أسئلة قانونية وحقوقية ومعركة مستمرة من أجل الحقيقة والإنصاف

بقلم: إدريس السدراوي (.)
الرئيس المؤسس للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان

أولًا: احترام المؤسسات لا يتعارض مع المطالبة بكشف الحقيقة

قبل الخوض في تفاصيل ملف اعتقالي وما يثيره من تساؤلات قانونية وحقوقية، أود التأكيد على كامل احترامي وتقديري لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة الأمنية الوطنية، ورئاسة النيابة العامة، والسلطة القضائية بمختلف مكوناتها ودرجاتها، إيمانًا مني بأهمية أدوارها الدستورية في حماية الحقوق والحريات، وصون الأمن، وترسيخ سيادة القانون وضمان العدالة.

كما أؤكد تقديري لما راكمته أجهزتنا الأمنية من خبرة وتجربة مهنية، ولما حققه المغرب من مكتسبات في مجال الحكامة الأمنية، وهي مكتسبات تحظى بتقدير على المستويين الوطني والدولي. وأثمن الدور الذي يضطلع به المدير العام للأمن الوطني في تطوير الأداء الأمني وتعزيز حكامته، بما يسهم في ترسيخ الثقة في المؤسسات الأمنية الوطنية.

وإذ أثير في هذا المقال ملاحظات وتساؤلات بشأن بعض الإجراءات والمعطيات المرتبطة بملفي، فإنني أشدد على أن موقفي ينحصر حصرًا في مسار هذه القضية وما أعتقد أنه شابه من اختلالات تستوجب التوضيح والتحقيق، ولا يستهدف بأي شكل من الأشكال المساس بالمؤسسة الأمنية أو الانتقاص من مهنيتها ونجاعتها، كما لا يشكل انتقاصًا من رئاسة النيابة العامة أو السلطة القضائية أو تشكيكًا في دورهما الدستوري.

إن المؤسسات القوية لا تنتقص من مكانتها معالجة الاختلالات المحتملة، بل تتعزز الثقة فيها من خلال تكريس الشفافية، وتصحيح أوجه القصور، وضمان المساءلة القانونية عند الاقتضاء. فالاختلالات الإجرائية، متى ثبت وجودها، ليست حكرًا على بلد دون آخر، وإنما تظل معالجتها وفق القانون مدخلًا أساسيًا لتطوير الأداء المؤسسي وترسيخ دولة الحق والقانون.

وانطلاقًا من هذه القناعة، أتناول ملفي من منظور قانوني وحقوقي مسؤول، قوامه احترام المؤسسات، والتمسك بالحقوق والضمانات الدستورية، والمطالبة بكشف الحقيقة كاملة، بعيدًا عن التعميم أو التجريح أو إصدار الأحكام المسبقة.

ثانيًا: قضية تعود إلى سنة 2024 وتساؤلات حول توقيت تحريكها

إن ملف اعتقالي وما رافقه من إجراءات ومتابعات يطرح جملة من التساؤلات القانونية والحقوقية الجدية التي تستوجب الوقوف عندها، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وفي احترام تام لقرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

لقد ظلت هذه القضية، وفق المعطيات التي أتوفر عليها، حاضرة منذ بدايات سنة 2024، قبل أن يُعاد تحريكها في توقيت يثير علامات استفهام جدية حول خلفياتها والظروف المحيطة بها.

وهو ما يدفعني إلى التساؤل عما إذا كانت هذه القضية قد ظلت حبيسة الرفوف طوال تلك المدة، انتظارًا لتوقيت معين يُعاد فيه تحريكها، الأمر الذي يستدعي التحقق من ظروف نشأتها ومسارها والأسباب الكامنة وراء إثارتها.

إن هذا التساؤل ليس حكمًا مسبقًا على نيات أي جهة، وإنما هو مدخل ضروري لفهم التسلسل الزمني للقضية، والوقوف على الظروف التي أحاطت بها منذ بدايتها إلى حين تحريك المتابعة.

ثالثًا: تضارب الروايات والوصل الذي ظهر بعد حوالي سنة ونصف

من أبرز الإشكالات التي تستوجب التدقيق، التضارب والاختلاف في الروايات الواردة في الشكايات والمحاضر، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن مدى انسجام المعطيات المعتمدة في بناء الاتهامات المنسوبة إليّ.

فالتباينات في عرض الوقائع وتفاصيلها ليست مسائل ثانوية، بل تستوجب المواجهة والتحقق، ضمانًا لسلامة الإجراءات وصحة الاستنتاجات المبنية عليها.

ومن بين التساؤلات الجوهرية التي يطرحها هذا الملف، مسألة الوصل الذي قيل إنه مزور، والذي لم يتم، بحسب المعطيات المتوفرة لدي، إقحامه في الملف والبحث عنه إلا بعد مرور حوالي سنة ونصف على تقديم الشكاية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف اكتسبت الشكاية مصداقيتها عند تقديمها، إذا كان الوصل الذي أصبح لاحقًا عنصرًا أساسيًا في القضية لم يظهر في مسار البحث إلا بعد مرور حوالي سنة ونصف؟ وعلى أي أساس مادي استندت الادعاءات في المرحلة الأولى، قبل ظهور هذا العنصر؟

إن هذا التساؤل يقتضي التحقق من طبيعة الأدلة والقرائن التي كانت متوفرة عند وضع الشكاية، وتحديد تاريخ ظهور الوصل وتقديمه، والظروف التي أحاطت بإدراجه في الملف، ومدى تأثير ذلك على تقييم تسلسل الوقائع وسلامة الاستنتاجات.

ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في التواريخ، بل بمسألة تمس تسلسل بناء الادعاءات ومدى استنادها إلى عناصر مادية واضحة منذ البداية. لذلك، فإن الكشف عن ظروف ظهور هذا الوصل وتحديد قيمته الإثباتية يظل أمرًا ضروريًا لفهم الملف وتقييمه تقييمًا موضوعيًا.

وأؤكد أن إثارة هذه المسألة لا تعني استباق نتائج التحقيق أو إصدار حكم بشأن صحة الوثيقة، وإنما ترمي إلى المطالبة بتوضيح ظروف ظهورها وفحصها والتحقق من مدى ارتباطها بالوقائع موضوع الشكاية، بما يضمن تقييم الملف على أساس أدلة واضحة ومتسقة.

رابعًا: فضيحة التواريخ ووقائع منسوبة إليّ خارج القنيطرة وخارج الوطن

تزداد هذه التساؤلات حدة عند الوقوف على ما يمكن وصفه بفضيحة التواريخ، بالنظر إلى أن عددًا من الأفعال الجرمية المزعومة نُسبت إليّ في فترات كنت خلالها خارج مدينة القنيطرة، بل وخارج التراب الوطني في بعض الحالات.

وهي معطيات تستوجب إجراء مقارنة دقيقة بين التواريخ الواردة في الشكايات والمحاضر وبين الوثائق الرسمية التي تثبت أماكن وجودي وتنقلاتي، بما يسمح بالتحقق من مدى صحة تلك الادعاءات على أساس موضوعي وقانوني.

فإذا كانت التواريخ والأماكن عناصر أساسية في تحديد الوقائع ونسبتها إلى الأشخاص، فإن التحقق منها ليس أمرًا شكليًا، بل ضرورة قانونية تفرضها متطلبات البحث الجدي والمحاكمة العادلة.

ومن حقي، كما من حق أي شخص يخضع للمتابعة، أن تُفحص الوقائع المنسوبة إليه في ضوء الأدلة المادية والوثائق المتاحة، وأن تُناقش كل التناقضات التي قد يكون لها تأثير في تقدير مسؤوليته القانونية.

خامسًا: معطيات خطيرة تستوجب التوضيح والتحقيق

يثير الملف تساؤلات أخرى تتعلق بمعطيات ووقائع أعتبر أن التعامل معها خلال مرحلة البحث لم يكن بالمستوى الذي تقتضيه٤ خطورتها، وهو ما يستوجب توضيح ملابساتها والتحقق من مدى احترام القواعد القانونية المنظمة للبحث والإجراءات المرتبطة به.

وأحتفظ، في هذا الصدد، بمعطيات إضافية أعتبرها بالغة الأهمية، سأعرضها بالتفصيل، مقرونة بما يتوفر لدي من وثائق وإثباتات، ضمن تقرير مستقل سيصدر لاحقًا.

وقد اخترت عدم الخوض في تفاصيل هذه المعطيات في هذا المقال التمهيدي، حرصًا على تقديمها في سياقها الكامل، وربط كل واقعة بما يدعمها من أدلة ووثائق، بما يسمح للرأي العام والجهات المعنية بتقييمها بصورة موضوعية.

إن الغاية من إثارة هذه المسائل ليست توجيه اتهامات مجانية، وإنما المطالبة بفحص جميع عناصر الملف دون انتقائية، والتأكد من أن الوقائع والقرائن ذات الصلة قد خضعت للبحث اللازم، وأن أي معطيات يمكن أن تؤثر في فهم القضية أو تقييم الاتهامات لم يتم إغفالها.

سادسًا: قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة والسراح المؤقت

على مستوى الضمانات القضائية، أؤكد أنني أعتبر ما تعرضت له مساسًا بقرينة البراءة وبحقي في الاستفادة من ضمانات المحاكمة العادلة، ولا سيما فيما يتعلق بعدم تمتيعي بالسراح المؤقت، رغم وضعي الصحي الذي كان يستوجب، في تقديري، أخذ حالتي بعين الاعتبار بجدية أكبر.

لقد عانيت خلال فترة الاعتقال من نوبة نقرس حادة وعنيفة، تزامنت مع ارتفاع ضغط الدم ومعاناتي من داء الساركويد، وهي وضعية صحية صعبة جعلتني أشعر بأن حياتي كانت مهددة، وأنني كنت على حافة الموت، لولا الألطاف الإلهية.

ولم تكن هذه المعاناة بالنسبة إلي مجرد تفصيل صحي عابر، بل تجربة إنسانية قاسية تستدعي، في نظري، إعادة النظر في كيفية التعامل مع الوضعيات الصحية للمعتقلين، وضمان التوازن بين متطلبات الإجراءات القضائية والحق في الحياة والسلامة الجسدية والرعاية الصحية اللازمة.

