من مدرسة الاتحاد إلى قيادة «الوردة».. خمسة عقود من الحضور السياسي جعلت منه واحداً من أكثر الوجوه المغربية خبرة في إدارة المعارك الحزبية والانتخابية
إدريس لشكر ليس مجرد اسم آخر في لائحة قادة الأحزاب المغربية. إنه سياسي ينتمي إلى جيل كامل من المدرسة الاتحادية، عاش تحولات المغرب السياسي من مواقع متعددة، من التنظيم الطلابي والشبيبي إلى البرلمان والحكومة، ثم إلى قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وظل طوال هذه الرحلة حاضراً في الصفوف الأمامية، حتى عندما تغيرت الخريطة السياسية وتبدلت موازين القوى.
واليوم، في خضم الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر 2026، يعود لشكر إلى الواجهة بصورة السياسي الذي يعرف جيداً أن الانتخابات ليست محطة عابرة، وأن الحفاظ على موقع حزب عريق داخل المشهد يحتاج إلى نفس طويل، وتنظيم قوي، وخطاب قادر على استعادة ثقة الناخب.
رجل خرج من مدرسة السياسة لا من موسم انتخابي
بدأ لشكر مساره السياسي مبكراً، بانخراطه في الاتحاد الاشتراكي سنة 1970، قبل أن يتدرج داخل التنظيمات الطلابية والشبيبية، ويتولى لاحقاً مسؤوليات حزبية وبرلمانية مهمة.
ومنذ ذلك الحين، لم يكن حضوره مرتبطاً بموقع واحد. كان برلمانياً، ورئيساً للفريق الاشتراكي بمجلس النواب، وعضواً في المكتب السياسي، ثم وزيراً مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان، قبل أن يصل إلى قيادة الحزب سنة 2012.
ذلك المسار الطويل يمنح الرجل ميزة لا تتوفر بسهولة في السياسة: معرفة المؤسسات من الداخل، ومعرفة الحزب من الداخل، ومعرفة قواعد اللعبة السياسية من خلال التجربة والممارسة.
فهو لم يتعلم السياسة من الكتب وحدها، ولم يدخلها من بوابة الانتخابات فقط، وإنما راكمها داخل التنظيم وفي البرلمان والحكومة وفي مواجهة التحولات التي عرفها اليسار المغربي والمشهد الحزبي برمته.
قيادة «الوردة» في زمن صعب
عندما وصل لشكر إلى قيادة الاتحاد الاشتراكي، كان أمام حزب ذي تاريخ كبير، لكنه كان يواجه أيضاً أسئلة صعبة حول موقع اليسار ومستقبله وقدرته على استعادة المبادرة.
ومنذ انتخابه كاتباً أول سنة 2012، ثم إعادة انتخابه في المؤتمر الوطني الحادي عشر سنة 2022 لولاية ثالثة، أصبح لشكر أحد أكثر القادة الحزبيين استمراراً في موقع القيادة داخل المشهد المغربي.
وهذه الاستمرارية، بصرف النظر عن اختلاف المواقف تجاهها، تكشف جانباً أساسياً من شخصيته السياسية: القدرة على البقاء وإدارة التنظيم وتحمل ضغط المنافسة الداخلية والخارجية.
فخلال سنوات طويلة تغيرت الحكومات، وتبدلت التحالفات، وصعدت أسماء سياسية جديدة، وتراجعت أخرى، فيما حافظ لشكر على موقعه داخل الاتحاد الاشتراكي وعلى حضوره في النقاش السياسي الوطني.
خبرة البرلمان والحكومة.. عندما تصبح التجربة رأسمالاً سياسياً
البرلمان كان واحداً من أهم ميادين صناعة شخصية لشكر السياسية.
فقد انتخب نائباً عن الرباط في أكثر من محطة، وتولى رئاسة الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، وهو موقع يفرض على صاحبه امتلاك أدوات الخطاب والمواجهة والتفاوض وإدارة الاختلاف.
ثم جاءت التجربة الحكومية لتضيف إلى رصيده بعداً آخر.
وهكذا أصبح لشكر من السياسيين القلائل الذين راكموا تجربة في أكثر من مستوى من مستويات صناعة القرار: الحزب، البرلمان، المعارضة، والحكومة.
هذه الخبرة المتعددة تفسر جزءاً من حضوره الحالي؛ فالرجل لا يخوض النقاش السياسي باعتباره مراقباً من الخارج، وإنما باعتباره أحد الذين خبروا المؤسسة من داخلها وعرفوا تفاصيل اشتغالها.
2026.. لشكر يرفع سقف الطموح
في انتخابات 2026، اختار إدريس لشكر ألا يتعامل مع الاتحاد الاشتراكي بمنطق الحفاظ على المكتسبات فقط.
الحزب أعلن طموحاً أكثر جرأة، يتمثل في تحسين مرتبته والتنافس على صدارة النتائج، مع تغطية مختلف الدوائر وتعزيز حضور النساء والشباب.
والأهم أن لشكر قاد الإعداد لهذه الاستحقاقات بمنهجية تقوم، بحسب ما أعلن الحزب، على إشراك التنظيمات والقطاعات الموازية والشباب والنساء والهيئات الجهوية والإقليمية في إعداد الاستحقاقات والبرنامج الانتخابي.
وهنا يظهر لشكر في صورة السياسي الذي لا يريد للاتحاد أن يدخل الانتخابات بذاكرته فقط، وإنما بقدرة تنظيمية وسياسية متجددة.
