جينيالوجيا قانون المحاماة (بين استقلال المهنة والخضوع)
بقلم: حسن حلحول (.)
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بالحاح هو لماذا رفض المحامون قانون المحاماة الجديد ؟ فهذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض مسبقا أن القانون يمثل إصلاحا، يخدم مصلحة المحامين والمواطنين وأن اعتراض المحامين ليس مقاومة لمقتضيات التحديث،أما السؤال الجينيالوجي، بالمعنى الفوكوي، فهو أكثر إزعاجا أي نوع من المحاماة يريد هذا القانون أن ينتج؟ وأي علاقة جديدة يريد أن يقيمها بين المحامي والسلطة؟
فالجينيالوجيا بمعناها الفلسفي عند نيتشه وفوكو هي نبش في تاريخ الأفكار والقيم من اجل معرفة من اي جاءت أو أصلها وكيف تولدت ، فهي لا تبحث عن أصل نقي للقانون، ولا تفترض أن التاريخ يسير في خط مستقيم من النقص إلى الكمال، ومن التخلف إلى الإصلاح. إنها تبحث عن لحظة تشكل الخطاب القانوني، وعن علاقات القوة التي جعلت قاعدة معينة ممكنة، وعن التحولات التي تجعل ما كان بالأمس استثناء يصبح اليوم قاعدة، وما كان بالأمس استقلالا يصبح اليوم مجالا للرقابة.
ومن هذه الزاوية، فإن قانون المحاماة لا ينبغي أن يقرأ باعتباره نصا تقنيا ينظم مهنة حرة فحسب، وإنما باعتباره تقنية من تقنيات تنظيم السلطة،فالقانون القديم، وفق المقارنة التي يثيرها المحامون، كان يحصر تدخل وزارة العدل في نطاق ضيق ومحدد، في ثلاثة فصول. أما في القانون الجديد، فقد توسعت مجالات تدخل الوزارة إلى أكثر من ثلاثة وعشرين فصلًا، فضلًا عن اتساع حضور النيابة العامة في عدد من المجالات التي كانت تدخل في صميم التنظيم الذاتي للمهنة،وهنا تحديدا تبدأ المنهج الفوكوي،فالمسألة ليست في عدد الفصول وحده؛ فالعدد لا يصبح ذا معنى إلا عندما نقرأ اتجاه الحركة التي تكشفها هذه الزيادة،إذا كان تدخل السلطة في القانون القديم محصورا في نقاط محددة، بينما أصبح في القانون الجديد ممتدا إلى أكثر من ثلاثة وعشرين فصلا، فإن السؤال الجينيالوجي يصبح ماذا حدث للاستقلال بين القانونين، هل نحن أمام مجرد توسيع تقني للصلاحيات؟ أم أمام تحول في تشيكل السلطة نفسها؟إن السلطة في التصور الفوكوي، لا تحتاج دائما إلى أن تمنع وتجرم وتأمر بصورة مباشرة. إنها تصبح أكثر فعالية حين تعيد ترتيب المجال الذي يتحرك فيه الفاعل، فتحدد له ما يستطيع أن يفعله وما لا يستطيع ومن يراقبه، ومن يملك سلطة التدخل ومن يملك سلطة الإذن ومن يملك سلطة المحاسبة؛وبذلك فإن السيطرة الحديثة لا تظهر بالضرورة في صورة أمر صريح افعل أو لا تفعل؛ بل قد تظهر في صورة شبكة قانونية تجعل الفاعل يعيد حساب خطواته قبل أن يتحرك،وهذا هو السؤال الذي يطرحه المحامون من خلال رفضهم للقانون الجديد هل نحن بصدد تنظيم المهنة، ام بصدد إعادة تشكيلها من الداخل بحيث تصبح أكثر قابلية للمراقبة والخضوع ؟إن اتساع تدخل وزارة العدل ليس مجرد مسألة إدارية. فإذا كان استقلال المحاماة يقوم على أن تكون المهنة قادرة على إدارة شؤونها المهنية بذاتها، فإن توسيع دائرة التدخل الخارجي يعني بالضرورة إعادة رسم الحدود بين ما هو مهني مستقل وهو الاصل وما هو خاضع للسلطة من اجل التحكم فيها وفقدان استقلاليتها وحصانتها، وهنا تتحول الوزارة من سلطة تتدخل في نقاط استثنائية ومحددة ومحدودة إلى حضور مؤسساتي أكثر اتساعا داخل المجال المهني تفقد مؤسسة النقيب فعاليتها وحضورها الأصيل، وهذا ما يرفضه ويعترض المحامون عليه بشدة ،ولا يتعلق الأمر فقط بوزارة العدل؛ فالمحامون يشيرون كذلك إلى تنامي حضور النيابة العامة في القانون الجديد، وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر عمقًا ماذا يبقى من التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة بالمغرب عندما تتسع دوائر التدخل الخارجي فيها كيفما كان نوعه؟ لأن الاستقلال لا يقاس بما تقوله النصوص عن الاستقلال، وإنما بما تتركه فعليا من مساحات خارج التدخل،فقد ينص القانون على استقلال المهنة، ثم يأتي بعد ذلك ليضع حول هذا الاستقلال شبكة كثيفة من الإجراءات والرقابات والتدخلات. وعندها يصبح الاستقلال موجودًا في اللغة، لكنه يتراجع في الممارسة،وهذا هو أحد أهم دروس فوكو السلطة لا تعمل فقط بما تمنعه، وإنما بما تنتجه،والسؤال إذن ليس فقط في ماذا يمنع القانون المحامي من أن يفعل؟بل فأي محام ينتجه هذا القانون؟ من أكثر الصور النقدية دلالة التي وجهها المحامون للقانون الجديد تلك الصورة التي تقول إن النقيب قد يتحول من ممثل للاستقلال المهني وحام للمهنة إلى مجرد ناقل للاخبار واعلام الوزارة والنيابة العامة فهو ليس ساعي البريد ينقل قرارات السلطة وتعليماتها إلى المحامين،قد تبدو العبارة حادة، لكنها تكشف جوهر المشكلةفي القانون الجديد،فالنقيب في التصور التقليدي للمهنة ليس مجرد وسيط إداري؛ إنه يمثل السلطة التنظيمية الداخلية للمحامين مستقلة ويمثل في الوقت ذاته استقلال المهنة ورمزيتها في مواجهة السلطة.لكن إذا أصبح موقع النقيب محاطا بتدخلات خارجية متعددة، وإذا أصبح جزء من صلاحياته مرتبطا بتنفيذ أو نقل إرادة سلطات أخرى،وهنا نصل إلى مفهوم فوكوي شديد الأهمية ” السلطة لا تحتاج دائما الى الغاء المؤسسة، يكفي أحيانا اعادة توزيع وظائفها حتى تبقى المؤسسة قائمة في الشكل، بينما يتغير معناها في الممارسة،قد يبقى النقيب نقيبا وقد تبقى المجالس مجالس وقد تبقى المحاماة مهنة حرة في النص نظريا وتنتهي أو تنتفي ممارسة، ومن ثم فان ما يستفاد إذن هو إذا تقلصت القدرة الفعلية لهذه المؤسسات على اتخاذ قرارات مستقلة، فإننا نكون أمام اعادة انتاج للمؤسسة في صورة جديدة ضعيفة، مؤسسة موجودة لكنها فقدت مكتسباتها محاطتة بالقيود التي تكبل فعاليتها، المحامون لا يرفضون القانون الجديد لأنه جديد، ولا يرفضون الإصلاح من حيث المبدأ، فأنهم يرفضون لانه فيه مساسا بمكتسبات التي راكمتها المهنة في القانون السابق، خصوصا في مجال الاستقلال والحصانة والتنظيم الذاتي”، اذن فالقضية ليست صراعا بين القديم والجديد وإنما بين الحفاظ على تاريخ المهنة واركانها وبين الإصلاح الذي يراد منه مس ثوابت المهنة ،إنه ا صراع بين نموذجين للمحاماة،
الاول :محاماة مستقلة تملك قدرا واسعا من القدرة على تنظيم نفسها، وتستطيع أن تقف في مواجهة السلطة عندما يتعلق الأمر بالحقوق والحريات؛
الثاني :محاماة أكثر خضوعا لشبكة من التدخلات والرقابات، بما يجعلها أكثر حذرا في مواجهة السلطة، وأكثر خوفا من الاصطدام بها، وأقل قدرة على ممارسة وظيفتها التاريخية كأحد المدافعين عن المواطن في مواجهة القوة.فالفرق بين الأمرين جوهري،القانون يضع قواعد لممارسة الاستقلالية، أما إعادة الإنتاج فتتدخل في شروط وجود الاستقلال نفسه، وتعيد تشكيل الفاعل المهني بحيث يصبح أكثر انسجاما مع بنية السلطة القائمة،لكي يصبح من المحامي الحر إلى المحامي المنبططح،وهنا نصل إلى جوهر القراءة الفوكوية النتشهية يكون تابعا كالقطيع ،فالسلطة الأكثر فعالية ليست تلك التي تضرب المحامي في مكتسباته القانونية وفي استقلاليته،من خلال ان هنالك سلطة واسعة يمكن ان تتدخل في اداء مهامه الدفاعية المحفوظة دستوريا ،وأن تقوض من سلطة النقيب ومن قرارت المجلس لتصطدم بشبكة واسعة من السلطات الخارجية المحيطة به،و تجعل الخوف يسيطر عليه في الأداء مهامه ،حتى يصبح اكثر ترددا في الكلام وهذا اكبر عائق للمحامين في القانون الجديد ،عندها لا تحتاج السلطة إلى إسكات المحامي في كل مرة؛ يكفي أن تجعل شروط الكلام والفعل محفوفة بالمخاطر. و التي تمنع من ان تجعل المحامي قويا حرا مستقلا محصنا في كلامه داخل القاعة ،هوأن لا يحس انه يراقب نفسه بنفسه فيما يتلفظ به في اطار القانون في مرافعاته خدمة للمحكمة العادلة ،وهنا يصبح الخوف نفسه أداة من أدوات الحكم.
