سيمياء العتبات النصية في رواية “ضارب الدف” للروائي الأكاديمي د. عبدالخالق جييد
بقلم: عبداللطيف عسيسو
بين غلاف رواية “ضارب الدف ” وصفحته الأولى مسافة برزخية تسكنها العتبات؛ تلك الإشارات الذكية التي وضعها الروائي كعلامات إرشادية على طريق النص.
في رواية “ضارب الدف” للروائي الاكاديمي عبدالخالق جييد، لا تقف العتبات النصية عند حدود الزينة البصرية أو الترف الصياغي، بل تتحول إلى شبكة من العلامات السيميائي التي تمارس إغواءًا معرفياً على القارئ. تأتي هذه المقاربة النقدية لتستنطق العنوان وصورة الغلاف والمقدمة والخطوط والألوان، كاشفةً عن الروابط الخفية والجسور الممتدة بين غواية العتبة الخارجية، وعمق المتاهة السردية في الداخل، واستخلاص الروابط بينها وبين المكونات الأخرى للنص. ويتم ذلك من خلال تحليل نصي لا يتعامل معها بوصفها ظاهرة أدبية بحتة فحسب، بل بوصفها نصاً وظاهرة جمالية لا تختلف عن جماليات النصوص الأصلية التي تقدم لها وتمهد الطريق إليها.
ففي الدراسات النقدية الحديثة والمعاصرة، تمثل العتبات (النصوص الموازية) ركيزة دلالية هامة في العملية الإبداعية والنقدية، و استراتيجية مهمة لتوضيح سراديب النص للمتلقي وإبراز دلالاته العميقة. وقد استأثرت العتبات باهتمام الباحثين والدارسين المتخصصين في مجالات النقد والسيميائيات وعلم الدلالة، نظراً لدورها في جلاء المعنى، وإنارة غوامض النص، وفك تعقيداته.
وقد قمت في هذه الدراسة المتواضعة بقراءة عتبة العنوان، وعتبة الغلاف من ثلاث زوايا الصورة، والألوان، وطريقة كتابة العنوان على الغلاف، وعتبة ماهو مكتوب على الغلاف ، وسيميائية أسماء الشخصيات.
تُعرف دراسة عتبات النصوص الأدبية بـ “النص الموازي“paratextuelite )، وهو مفهوم صاغه الباحث الأدبي الفرنسي جيرار جينيت.Gerard Genette في كتابه seuils عتبات 1987.
وتتمثل هذه “العتبات” في جميع العناصر المحيطة بالنص الأصلي، والتي تنظم عملية الوصول إلى الكتاب أو توجهها أو تؤثر فيها؛ فهي تشكل حلقة الوصل الانتقالية بين العالم الخارجي والعالم الأدبي للكتاب. ويُقسّم جينيت هذه العتبات (النص الموازي) إلى فئتين رئيسيتين: 1. النص الموازي الداخلي (peritexte): وهي العتبات الموجودة داخل الكتاب نفسه أو في محيطه المباشر، وعادةً ما يضعها المؤلف أو الناشر، وتشمل العنوان والعنوان الفرعي وصورة الغلاف واسم السلسلة؛ اسم المؤلف؛ التمهيد والمقدمة ؛ الإهداءات والإستشهادات الاستهلالية؛ الفهرس والحواشي وعناوين الفصول؛ وتصميم الغلاف والالوان . 2. النص الموازي الخارجي (l epitexte): وهي العتبات الموجودة خارج الكتاب ولكنها تؤثر في كيفية تعامل القارئ مع النص وفهمه له، مثل المقابلات التي تُجرى مع المؤلف حول الكتاب؛ المراجعات والنقد الأدبي في الصحف أو عبر الإنترنت؛ المواد التسويقية والملصقات الترويجية الصادرة عن الناشر؛ اليوميات أو الرسائل التي يتأمل فيها المؤلف عملية الكتابة؛ وجلسات القراءة والتعريف بالكتاب. وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تكشف أن النص الأدبي لا يصل إلى القارئ أبداً وهو “عارٍ” أو في حالة عزلة؛ إذ إن العنوان، أو عبارة التوصية على الغلاف، أو مقدمة محددة، كلها عناصر تشكّل توقعات القارئ -سواء بوعي منه أو دون وعي- وتحدد كيفية تفسيرنا للنص، كما تؤثر في مكانة العمل الأدبي وطريقة تلقيه.