وإن مطالبتي بالسراح المؤقت لم تكن مطالبة بالإفلات من المساءلة القانونية، وإنما كانت مطالبة بضمانات قانونية وإنسانية تراعي وضعي الصحي وتحفظ حقوقي، دون المساس بسير العدالة.

فقرينة البراءة تظل أصلًا دستوريًا وقانونيًا، والمحاكمة العادلة تقتضي احترام حقوق الدفاع والضمانات المقررة قانونًا، مع إخضاع القرارات والإجراءات المتعلقة بالحرية الفردية للضوابط القانونية الواجبة.

ومن هذا المنطلق، فإنني أعتبر أن وضعي الصحي، إلى جانب باقي المعطيات المرتبطة بملفي، كان يستوجب عناية أكبر عند النظر في مسألة السراح المؤقت، وهو ما سأعود إليه بتفصيل أكبر ضمن التقرير المقبل، في ضوء الوثائق والمعطيات المتاحة.

سابعًا: تقدير القضاء والتمسك بالمسار القانوني

أتوجه بالشكر إلى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، وإلى مختلف أطرها وقضاتها، بمن فيهم السادة الوكلاء العامون للملك والقضاة، تقديرًا لما يضطلعون به من مسؤوليات في إطار مؤسسة القضاء.

وأؤكد أن تقديري للمؤسسات القضائية لا يتعارض مع حقي في إثارة التساؤلات القانونية والحقوقية، ولا مع تمسكي بسلوك جميع المساطر القانونية المتاحة لكشف الحقيقة والدفاع عن حقوقي.

إن احترام القضاء والمؤسسات لا يعني التنازل عن الحق في مناقشة الإجراءات أو المطالبة بالتحقق من الاختلالات المحتملة، بل إن الاحتكام إلى القانون يقتضي إتاحة المجال للدفاع عن الحقوق، وفحص الأدلة، وتصحيح الأخطاء متى ثبت وجودها، وترتيب المسؤوليات وفقًا للقانون.

ثامنًا: تقرير مفصل قادم مدعّم بالوثائق والإثباتات

أعلن أن هذا المقال لا يمثل سوى مدخل تمهيدي لملف تتعدد معطياته وتتشابك تفاصيله، وأنني بصدد إعداد تقرير مفصل يتضمن التسلسل الزمني للأحداث، وأوجه التضارب بين الروايات، والإشكالات المرتبطة بالوصل وتاريخ ظهوره، والتواريخ والأمكنة التي نُسبت فيها إليّ الأفعال المزعومة، فضلًا عن معطيات أخرى أعتبرها بالغة الأهمية.

وسأعمل على عرض هذه المعطيات مدعمة بالوثائق والإثباتات المتاحة، مع تحديد الوقائع وسياقاتها والجهات المعنية بها، حتى يكون الرأي العام أمام مادة موثقة قابلة للفحص والمناقشة، وتكون الجهات المختصة أمام عناصر واضحة يمكن التحقق منها وفقًا للقانون.

إن اختياري التريث في الكشف عن بعض التفاصيل في هذه المرحلة لا يعني التراجع عن إثارتها، وإنما يعكس حرصي على عرضها بصورة مسؤولة، بعيدًا عن التسرع أو الأحكام المسبقة، وبما يحفظ مصداقية المطالب الحقوقية والقانونية التي أدافع عنها.

تاسعًا: براءتي التي أتمسك بها ومعركتي القانونية المستمرة

أجدد التأكيد على تمسكي ببراءتي، ورفضي لكل اتهام لا يستند إلى أدلة قانونية سليمة، وعزمي على مواصلة معركتي القانونية بكل الوسائل المشروعة.

إن هدفي ليس إصدار أحكام مسبقة في حق أي جهة، وإنما المطالبة بكشف الحقيقة كاملة، والتحقق من جميع المعطيات، وترتيب المسؤوليات القانونية عند الاقتضاء، بعيدًا عن الانتقائية أو إغفال الوقائع التي قد تكون حاسمة في فهم القضية.

وبصفتي مدافعًا عن حقوق الإنسان، سأظل متمسكًا بالمبادئ التي دافعت عنها، وفي مقدمتها احترام القانون، وصون الكرامة الإنسانية، وضمان الحقوق والحريات، مع الإيمان بأن قوة المؤسسات تكمن أيضًا في قدرتها على معالجة الاختلالات المحتملة وتصحيحها.

إن براءتي التي أتمسك بها، وحقّي في الدفاع عن نفسي، وإصراري على كشف الحقيقة، أمور لن تتراجع أمامها إرادتي في مواصلة المسار القانوني. فالحقيقة لا تخشى التوثيق، والمؤسسات القوية تزداد قوة عندما تُعالج الاختلالات بشجاعة ومسؤولية، والعدالة لا تكتمل إلا عندما تُفحص جميع الأدلة وتُحترم الحقوق وتُكشف الوقائع كاملة.

(.) الرئيس المؤسس للرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان

اترك رد