عن شخصية البوزيدي في التدبير: رجل حاضر في النقاش السياسي، ولا يبتعد كثيراً عن مناطق الاحتكاك حين يتعلق الأمر بتدبير الشأن المحلي.

كما عرف تدبير المقاطعة نقاشات أخرى حول عدد من الملفات الإدارية، بما فيها صفقة كراء السيارات التي ألغيت سنة 2023 قبل إعادة إطلاقها بعد تدارك الملاحظات المتعلقة بالمسطرة، وفق ما أوردته الصحافة آنذاك.

لذلك، فإن عودة البوزيدي إلى السباق الانتخابي لا تعني فقط تقديم تجربته باعتبارها رصيداً؛ فهي تضع هذه التجربة أيضاً أمام مساءلة الناخبين.

لماذا جدد الاستقلال ثقته فيه؟

في يوليوز 2026، اختارت قيادة حزب الاستقلال تجديد الثقة في البوزيدي وكيلاً للائحة الحزب بدائرة الرباط-المحيط. وأعلن نزار بركة القرار خلال لقاء حزبي احتضنه بيت البوزيدي في العاصمة، مؤكداً أن الحزب يريد مواصلة العمل الميداني وتعزيز حضوره في الرباط.

الاختيار يبدو منطقياً من زاوية انتخابية واضحة.

فالحزب أمام مرشح يعرف الدائرة، سبق أن فاز فيها، ويمتلك تجربة تدبيرية داخل إحدى مقاطعاتها، فضلاً عن حضور حزبي وبرلماني متراكم.

لكن لهذه المعادلة وجهاً آخر.

فالمرشح الذي يطلب تجديد الثقة لا يستطيع أن يعتمد فقط على رصيد الماضي؛ إذ يصبح مطالباً بالدفاع عن حصيلة الولاية السابقة.

وهنا تحديداً تكمن صعوبة مهمة البوزيدي.

«المحيط» لا تمنح صكاً مفتوحاً

الدائرة التي فاز فيها سنة 2021 ليست دائرة انتخابية سهلة.

إنها منطقة أثبتت في الاستحقاق السابق أن الأسماء المعروفة لا تضمن وحدها الفوز، وأن التحالف بين الاسم والتنظيم والعمل الميداني هو الذي يصنع الفارق.

والبوزيدي يدخل إليها هذه المرة وهو يحمل تجربة خمس سنوات كاملة.

هذه التجربة يمكن أن تكون أقوى أسلحته، لكنها في الوقت نفسه أكثر ما يمكن أن يستخدمه خصومه في مواجهته.

فكل ما أنجزه خلال الولاية الماضية قابل للتسويق باعتباره حصيلة، وكل ما لم يتحقق يمكن أن يتحول إلى سؤال انتخابي.

ثلاث مفاتيح لرجل واحد

ربما يمكن اختصار مسار عبدالإله البوزيدي في ثلاثة مفاتيح.

المحاماة منحته التكوين القانوني ومهنة ارتبطت بها شخصيته العامة منذ سنوات.

حزب الاستقلال وفر له مدرسة التنظيم والتدرج، وصولاً إلى اللجنة التنفيذية ورابطة المحامين الاستقلاليين.

أما التدبير المحلي فمنحه تجربة ميدانية طويلة في الرباط، بدأها برئاسة أكدال الرياض قبل أكثر من عقدين، ثم عاد إليها بعد انتخابات 2021، بالتوازي مع وصوله إلى البرلمان.

وإلى جانب هذه المفاتيح الثلاثة، أضاف العمل الرياضي مجالاً آخر إلى حضوره العام.

لهذا لا تبدو شخصية البوزيدي السياسية وليدة لحظة انتخابية واحدة؛ إنها حصيلة مسار طويل داخل مؤسسات متعددة.

الآن يبدأ الامتحان الحقيقي

حين يعود عبدالإله البوزيدي إلى «المحيط» في 23 شتنبر، لن يكون مطالباً بإقناع الناخبين بأنه قادر على الوصول إلى البرلمان.

لقد وصل إليه بالفعل.

ولن يكون مطالباً بإثبات أنه قادر على إدارة مقاطعة أكدال الرياض.

فهو يديرها للمرة الثانية.

السؤال الذي سيواجهه هذه المرة أكثر دقة:

هل يستطيع أن يحول كل هذا التراكم ــ كمحامٍ، وقيادي حزبي سابق، ورئيس مقاطعة، ونائب برلماني، وفاعل في التدبير الترابي ــ إلى ولاية برلمانية ثانية؟

ذلك هو الرهان الذي يجعل عودة البوزيدي إلى «دائرة الموت» مختلفة عن مغامرته الانتخابية الأولى.

في 2021، كان يبحث عن مقعد.

أما في 2026، فهو يبحث عن تجديد الثقة.

وبين الأمرين مسافة انتخابية لا تحسمها المناصب ولا السيرة، وإنما صناديق الاقتراع.

اترك رد