1/سيمائية صورة الغلاف وعنوان الرواية:
يرى المفكر والأديب الإيطالي أمبرتو إيكو أن العنوان يجب أن يبلبل ذهن القارئ ولا ينير له الطريق، لكي لا يوجهه نحو تأويل أحادي ومحدد…وانا كقارىء مشارك اميل إلى طرح امبيرتو ايكو لان فيه ثراءا قد يفيد النص الأدبي ويغنيه.
اما جوليان غريماس (A.J. Greimas)، فلا يُنظر إلى عتبة العنوان كعنصر خارجي أو مجرد “لافتة” تزيينية، بل تُعامل كـ “نص ميكروي” (Micro-texte) مكثف يخضع لنفس آليات إنتاج المعنى التي يخضع لها المتن السردي كاملاً.بينما يشتهر الناقد الفرنسي جيرار جينيت بتأصيل مفهوم “العتبات” (Seuils) من الناحية الوظيفية والمصاحبة، فإن غريماس يركز على تفكيك بنية العنوان العميقة لمعرفة كيف يتولد المعنى داخله ويتحرك نحو المتن.
اما تودوروف تزفيتان Tzvetan Todorov فيرى ان عنوان الكتاب عتبة دلالية مكثفة ومفتاحاً تأويلياً يختزل جوهر العمل ومقصدية المؤلف.مفهوم عنوان الكتاب بنية ذات شقين: غالباً ما يرى تودوروف أن عناوين كتبه تتركب من جزأين؛ أحدهما يحدد الموضوع العام (الظاهرة أو الحدث)، والآخر يحدد القضية أو الإشكالية الفكرية.
اما في رواية ” ضارب الدف ” عنوان الرواية جاء مكتوبا باللون الأحمر واسم المؤلف والمترجم باللون الأسود ،سيمائيا يعبر هذا عن ثنائية الصراع العاطفي أو الخطر مقابل الثبات والحياد والسلطة الإبداعية للمؤلف.
دلالة اللون الأحمر (عنوان الرواية)يعني،الجذب البصري يفرض العنوان نفسه كأول عنصر بصري يخطف عين القارئ لكسر رتابة الصفحات.لون الدم والخطر قد يرمز إلى العنف، أو الجريمة، أو الصراعات الدموية في أحداث الرواية أو عن الحب الجارف، أو الغضب، أو الغريزة الملتهبة التي تحرك الشخصيات.التحذير والإنذار يمثل إشارة مسبقة لوجود أزمة أو مضمون صادم داخل النص.دلالةاللون الأسود (اسم المؤلف) هو السلطة والوقار الذي يعكس ثقل اسم الكاتب، ومكانته، ومرجعيته في توجيه النص.
في رواية “ضارب الدف”يمثل العنوان الثريا النصية التي تضيء العمل بكامله،
الفاعل (الضارب) يحيل على فعل المقاومة، التغيير، وتحريك الساكن المعمول به (الدف) يحيل على الموروث الشعبي والأصالة الثقافية التي يعاد استنطاقها في الرواية ومساءلتها في ضوء التحولات المعاصرة.بناءً على ذلك، يتجاوز الدف في عالم عبد الخالق جييد الروائي وظيفته التطريبية، ليصبح شفرة سيميائية ( Code semiotique) تختزل صراع الذات مع فضاءاتها، وتتحول ضرباته المتتالية إلى نسق رمزي يفكك أسئلة الهوية، الذاكرة، والوجود.
اما عن صورة غلاف الرواية :احيدوس المايسترو بجلباب أصفر والباقون بجلابيب بيضاء سيمائيا وفي الثقافة المغربية والأمازيغية، يحمل لباس “المايسترو” (الرايس أو المقدم) في رقصة أحيدوس دلالات سيميائية ورمزية عميقة تعكس مكانته ودوره القيادي. ارتدائه لـلجلباب الأصفر في حين يرتدي بقية الراقصين الجلابيب البيضاء جاء في الرواية ( ولا تنس ان ضارب الدف يكون في مثل هذه الحفلات سيد الميدان لا ينازعه السيادة منازع .فهو من يقود العملية برمتها وهو من يحدد الإيقاع ويمهد لمدخل الرقصة ويعلن عن نهايتها .لا صوت يعلو حينها على صوت الدف الا ارادة تسمو فوق ارادته ) ص 62/63 هذا التميز البصري والقيادي (السلطة الرمزية)يحدد مركز القوة ، اللون الأصفر في الواقع لجلباب صورة الغلاف ، يكسر رتابة اللون الأبيض الموحد في “الصف” الكتلة البشرية لأحيدوس. هذا الفصل البصري يسمح للجمهور وللراقصين أنفسهم تحديد موقع القائد فوراً بمجرد النظر.
