إذا كان القانون لا يتحرك أمام هذا… فمتى يتحرك؟

بقلم: مراد مجاهد

كنا قد اخترنا الصمت في البداية، لا خوفاً من أحد، ولا عجزاً عن الكلام، ولا رغبة في حماية أحد، بل لأننا كنا نؤمن وربما بحسن نية أكبر مما ينبغي بأن دولة المؤسسات لا تحتاج دائماً إلى من يجرها كي ترى ما يقع أمامها، وأن الجهات المكلفة بالمراقبة والتنظيم والتتبع تعرف واجبها، وأن القانون، حين تنتشر معطيات بهذا الحجم داخل قطاع يعرف الجميع أدق تفاصيله لا يحتاج بالضرورة إلى أن نرفع نحن أصواتنا ونملأ مواقع التواصل صراخاً حتى ينتبه إلى ما يجري. قلنا يومها: دعوا المؤسسات تقوم بعملها، دعوا السلطات تتحرك، كل في حدود اختصاصه، دعوا الجهات المختصة تتحقق، دعوا القانون يقول كلمته، وانتظرنا، لا لأن القضية صغيرة، بل لأننا أردنا أن نختبر شيئاً أكبر من القضية نفسها: هل ما زلنا فعلاً أمام قطاع تحكمه قواعد واضحة تسري على الجميع، أم أننا أمام قواعد تعرف جيداً كيف تنزل بكل ثقلها على من لا يملك إلا مقود سيارته ورخصته، ثم تصبح فجأة بطيئة وصامتة وحذرة عندما يتعلق الأمر بمن يملك أكثر من ذلك؟ مرت الأيام، واستمر الصمت، وهنا لم يعد السؤال موجهاً إلى الشخص الذي خرجت باسمه تلك التسجيلات أو إلى ما ورد فيها فقط، بل أصبح موجهاً إلى كل من تقع على عاتقه، بحسب اختصاصه، مسؤولية مراقبة هذا القطاع وتنظيمه والسهر على احترام قواعده. ماذا فعلتم؟ هذا هو السؤال الذي لم يعد ممكناً الهروب منه. هل لم تبلغكم تلك التسجيلات التي وصلت إلى المهنيين في فاس، وخرجت من حدود المدينة لتصبح موضوع نقاش واسع داخل الجسم المهني؟ هل لم تسمعوا ما سمعه الناس؟ هل لم تطلعوا على ما اطلع عليه المهنيون؟ أم أنكم اطلعتم ولم تروا ما يستحق النظر؟ وإن كان الأمر كذلك، فمن حقنا أن نسأل: ما الذي يجب أن يحدث أكثر حتى يصبح الأمر مستحقاً للنظر؟ ما الذي يجب أن يقال حتى تتحرك آليات المراقبة؟ ما الذي يجب أن يقع حتى يصبح القانون الذي يعرف طريقه سريعاً إلى المهني البسيط عند المخالفة، قادراً على معرفة طريقه عندما يتعلق الأمر بمن يُنظر إليه داخل القطاع باعتباره من كبار المستغلين ومتعددي العقود؟ نحن لا نتهم أحداً بالتواطؤ، لأن التواطؤ ليس كلمة تقذف في الهواء، ولا نقول إن هناك جهة تحمي أحداً، لأن ذلك أيضاً يحتاج إلى دليل، ولا نملك نحن حق إصدار الأحكام ولا صناعة المتهمين، لكننا نرفض في المقابل، أن يتحول هذا التحفظ القانوني إلى كمامة توضع على فم المواطن كلما أراد أن يسأل مؤسساته سؤالاً مشروعاً. فمن حقنا أن نسأل: إذا لم يكن هذا الصمت تواطؤاً، فما تفسيره؟ وإذا لم يكن تقاعساً، فما الذي يفسر هذا الجمود الظاهر؟ وإذا كان مجرد تريث، فإلى متى يظل التريث تريثاً قبل أن يصبح الصمت نفسه موضوعاً للمساءلة؟ نحن لا نقدم الجواب بدلاً عن المؤسسات، بل نعيد السؤال إلى حيث يجب أن يكون: في وجه كل من يملك اختصاصاً ويعرف حدود اختصاصه ويعرف أيضاً أن الصمت، حين يطول أمام قضية عامة لا يبقى دائماً مجرد فراغ، بل يصبح بدوره موقفاً قابلاً للنقد والمساءلة، لأن الإدارة لا تُقاس فقط بما تفعله، بل قد تُسأل أيضاً، في حدود القانون، عما لم تفعله عندما كان الفعل منتظراً منها.
