القضاء المغربي يدخل رادار المستثمرين الأجانب… تنفيذ الأحكام الأجنبية بين جاذبية السوق وسيادة القانون
بقلم: عبدالإله الباز
دخل إصلاح قانون المسطرة المدنية بالمغرب دائرة اهتمام الأوساط القانونية الدولية، بعدما نشر موقع Global Law Experts دليلاً عملياً موجهاً إلى المستثمرين الأجانب والدائنين والمتقاضين عبر الحدود، حول كيفية تنفيذ الأحكام الأجنبية داخل التراب المغربي في ضوء الإصلاحات الجديدة لسنة 2026.
وأوضح الموقع القانوني الدولي، في مقال بعنوان “How to Enforce Foreign Judgments in Morocco (2026)”، أن تنفيذ الأحكام الأجنبية في المغرب دخل مرحلة جديدة بعد اعتماد ونشر قانون المسطرة المدنية الجديد في الجريدة الرسمية خلال فبراير 2026، معتبراً أن الإصلاح يمنح المستثمرين والدائنين الأجانب إطاراً أوضح للتعامل مع الأحكام الصادرة خارج المغرب، خصوصاً في ما يتعلق بالاعتراف بها وتنفيذها عبر مسطرة التذييل بالصيغة التنفيذية.
وحسب المصدر ذاته، فإن الحكم الأجنبي لا يصبح قابلاً للتنفيذ في المغرب بشكل مباشر، بل يحتاج أولاً إلى أمر قضائي مغربي يعترف به ويأذن بتنفيذه. غير أن الجديد، وفق القراءة التي قدمها الموقع، هو أن إصلاح 2026 لا يلغي هذه المسطرة، لكنه يجعلها أكثر وضوحاً من خلال تحديد شروط الاعتراف، وحالات الرفض، وإتاحة أدوات تحفظية لفائدة الدائنين، من بينها إمكانية طلب الحجز أو تجميد بعض الأصول عند وجود خطر تبديدها.
ويشير المقال إلى أن قانون المسطرة المدنية الجديد تم اعتماده في 11 فبراير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية يوم 23 فبراير 2026، على أن يدخل حيز التنفيذ الكامل في 24 غشت 2026، أي بعد ستة أشهر من نشره. ويرى المصدر أن هذا الإصلاح ينقل قواعد الاختصاص الدولي والاعتراف بالأحكام الأجنبية وتنفيذها من وضع متفرق إلى إطار قانوني أكثر تجميعاً وتنظيماً.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في الجانب التقني للمسطرة، بل في الرسالة التي يلتقطها المستثمر الأجنبي. فحين يصبح بإمكان دائن أو شركة أجنبية أن تفهم مسبقاً شروط تنفيذ حكم صادر في الخارج ضد مدين أو شركة أو أصول موجودة في المغرب، فإن ذلك يرفع من درجة اليقين القانوني، ويجعل السوق المغربية أكثر قابلية للقراءة من طرف الفاعلين الدوليين.
ويؤكد Global Law Experts أن الدائنين الأجانب مطالبون، قبل التوجه إلى القضاء المغربي، بإعداد ملف دقيق يتضمن نسخة مصادقاً عليها من الحكم الأجنبي، وشهادة تثبت نهائيته وقابليته للتنفيذ، وإثبات تبليغ المدعى عليه، إضافة إلى ترجمة عربية رسمية للوثائق، وتوكيل محام مغربي مختص في هذا النوع من المساطر.
ومن بين العناصر اللافتة في الإصلاح، بحسب المصدر نفسه، أن المحاكم المغربية أصبحت تملك أساساً قانونياً أوضح للأمر بتدابير تحفظية قابلة للتنفيذ داخل المغرب، حتى قبل الحصول على التذييل النهائي في بعض الحالات المستعجلة. وهذا المعطى يهم بالدرجة الأولى الدائنين الذين يخشون تهريب الأصول أو تفويتها قبل انتهاء المسطرة القضائية.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل نشره موقع Conflict of Laws المتخصص، والذي اعتبر أن القواعد الجديدة المتعلقة بالاعتراف وتنفيذ الأحكام الأجنبية أصبحت منصوصاً عليها في المواد 451 إلى 456 من القانون الجديد، مع التأكيد على أن الحكم الأجنبي لا ينفذ في المغرب إلا بعد الحصول على الصيغة التنفيذية من المحكمة المغربية المختصة.
كما أشار التحليل ذاته إلى أن الإصلاح يحدد شروطاً مرتبطة باختصاص المحكمة الأجنبية، واحترام حقوق الدفاع، ونهائية الحكم، وعدم تعارضه مع النظام العام المغربي أو مع حكم مغربي سابق.
غير أن هذا التطور لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً بلا قيود أمام تنفيذ كل الأحكام الأجنبية. فالقضاء المغربي يظل ملزماً بفحص مجموعة من الشروط، من بينها احترام النظام العام، والتأكد من سلامة التبليغ، ونهائية الحكم، وعدم وجود حكم مغربي متعارض، إضافة إلى عنصر المعاملة بالمثل في بعض الحالات. وهذه الشروط تجعل الإصلاح خطوة نحو الوضوح، لا تفويضاً آلياً لتنفيذ كل حكم صادر خارج المغرب.
من زاوية اقتصادية، يضع هذا النقاش المغرب أمام اختبار مزدوج: جذب الاستثمار الأجنبي من خلال تقوية الثقة في القضاء، وفي الوقت نفسه حماية السيادة القانونية المغربية من أي تنفيذ آلي لأحكام قد تتعارض مع النظام العام أو الاختصاص الحصري للمحاكم الوطنية. وهي معادلة دقيقة بين الانفتاح القانوني وحماية المجال القضائي الوطني.
ويبدو أن اهتمام موقع قانوني دولي بهذا الإصلاح يكشف أن المغرب لم يعد يُقرأ فقط من زاوية المؤشرات الاقتصادية أو مشاريع البنية التحتية، بل أيضاً من زاوية قابلية منظومته القضائية للتعامل مع النزاعات العابرة للحدود. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، بل عن قضاء قادر على حماية الحقوق وتنفيذ الالتزامات بوضوح ونجاعة.
بهذا المعنى، فإن إصلاح المسطرة المدنية الجديد لا يهم القضاة والمحامين وحدهم، بل يهم أيضاً صورة المغرب كوجهة استثمارية. فكلما أصبح تنفيذ الأحكام الأجنبية أكثر وضوحاً وتوازناً، زادت ثقة الشركات والبنوك والدائنين الدوليين في التعامل مع السوق المغربية، شريطة أن يتحول النص القانوني إلى ممارسة قضائية مستقرة وسريعة وشفافة.
المغرب، الذي يراهن على موقعه كمنصة اقتصادية بين إفريقيا وأوروبا، يحتاج إلى قضاء تجاري ومدني قادر على مواكبة هذا الطموح. وإصلاح تنفيذ الأحكام الأجنبية قد يكون واحداً من تلك التفاصيل القانونية التي لا تصنع العناوين الصاخبة، لكنها تصنع ثقة المستثمرين بصمت.