المايسترو هو ضابط الإيقاع وموجه حركات الأيادي والأرجل، والتنقلات، واختلاف لونه يجعله بمثابة المنارة البصرية التي تتبعها المجموعة.
اما دلالة الألوان السيميائية والثقافية ، اللون الأبيض في الثقافة الأمازيغية والمغربية يرمز إلى النقاء، والصفاء، والاتحاد، والمساواة. ارتداء المجموعة للأبيض يعبر عن انسجام القبيلة، وتماسكها، وذوبان الفوارق الفردية داخل الجماعة.
بخلاف (المايسترو) الذي يرتدي الأصفر الخردلي أو الذهبي ،في الموروث الشعبي يرمز هذا اللون للشمس، والضوء، والطاقة، والحكمة. هو رمز للشخص الذي يملك “الكاريزما” والمعرفة الواسعة بالشعر (إيزلان) والإيقاع ويدل كذلك على التوازن بين الفرد والجماعة.تعكس هذه الصورة ثنائية (الفرد الحكيم / الجماعة الملتحمة الانسجام والتلاحم التام ،المايسترو لا ينفصل عن جماعته، فهو يرتدي نفس القطعة التراثية (الجلباب)، لكنه يتمايز باللون ليؤكد أن القيادة تتطلب خصوصية وفرادة، بينما القوة تكمن في اتحاد الجماعة (اللون الأبيض الموحد).
في رواية ضارب الدف لا يُنظر إلى الدف (Allun) بوصفه مجرد آلة إيقاعي فقط بل هي منظومة علاماتية متكاملة تختزل فلسفة الإنسان الأمازيغي في تعامله مع الأرض، والكون، والجسد، والمجتمع ..جاء في الرواية (وكفى الدف فخرا ان في شكله وحده ما يوحي بانه يحتل من الجوقة الموسيقية محل الصدر والمبدأ الاساس.) ص 33
من منظور سيميائي، يمكن تفكيك الرموز والدلالات الإنسانية والكونية لكل من الدف واحيدوس في صورة غلاف الرواية على النحو التالي:1. الدف (Allun) كـ “مركز الكون” والزمن الدف في أحيدوس أو الجوقة هو المحرك الإيقاعي والدلالي الأساسي، ويحمل أبعاداً سيميائيةعميقة فشكل الدف الدائري يرمز سيميائياً إلى الدورة الكونية والزمن الدائري تعاقب الفصول، الليل والنهار، الموت والحياة. إنه يحاكي شكل الشمس والقمر، وهما عنصران مركزيان في الثقافة المرتبطة بالأرض والفلاحة.
أما الجلد والخشب فهما مادتان طبيعيتان حيوانية ونباتية تمثلان الالتحام بالطبيعة. ضربات الدف هي محاكاة لنبض الأرض، وإيقاع المطر، ودقات قلب الإنسان. جاء في الرواية ( فان الدف والوتار الطنبور هما أصدق الآلات الموسيقية تعبيرا عن الروح الشعبي البدوي الأصيل فلك فيهما عبق أرض،ودفىء نبرة ، وبحة في حنجرة الزمن ……التان تجدان في الشعب أصولهما)ص 30
يمثل الدف في رواية ضارب الدف “سلطة التنظيم”. الإيقاع هو القائد الذي يوحد الحركات ويضبط الكلمة (الرمز اللساني). من دون الدف، يدخل الفضاء في حالة “فوضى”، وبوجوده يتحول الفضاء إلى “نظام”.2. أحيدوس في صورة غلاف الرواية يمثل (الجسد والفضاء) كـ “جسم مجتمعي، الرقصة الجماعية في أحيدوس هي نص بصري وحركي بامتياز، تشكل علاماته الأبعاد التالية:حلقة الرقص الدائرية أو نصف الدائرية ترمز إلى الاتحاد، والمساواة، والتضامن القبلي. الدائرة لا بداية لها ولا نهاية، مما يعني تذويب الفوارق الطبقية والاجتماعية بين أفراد القبيلة.التلاحم والكتف بالكتف و حركة اهتزاز الأكتاف والتلاحم الجسدي ترمز سيميائياً إلى الجدار الحامي والتماسك القبلي في مواجهة الأخطار الخارجية (الرمزية الدفاعية والوجودية).حضور الرجل والمرأة معاً ووقوف النساء إلى جانب الرجال في حلقة أحيدوس هو علامة سيميائية صريحة على المساواة والتكامل بين الجنسين في الفلسفة الأمازيغية.