«التنمية العادلة».. حين تتحول الذاكرة الاتحادية إلى عرض انتخابي
اختار الاتحاد الاشتراكي لانتخابات 23 شتنبر الجاري شعار «التنمية العادلة»، في محاولة لتقديم هوية سياسية واضحة ترتكز على العدالة الاجتماعية والتنمية والإنصاف.
لكن اللافت أن لشكر لم يقدم البرنامج باعتباره مجرد قائمة وعود انتخابية، بل شدد على ضرورة أن يكون البرنامج قابلاً للنقاش والمقارنة والمساءلة.
وهذا التفصيل مهم في قراءة شخصية الرجل اليوم؛ فهو يحاول أن ينقل الاتحاد من استثمار الرصيد التاريخي إلى تقديم نفسه كقوة سياسية قادرة على طرح البدائل ومساءلة الحصيلة الحكومية.
من مراكش إلى طنجة.. لشكر في قلب الميدان
خلال الأيام الأخيرة، ظهر لشكر في قلب الحملة الانتخابية، رافعاً سقف المواجهة السياسية مع أحزاب الأغلبية، ومحملاً الحكومة مسؤولية حصيلة خمس سنوات من التدبير.
وفي مراكش، يوم 10 شتنبر، اختار خطاباً أكثر حدة تجاه الحكومة، داعياً إلى مساءلة حصيلتها وعدم الاكتفاء بالوعود الانتخابية.
وفي طنجة، الجمعة 11 شتنبر، قدم الاتحاد الاشتراكي برنامجه الانتخابي، مؤكداً أن الحزب يدخل الاستحقاقات ببرنامج واضح والتزامات محددة.
أما الرباط، فتستعد لاستقبال تجمع خطابي للاتحاد الاشتراكي يوم الأحد 13 شتنبر برئاسة لشكر، في محطة انتخابية جديدة تؤكد أن الرجل يوجد شخصياً في قلب الحملة، وليس فقط خلف الكواليس التنظيمية.
سياسي يجيد رفع سقف المواجهة
من أبرز خصائص لشكر السياسية أنه لا يفضل عادةً المنطقة الرمادية في لحظات المنافسة.
وفي الأيام الأخيرة، دعا الناخبين إلى معاقبة أحزاب الأغلبية في اقتراع 23 شتنبر، منتقداً حصيلتها، كما حذر في المقابل من محاولات اختزال المشهد السياسي في ما وصفه بالقطبية المصطنعة.
وفي ذلك امتداد لشخصية سياسية عُرفت منذ سنوات بقدرتها على تحويل موقع المعارضة إلى منصة للمواجهة والضغط السياسي.
لكن لشكر لا يقدم نفسه اليوم باعتباره معارضاً من أجل المعارضة؛ بل يحاول أن يضع الاتحاد الاشتراكي في موقع الحزب الذي يقدم نفسه بديلاً سياسياً، مستفيداً من خبرته الطويلة في المؤسسات ومن رصيده التاريخي.
قوة الاستمرارية
ربما تكون الاستمرارية هي الكلمة الأكثر دلالة على شخصية إدريس لشكر.
ففي السياسة المغربية، حيث تتغير المواقع بسرعة وتظهر قيادات جديدة باستمرار، استطاع الرجل أن يحافظ على حضوره داخل حزب عريق لأكثر من عقد في موقع الكاتب الأول، بعد مسار سياسي بدأ قبل ذلك بعقود.
وهذا لا يعني أن مساره كان خالياً من الخلافات أو الانتقادات، لكنه يعني شيئاً آخر أكثر أهمية في قراءة شخصية السياسي: أنه استطاع أن يبقى لاعباً مؤثراً في المشهد، وأن يحافظ على موقعه في واحدة من أكثر البيئات السياسية تنافسية وتعقيداً.
لشكر.. ابن الاتحاد الذي اختار الاستمرار
بعد أكثر من خمسين سنة على دخوله عالم السياسة، لا يظهر إدريس لشكر اليوم كسياسي يبحث عن التعريف بنفسه، وإنما كواحد من أولئك الذين أصبحت سيرتهم جزءاً من تاريخ الحزب الذي يقودونه.
من الطالب الاتحادي إلى البرلماني، ومن رئيس الفريق الاشتراكي إلى الوزير، ومن القيادي إلى الكاتب الأول، قطع لشكر مسافة سياسية طويلة جعلت منه واحداً من أكثر السياسيين المغاربة معرفة بتفاصيل العمل الحزبي والمؤسساتي.
وفي انتخابات 2026، يدخل الرجل معركة جديدة، لكن بخبرة كل المعارك السابقة.
إنه لا يقود مجرد حملة انتخابية، بل يقود محاولة جديدة لإعادة وضع الاتحاد الاشتراكي في موقع أكثر تقدماً داخل الخريطة السياسية، مستنداً إلى تنظيم يراهن على التجديد، وبرنامج يرفع شعار التنمية العادلة، ورجل يعرف أن السياسة في نهاية المطاف ليست فقط القدرة على الوصول إلى القيادة، وإنما القدرة على البقاء فيها وفي قلب المشهد.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية إدريس لشكر: سياسي لم تصنعه لحظة انتخابية، ولم تنهِه التحولات السياسية، بل صنعته عقود من الحضور والتجربة والمواجهة، وجعلت منه واحداً من آخر وجوه المدرسة الاتحادية التي ما زالت تحمل ذاكرتها وتخوض معاركها في الحاضر.



