من أهوى بالإسلاميين إلى الحضيض السياسي؟؟؟ ح.8
بقلم: د. محمد وراضي
وبحكم علاقتي بعبد الإله بنكيران، وبحكم معرفتي بمحمد يتيم، قابلتهما عند المنصة فور انتهاء الاجتماع الذي نال فيه الراحل العلامة المكي الناصري ما ناله من الاستهزاء والسخرية اللاذغة من طرف بعض الإسلاميين من العدليين الياسنيين على الخصوص، بحجة أنه بوق النظام القائم، وبقدر ما ناله إدريس الكتاني من ثناء بحكم يساريته التي امتدت لسنوات أو لعقود منذ انعقاد مؤتمر إيكس ليبان الشهير. والحال أن الرجل فصيح بليغ منطقي في الكلام، مخلص في دينه اعتمادا منا على مقابلاتنا له في بيته لمرات عدة.
أولا بمناسبة معرفتي بكافات الجهات والأشخاص الوارد ذكرهم في كلامي السابق. وقفت متحدثا مع بنكيران ومن معه. وكان من ضمنهم الراحل بوشعيب الشراطي الذي ناب عن الدكتور الخطيب وألقى كلمته في الحضور. وهو – كما يعرف الكثيرون – الساعد الأيمن للخطيب إلى حد أنه لا يفارقه. فقد وجه بنكيران إليه طلبا مؤداه أن يبلغ الخطيب رغبة أصدقائه في الالتحاق بحزبه الذي هو “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية”. لكن الراحل بوشعيب الشراطي أحاله علي قائلا: إن الأستاذ وراضي يستطيع أن يلبي لك هذا الطلب. فكان أن ترجاني بنكيران وألح في الترجي، ونظرا لمعرفة به، ونظرا لكون جميع الأبواب موصدة أمامه للحيلولة بينه وبين تأسيس حزب سياسي، أو حتى للعمل في حزب علماني قائم. فقد حاول الالتحاق بحزب الاستقلال لأيديولوجيته الميالة إلى الإسلام إنما بدون جدوى.
ولم يكن مني غير افتتاح الدكتور الخطيب في الموضوع. لكنه لم يجبني على السؤال الذي كنت مجرد نائب عن موجهه إليه إلا بعد أزيد من أسبوع. وكان صديقنا رئيس حزب النهضة والفضيلة المنشق عن حزب العدالة والتنمية محمد خالدي على معرفة تامة بما دار بيني وبين الخطيب. وبعد أن سمعت من الخطيب ما اعتبرته إجابة مرضية، وجهت شروطه إلى بنكيران في رسالة حملها إليه ولدي إلى منزله. ونظرا لكوني معتكفا عن تهيئة رسالتي لنيل الدكتوراه بدار الحديث، انقطعت عن الاتصالات السياسية. لكن صديقي محمد خالدي، وصديقي بوشعيب الشراط تابعا كل ما كان يدور بين الدكتور الخطيب وبنكيران وأصحابه. إلى أن خطرت فكرة في رأس الدكتور تقضي بتأسيس حزب يضم الإسلاميين أصدقاء بنكيران.. فكان أن حمل اسم: العدالة والتنمية. اقتداءا بالحزب التركي الذي على رأسه الآن أردوغان. لكنه كما يقال: “لا قياس مع وجود فارق”؟ نقصد القياس الفقهي لا القياس الفلسفي الذي يتضمن المقدمتين: الكبرى والصغرى، ثم النتيجة؟ وعندما تأسس الحزب على يد الخطيب الذي له صلة مباشرة بأعلى السلطات، لم تعد بيني وبين بنكيران أية علاقات تذكر. لكن علاقتي السابقة معه ومع الراحل عبد السلام ياسين، غفر الله لنا وله، لا بد من تأكيد حقيقة الرجلين كليهما، فياسين رجل صادق في إيمانه وفي إسلامه وفي تصوراته السياسية، وإن كان يقدم التربية الروحية على السياسة. إنه يناهض الظلم، وضد أي عمل مسلح لانتزاع السلطة، وإن مارس نقدا من منظور الدين، فلكونه يدرك جيدا ما يلزم أن يقوم به الحاكم، مع وضع يديه على قضايا معينة في رسالته القيمة “الإسلام أو الطوفان”. وأعتقد أن النظام أخطأ في التعامل معه على مستوى اعتقاله وعلى مستوى عدم السماح له بممارسة حريته كزعيم إسلامي. فقد زرته وهو في سلا بعد عودتي من موريتانيا، وهو خاضع حينها للإقامة الجبرية، والحراسة تستفسر كل مقبل على طرق باب منزله. لكن أحد الحراس يوم زرته، تأسف لحال الرجل، وسمح بالتحدث إليه خارج الدار وهو في الحديقة التي توفر لي ولغيري رؤيته، وكان أن تأسفت للحالة التي هو عليها.
كما قمت بزيارته، قام بزيارته الدكتور الخطيب، وصديقي المحترم مصطفى العلوي مدير جريدة الأسبوع الصحفي، هذه الجريدة التي حملت أول مقال لي، وأنا حينئذ في مدينة وجدة أوائل عام 1972م. فقد حاول الدكتور الخطيب أن يقارب بين ياسين والحسن الثاني، لكنه لم يصل معه إلى أية حلول ممكنة، كما أخبرنا شخصيا بذلك. مع أن ياسين لم يفكر قط في الإطاحة بملك البلاد كي يحل محله حاكم آخر. وحتى رسالة “الإسلام أو الطوفان”، هي بالنسبة إلى ياسين عتاب ونصيحة صادقة، وكل ما في الأمر هو أن إمارة المؤمنين – كما يدل مفهومها عنده – تستدعي الاحتكام إلى شرع الله ولو بالتدريج، لأنه لا يصح القفز الفوري من نظام علماني مستورد مفروض، إلى نظام من مبادئه العدل والإحسان والمساواة والحرية والكرامة! دون أن يغيب عن أذهاننا أن ياسين لم يتجرأ قط، في السر والعلن على ذم العلمانيين بأسماء قادتهم، وبغير ذكر أسماء هؤلاء، وإنما ينظر إليهم كمخدوعين، فاتهم الاطلاع على ما يضمه الدين الإسلامي من مبادئ، لو تم للحكام اعتمادها لتم القضاء على الفقر في بلادنا، وربما تكون التصورات التي ضمنتها لموضوع لي تحت عنوان : “للقضاء على البطالة ولتشغيل آلاف من العاطلين”. هي عبارة عن مقالات، أملت علي نفسي أن أوجهها إلى ملك البلاد، ففعلت، لكن الرد حتى الآن لم يصلني. وإنما لاحظت أن بعض اقتراحاتي في تلك المقالات، تم تنفيذها على الأرض. كما أشير إلى أنني قمت باختصار تلك المقالات على متن الجريدة الإلكترونية “هسبريس”، وكان أن علق عليها أحد القراء بقوله: “أنا شيوعي والدكتور محمد وراضي سلفي، ومع ذلك أنا متفق معه ومؤيد له”، وأنا في الحقيقة لست سلفيا بالمفهوم السائد بقدر ما أنا مفكر مستقل، إلى حد أن مفهوم السلفية عندي أوسع وأغرق مما تنطق به الألسن وتعبر عنه الأقلام!!!