لا تكتمل الرقصة ولا يكتمل المجتمع إلا بهذا التوازن الثنائي.تموج الأجساد والحركات الهادئة والتموج الخفيف للأكتاف تحاكي سيميائياً حركة الطبيعة كتموج سنابل القمح بفعل الرياح، أو تدفق مياه الينابيع الجبلية.اماالتفاعل بين الدف والجسد (سيميائية الحواس)تنشأ بين ضربات الدف وحركات الجسد علاقة تفاعلية؛ فالدف يرسل “علامات سمعية” يستقبلها الراقصون ويترجمونها إلى “علامات بصرية وحركية” (الكوريغرافيا). هذا التناغم يجسد فلسفة الحلول والانسجام التام بين الإنسان ومحيطه.باختصار شديد الدف في الجوقة هو النبض والروح المنظمة للكون، بينما حلقة الرقص هي المجتمع الإنساني المتلاحم الذي يتحرك بانسجام مع إيقاعات الأرض والحياة..جاء في الرواية على لسان موحى ( الدف الذي يعود عمره الى أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، والذي يروي واحدة من أقدم الحكايات وأكثرها معاناة في الآن نفسه من الاقصاء والاغفال. حكاية شعبي وبني جلدتي ) ص 36.
2/ أسماء الشخصيات الروائية في رواية ضارب الدف.
يعتبر اختيار أسماء شخصيات قديمة في رواية “ضارب الدف” ك موحا ، حتا ، تتريت قسو اوعلى ..لحسن اوشيبانتعبيرا عن العمق التاريخي، والحنين للماضي، وتحميل الشخصية أبعاداً رمزية وأسطورية تتجاوز الزمن الواقعي.
ان الدلالات السيميائية للأسماء القديمة في الرواية هو العمق والغوص في الأزمنة والتاريخ ،غالبا مايرتبط الاسم القديم للشخصية بجذور عميقة، مما يعطي إحساساً بأنها تمتد لأزمنة أبعد من لحظتها الحالية. تحمل الأسماء القديمة (مثل الأسماء التراثية أو الدينية أو التاريخية) حمولة دلالية جاهزة؛ فالقارئ يربط الاسم بصفات سابقة لشخصيات تاريخية أو دينية شهيرة.
يرمز استخدام الكاتب لأسماء اندثرت أو قلَّ ( بالشدة) استخدامها ك موحى وحتا وقسو وتتريت عن الرغبة في استدعاء زمن نقي أو مفقود، ومقاومة النسيان والتغير السريع للحياة المعاصرة. قد يُمثل الاسم القديم تناقضاً مقصوداً مع العصر الحديث، مما يعكس شعور الشخصية بالعزلة أو عدم الانتماء لعصرها.