أيها المسؤولون عن مراقبة هذا القطاع، في مركز التنقيط والمصالح المختصة وقسم الشؤون الاقتصادية والسلطات المحلية والإدارية، وكل جهة أخرى تملك بحكم القانون أو التنظيم صلاحية النظر في احترام شروط الاستغلال والضوابط المنظمة للمهنة، لا نطلب منكم أن تستجيبوا لغضب كاتب، ولا أن تحكموا على أحد لأن منشوراً انتشر، ولا أن تعاقبوا شخصاً لأن الرأي العام المهني يطالب بذلك، فالدولة التي نريدها ليست دولة «الترند» ولا دولة المحاكمات الفيسبوكية، وإنما نسأل عن شيء أبسط وأشد خطورة: هل قمتم بما يفرضه عليكم اختصاصكم؟ هل تحققتم من المعطيات التي راجت؟ هل فحصتم ما يدخل في مجال مسؤوليتكم؟ هل انتهيتم إلى أن لا شيء يستوجب أي إجراء؟ أم أن هناك مساطر تحركت ولا يعلم الرأي العام عنها شيئاً؟ لأن أخطر ما في هذا الملف لم يعد ما ورد في التسجيل وحده، بل أن المهني البسيط بدأ ينظر إلى الصمت ويقارن، والمقارنة هي التي تجرح صورة المساواة أكثر من أي خطاب. ذلك السائق الذي قد يجد نفسه تحت طائلة المراقبة أو الجزاء عندما يقع في مخالفة، والذي يعرف أن القانون ليس مجرد حبر بالنسبة إليه، من حقه أن يرفع رأسه ويسأل: هل أصبحت القرارات التنظيمية والقرارات العاملية حيث تكون منطبقة، تُطبق بالسرعة والصرامة عندما يتعلق الأمر بسائق بسيط أخطأ في جزئية من جزئيات التنظيم، ثم يصيبها هذا البطء الغامض عندما تتداول الأوساط المهنية معطيات عن ممارسات أشد خطورة؟ هل للقانون عين حادة لا تخطئ الضعيف، ثم يصبح بصره أقل وضوحاً كلما اقترب من القوي؟ نحن لا نقول إن هذا هو الواقع، لكننا نقول إن استمرار الصمت هو الذي يسمح لهذا السؤال بأن يكبر، وإن المسؤول عن قتل هذا السؤال ليس الكاتب الذي يطرحه، بل المؤسسة التي تستطيع أن تجيب عنه بالفعل.
والمسألة هنا لم تعد في حقيقتها شأناً مهنياً مغلقاً بين أهل القطاع وحدهم، لأن سيارة الأجرة ليست ملكاً خاصاً معزولاً عن المجتمع، بل وسيلة نقل عمومي ترتبط بسلامة المواطنين وثقتهم في شروط من يتولى نقلهم وفي احترام القواعد المنظمة للمهنة. وعندما تُتداول معطيات حول تشغيل مركبات في ظروف يقال إنها لا تحترم الشروط المهنية المفروضة، فإن السؤال لا يخص السائقين وحدهم، بل يخص أيضاً الراكب الذي من حقه أن يطمئن إلى أن المنظومة التي تنظم النقل العمومي لا تتحول إلى مجرد أوراق يمكن تجاوزها بالمال أو النفوذ أو الضجيج. وهنا يصبح الأمر أكبر من تنافس مهني أو خصومة بين أشخاص، ويصبح من المشروع أن نسأل: من يحمي معنى القاعدة حين تصبح المصلحة العامة نفسها طرفاً في القضية؟
الفصل السادس من الدستور جعل القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وألزم الجميع، أشخاصاً ذاتيين أو اعتباريين، بما في ذلك السلطات العمومية، بالامتثال له، كما يقوم على مبدأ المساواة أمام القانون. وهذه ليست زينة دستورية نضعها في الخطب ثم نغلق عليها الملفات، بل هي المعيار الذي يختبر عند أول مواجهة بين القوي والضعيف، وبين من يملك النفوذ ومن لا يملك إلا حقه. لأن عبارة «لا أحد فوق القانون» لا تصبح ذات قيمة عندما تطبق على من لا يستطيع أن يقول «لا»، بل عندما تصل القاعدة نفسها بالوضوح والجدية نفسيهما، إلى من يعتقد الناس أنه قادر على الإفلات. فالقانون الذي لا يجرؤ إلا على الضعيف ليس قانوناً قوياً في أعين الناس، والقانون الذي يحتاج إلى أن يكون المخالف مجهولاً أو فقيراً أو بلا سند حتى يتحرك، يترك وراءه سؤالاً مدمراً حول معنى المساواة. لا نريد أن نصل إلى هذا الاستنتاج، ولهذا نكتب قبل أن نصل إليه، ونرفع السؤال قبل أن يتحول إلى يقين داخل وجدان آلاف المهنيين، لأن أسوأ ما يمكن أن يقع ليس أن يخرق شخص القواعد، فكل منظومة تعرف إمكانية وقوع الخرق، بل أن يقتنع الآخرون بأن الخرق يصبح ممكناً ومأموناً كلما كبر صاحبه.