المسألة ليست وزارة العدل وحدها،من الخطأ، اختزال المسألة في شخص الوزير أو في وزارة العدل باعتبارها خصما سياسيا للمحامين ،الجينيالوجيا لا تبحث عن فاعل حقيقي يقف خلف الستار فحسب بل إنها تبحث عن شبكة السلطة، فالسلطة هنا ليست شخصا واحدا، ولا مؤسسة واحدة، ولا إرادة فردية واحدة. إنها شبكة من القواعد والاختصاصات والإجراءات والرقابات والجزاءات والعلاقات المؤسسية،ومن ثم فإن السؤال الأساسي ليس هل تريد وزارة العدل السيطرة على المحامين؟ بل السؤال الأكثر دقة هو هل البنية القانونية الجديدة تنتج علاقة يكون فيها استقلال المحاماة أقل اتساعا، وتكون فيه السلطة الخارجية عن المهنة أكثر حضورا داخل المجال المهني؟ الإجابة هي نعم، اذن فإننا لا نكون أمام خلاف تقني حول مواد قانونية، وإنما أمام تحول في نظام السلطة الذي سيحكم المهنة بأي قواعد قانونية سيحكمها ويكبلها. وتنتقل المحاماة من الاستقلالية إلى التبعية ،لهذا السبب تحديدا يمكن فهم رفض المحامين للقانون الجديد باعتباره رفضا لإعادة إنتاج نموذج معين للمحاماة ، محاماة خاضعة خائفة خنوعة ،والمقصود هنا ليس اتهام كل محامٍ بالخوف أو الخضوع، وإنما وصف النموذج المؤسسي الذي قد ينتج عن قانون يوسع التدخلات الخارجية ويقلص مجالات النقباء والمجالس أو التنظيم الذاتي،والخطر الأعمق هو أن تنشأ بنية قانونية تجعل الخضوع أمرا طبيعيا وتجعل الحذر سلوكا عقلانيا، وتجعل الصمت أكثر أمانا من المواجهة، وتجعل المعارضة استثناء بدل أن تكون جزءا من كينونتها ومن الوظيفة الحقوقية للمهنة،وعندها يكون القانون قد نجح في إنتاج ما يمكن تسميته، بلغة فوكوية، ذاتا أو جسما مهنية جديدة منبطحة، وهنا تصبح عبارة المحاماة المستقلة بحاجة إلى إعادة تعريف ،لأن الاستقلال الحقيقي ليس أن يقول القانون إن المحامي مستقل، بل أن تكون لديه المؤسسة فاعلة وفعلية قادرة على ممارسة هذا الاستقلال عندما يتعارض مع السلطة المحيطة بها، قد يأتي القانون باسم الإصلاح، لكنه قد ينتج في الوقت نفسه مزيدا من الاكراهات، قد يأتي باسم تنظيم المهنة لتتماشى مع التطور الرقمي ولكن في الاصل يقلص من التنظيم الذاتي بل يمكن من التدخل في شؤونها تدخلا اللاقانوني، ومن ثم فإن السؤال الحقيقي الذي يفسر رفض المحامين للقانون ليس لماذا يخاف المحامون من الإصلاح؟ بل لماذا يخاف الإصلاح من محاماة مستقلة؟ لأن المحاماة التي تفقد قدرتها على قول ” لا ” للسلطة قد تبقى محاماة في الاسم، لكنها تفقد ما جوهري شخصيتها التاريخية، وهنا من الناحية الجينيالوجيا نطرح اي قانون اعتباري نريد للمحاماة، وإنما أي محاماة نريد للقانون، محاماة مستقلة تستطيع أن تواجه السلطة وأن تقول ” لا ” أو محاماة تابعة تقول نعم في كل المناسبات.
(.) عضو سابق بهيئة المحامين بالرباط