من وجهة نظر السيمائيات تعتمد دراسة الأسماء على تفكيك الاسم كعلامة لغوية وصوتية وثقافية لإستخراجالأبعاد العميقة التي يرمز إليها في وعي المجتمع.عند تحليل اسمي “موحا” و”حتا” الشخصيتين المحوريتين في رواية ضارب الدف سيميائياً، نجد أنهما يحملان دلالات رمزية وهوية ثقافية قوية للغاية، اسم “موحا” هو علامة سيميائيةدالة على الهوية الأمازيغية المغربية (خاصة في مناطق الأطلس). تاريخياً وثقافياً يرتبط الاسم في المخيالالجماعي بالشهامة والمقاومة، مثل القائد التاريخي الشهير موحا أوحمو الزياني.أما الدلالة الصوتية فاسم موحا يبدأ بحرف الميم (صوت شفوي يعبر عن الضم والجمع)، وينتهي بالألف الممدودة المفتوحة التي تمنح الاسم مدىً صوتياً يوحي بالانطلاق والحرية. يرمز الإسم سيميائياً إلى الأصالة، والارتباط بالأرض، وبالخصوصية الثقافية المحلية. اما سيميائية اسم “حتا ودلالته اللغوية والوظائفية، ففي اللسان العربي، “حَتَّى” هي حرف غاية وانتهاء. سيميائياً، عندما يُحول حرف أو أداة وظيفية إلى اسم علم، فإنه يكتسب دلالة “الوصول، بلوغ الهدف، أو النهاية التي تُختتم بها الأشياء”.سيميائية الحروف (الجفر/الطاقة الحرفية القديمة): في السيمياء القديمة او علم أسرار الحروف يعتبر الحاء حرف جوفي يرمز إلى الحياة، الحدة، والحرارة.التاء: حرف نطعي يرمز إلى الثبات والتمكين والتأنيث أو الإستمرارية.الألف المقصورة/الممدودة: ترمز إلى السمو والإمتداد.اما البُعد التأويلي فيرمز اسم “حتا” سيميائياًإلى الإصرار، وبلوغ الغايات، والصمود حتى تحقيق المقصد.التناغم السيميائي بين الاسمين (إذا وُجدا معاً كـ”ثنائية” أو تركيب في سياق معين، فإن الجمع بينهما يمثل دلالة سيميائية تجمع بين الأصل والامتداد؛ “موحا” يمثل الجذور والهوية الثقافية الثابتة، بينما “حتا” يمثل الغاية والمدى والوصول.
أعتقد جازما وبعد سنوات طويلة من القراءة والكتابة بأن أسماء الشخصيات في أي عمل قصصي أو روائي، يجب أن تكون مطابقة للشخصية، بمعنى أن الاسم يجب أن يشبه الشخصية في مكوناتها وصفاتها وبالتالي يكسبها قوة. وهذا ما اتقنه الكاتب والروائي الأكاديمي عبدالخالق جييد اتقانا بارعا في رواية ضارب الدف .
وقد يساعد ذلك كذلك في نقش تلك الشخصية بعمق في ذهن القارئ الذي يطالع النص بعد ذلك، فلا تضيع منه أثناء التوغل في القراءة وظهور شخصيات أخرى متعددة، حيث لن يحتاج إلى الرجوع بين حين وآخر إلى الصفحات الأولى، ليتذكر عمن يتكلم السارد.
جل الأسماء في رواية ضارب الدف كانت لها إيقاعاتها الخاصة ايقاعات ملائمة لبيئة الحكي وزمنه. فلا يمكن أن تكتب مثلا اسما لفتاة اسمها تسابيح أو هالة، ورجلا اسمه نوفل في رواية تدور أحداثها في المدشر اوالقرية وبالمقابل، لا يمكننا استخدام أسماء اندثرت، أسماء من الزمن القديم في نص تدور أحداثه في الوقت الحاضر.
3/الوظيفة السردية للدف.
جاء على ظهر غلاف الرواية :
(فيما يلي حكاية رواها لي ذات مساء عازف دف يدعى موحى ،تليها حكاية قصيرة لابن عمه حتا الذي كنت اود لقاءه وسماعه .اما لماذا اروي هاتين الحكايتين ،فلعلي افعل لأني لمست فيهما صرخة تحذير غامضة ، فكان لزاما ان أبوح بهذه الشكوى التي اضحت من يومها تسكنني.
وها أنذا انقل الحكايتبن كما سمعتهما من الراويين، ببساطتهما وتلقائيتهما وحتى الفوضى التي طبعت احداثهما..)
يصف هذا النص( نص العتبة) ، أسلوباً من أساليب السرد الشفهي المتجذر بعمق في الحفاظ على التراث، والمشاعر الجياشة، وهي في الأصل ضرورة ملحة تفرضها الثقافة. ويمكن فهم هذا الأسلوب من خلال خصائصه الرئيسية، فمن خلال الحفاظ على “البساطة” و”العفوية” و”الطابع الفوضوي” للأحداث، يرفض المؤلف البناء الأدبي المصقول لصالح الطاقة الخام والمباشرة التي تميز الرواة الأصليين.
إذ ينقل النص الصوت الحقيقي للمجتمع؛ فعلى سبيل المثال، ينتمي عازف الدف إلى تقليد أدائي تُساق فيه القصص بإيقاع أو نغم موسيقي، مما يضفي على السرد حيوية وطابعاً مؤثرا يترك اثرا عميقا بعيداً عن الصقل أو التكلف ، كذلك يشير النص إلى “صرخة تحذير غامضة” و”رثاء”؛ وهذا يرتقي بالقصص من مجرد وسيلة للترفيه إلى شهادات ملحة ومؤثرة.
المؤلف كوعاء ناقل لا يعمل هنا كمبدع، بل كشاهد ووسيط ينقل الرسالة، مدفوعاً بواجب إيصال صوت لحقيقة مقلقة.
يعتمد الأسلوب السردي في هذا النص على تقنية السرد المتداخل، أو ما يُعرف بـ “القصة الإطارية” (أي قصة داخل قصة). يبدأ النص براوٍ يتحدث بضمير المتكلم (“أنا”) ليضع سياقاً لعملية السرد؛ إذ لا يشارك هذا الراوي في الأحداث الجوهرية للقصص اللاحقة، بل يعمل بمثابة ناقلٍ أو وسيط او محاور يوصلها إلى القارئ. النقل المباشر (الحفاظ على الأصوات) يُصرح الراوي الإطاري صراحةً بنيته نقل القصص “كما سمعها تماماً”، سعياً للحفاظ على “البساطة” و”العفوية” و”الطابع الفوضوي” للحكايات الأصلية. ويشير هذا إلى أن الأسلوب سينتقل إلى نمط الحكي الشفهي، مع احتمال استخدام نبرات صوتية مميزة لكل من “موحا” و”حتا“.
يضفي الراوي شعوراً بالإلحاح والنذير المشؤوم من خلال وصف الحكايات بأنها “صرخة تحذير غامضة” و”رثاء”. وتُلوّن هذه الأوصاف طريقة تفسير القارئ للقصص القادمة، وتهيئه للبحث عن معانٍ خفية أو مخاطر أو مآسٍ ،من خلال ذكر تفاصيل محددة ونابضة بالحياة—مثل كون “موحا” عازفاً على “الدُّف” (آلة إيقاعية تقليدية) والرغبة القديمة في لقاء ابن العم “حتا”—يُرسّخ الأسلوب السردي جذوراً ثقافية ويمنح النص مصداقية الشهادة المباشرة.
في رواية ضارب الدف ل عبدالخالق جييد تتحول الأشياء والآلات والموتيفات الحركية أو الموسيقية إلى عتبات دلالية وعناصر محورية تُسهم في بناء العالم الروائي، لا تُعامل “آلة الدف” بوصفها مجرد أداة موسيقية أو إكسسوار هامشي، بل ترتفع إلى مرتبة البطل الرمزي والمحرك البنيوي والسردي الذي تتشكل حوله شبكة العلاقات داخل النص. يمكن تفكيك الوظيفة السردية والبنيوية لآلة الدف في هذه الرواية عبر المستويات التالية:1. الوظيفة البنيوية (آلة الدف كمركز ثقل النص)عتبة العنوان (المؤشر البنيوي الأول): تبدأ الوظيفة البنيوية للدف من غلاف الرواية؛ فالعنوان “ضارب الدف” يضع هذه الآلة وصاحبها في بؤرة التلقي. الدف هنا يُشكل نواة البنية الدلالية التي تتفرع منها بقية الحكايات. بؤرة التجميع الحكائي ، تعمل آلة الدف كخيط ناظم أو “مغناطيس بنيوي” يربط الفصول والشخصيات المتباعدة، مما يمنح الرواية تماسكاً معمارياً يمنع تشتت الأحداث.، والربط بين الماضي والحاضر، أو الانتقال بين مستويات الوعي والذاكرة.. جاء في الرواية على لسان موحا (ولكن قبل ذلك لأني لن احتمل رؤية هذه الآلات النبيلة ملقاة على الأرض. لا تدرك الدفوف نفسها مبلغ ما أكنه لها من عشق .)ص،53
النقر على الدف أو البحث عنه أو الصراع الرمزي حول ما يمثله، يمثل في الكثير من الأحيان الحافزMotivateur) الذي يدفع الشخصيات لأخذ مواقف، أو يغير مسار الحبكة السردية من حالة السكون إلى حالة الحركة. وظيفةالإفصاح والبوح السردي: في المقاطع التي يعجز فيها اللسان أو الحوار المباشر عن نقل المعاناة أو التحولات النفسية للشخصيات، يتدخل “إيقاع الدف” كأداة سيميائية بديلة تحل محل الكلام المباشر، ليعبر عن الصدمات، الفرح، المقاومة، أو الاغتراب. في رواية ضارب الدف يتم توظيف إيقاع الدف سردياً كجسر للانتقال الاسترجاعي (Flashback)؛ فسماع الصوت أو استحضاره يعيد البطل أو السارد إلى زمن المرجعية الثقافية والاجتماعية الأصلية، مما يسمح بتدفق الذاكرة وانفتاح الحكاية على أزمنة متعددة (الماضي/الحاضر).
اما الأبعاد الرمزية والدلالية (الخلفية الأنثروبولوجية)، فإن وظيفة الدف تتجاوز الجانب التقني البنيوي إلى أبعاد أعمق أنها الهوية والثقافة الشعبية, يمثل الدف امتداداً للتراث الشعبي الشفاهي , إنه رمز للأصالة والمقاومة الثقافية في وجه التهميش أو التحولات المعاصرة الجارفة. يتحول ضرب الدف في المشاهد السردية إلى طقس تطهيري يحرر الشخصية المحورية من ضغوطها وأزماتها الوجودية، ويعيد ربطها بالجماعة الإنسانية. باختصار آلة الدف في الرواية هي أداة كتابة وإيقاع سردي قبل أن تكون آلة عزف؛ لقد استطاع عبد الخالق جييد عبرها ضبط سرعة تدفق الحكي، ونسج المعمار البنيوي للنص، وتحميله بالدلالات الرمزية التي تعكس هموم الذات والمجتمع.
4/مجمل القراءة.
بناءا على ما تقدّم، تخلص هذه القراءة إلى أن دراسة العتبات النصية في رواية “ضارب الدف” لم تكن مجرد أسيجة خارجية أو زينة بصرية تحيط بالمتن السردي، بل شكّلت في جوهرها إستراتيجية نصية متكاملة، ونظاماً سيميائياً متضافراً وجّه أفق انتظار القارئ، وأسهم في تفكيك شيفرات النص الداخلية قبل الولوج إليه. قد تبيّن من خلال الدراسة التحليلية أن تلك العتبات المحيطة —بدءاً من ثريا النص (العنوان) بظلاله الإيقاعية والدلالية، ومروراً بالمناصات الأخرى كالغلاف وضهر الغلاف والالوان — قد عملت كجسور معرفية وجمالية ألغت المسافة بين الداخل والخارج. إنها لم تكتفِ بالإضاءة، بل مارست سلطة إنتاج المعنى، وغدت بمثابة المفاتيح التأويلية التي منحتنا القدرة على قراءة إيقاع الرواية وفهم افكار بعض شخوصها وفضاءاتها. وبذلك، تظل دراسة العتبات في هذا المنجز الروائي مدخلاً أساسياً لا غنى عنه لإعادة اكتشاف البنى العميقة التي شيّد عليها الروائي عبدالخالق جييد عوالمه السردية.
لقد أثبتت المقاربة السيميائية لعتبات رواية “ضارب الدف” أن الكاتب عبدالخالق جييد مارس “وعياً جيرار جينيتياً” (نسبة إلى جيرار جينيت) عالياً في بناء نصه المحيط؛ إذ تحولت العتبات من مجرد هوامش معزولة إلى بنيات دالة ومحرّكات تأويلية لا غنى عنها لفهم البنية العميقة للرواية، لتكون العتبة هي النص في أوج تكثيفه، والمنارة التي تضيء دهاليز المتن الروائي الممتد.
المراجع:
● ضارب الدف
عبدالخالق جييد
الفاصلة للنشر
ترجمة: عبدالهادي الادريسي
● Seuils
Gérard Genette..collection poetique Seuil
Paru le 01/02/1987.
● سيميائيات النص الأدبي
أنور المرتجي
الشارقة : دائرة الثقافة Sharjah : Department of Culture
سنة النشر :،2015