أما النيابة العامة، فنحن لا نتدخل في اختصاصها ولا نرسم لها طريق عملها ولا نطالبها بإدانة أحد خارج ما يقرره القانون، لكننا نخاطبها باعتبارها مؤسسة تضطلع، في حدود اختصاصاتها، بحماية الحق العام وتطبيق القانون، ونضع أمامها، كما نضع أمام باقي المؤسسات، سؤالاً مشروعاً: هل بلغت هذه المعطيات، وما رافقها من نقاش واسع، علم الجهات المختصة؟ وهل يوجد فيها، من الناحية القانونية، ما يستوجب النظر أو التحقق أو اتخاذ ما تراه الجهات صاحبة الاختصاص مناسباً وفق القانون؟ فنحن لا نريد قضاءً يصدر أحكامه تحت ضغط الشارع، ولا نيابة عامة تتحرك لأن كاتباً رفع صوته، وإنما نريد مؤسسات تجعل المجتمع مطمئناً إلى أن أحداً، مهما علا صوته أو كبر ماله أو تضاعف عدد ما يستغله، لا يملك أن يخلق لنفسه منطقة عمياء لا تصل إليها قواعد الدولة.
لقد قيل لنا، ويقال دائماً، إن القانون فوق الجميع، ونحن نصدق ذلك، لكن الإيمان بدولة القانون لا يعني أن نردد شعاراتها في المناسبات ثم نمنع أنفسنا من سؤالها عندما يأتي الامتحان. وهذا هو الامتحان: معطيات انتشرت، نقاش واسع، قطاع كامل يتابع، ثم صمت. فماذا يعني الصمت؟ لا نعرف، ولهذا نسأل. وقد يكون للصمت تفسير مشروع لا نعلمه، وقد تكون هناك إجراءات أو تحريات لا يعلن عنها، وقد تكون المعطيات محل فحص أو تحقق، وكل ذلك ممكن، لكن الممكن أيضاً أن استمرار الغموض يغذي أخطر شيء يمكن أن ينمو داخل أي قطاع: الاعتقاد بأن القانون لا يسير في خط مستقيم، بل يتوقف عند بعض الأشخاص ويواصل طريقه مع آخرين. ولهذا فإن مقالنا اليوم ليس اتهاماً، بل إنذاراً للرأي العام وللمؤسسات قبل أن يكون إنذاراً لأي شخص: احذروا من الصمت حين يصبح الناس مضطرين إلى تفسيره. لا تتركوا فراغاً تدخل منه الشائعات، ولا تتركوا غياب الوضوح يصنع قصص الحماية والتواطؤ، لأننا لا نريد أن نصدق تلك القصص، ولا نريد أن نكتبها، ولا نريد أن نمنح أحداً فرصة للقول إن المال يشتري الحصانة أو إن كثرة العقود تفرض قانوناً موازياً، لكن الذي يملك وحده القدرة على إسكات هذه الروايات هو التطبيق العادل للقانون، لا أن يطلب من المواطنين الصمت بينما الأسئلة معلقة في الهواء.
فاس ليست في حاجة إلى قطاع يعتقد فيه الضعيف أن احترام القانون قدره وحده، بينما يصبح القوي موضوعاً للتردد. وفاس ليست في حاجة إلى «بارونات» حقيقيين أو متخيلين، لأن مجرد شعور الناس بأن هناك من يمكنه تحدي القواعد دون أن يسمعوا جواباً مؤسسياً كافٍ لقتل الثقة. ونحن لا نريد رؤوساً تتدحرج، ولا نريد التشهير بأحد، ولا نريد أن ننتقم من شخص لأننا نختلف معه، نريد شيئاً أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: نريد أن نرى القانون وهو يعمل. نريد أن يعرف المهني الصغير قبل الكبير أن القاعدة ليست اقتراحاً، وأن القرار التنظيمي ليس نصاً يختبر الناس مدى قدرة بعضهم على القفز فوقه، وأن من يعتقد أن الضجيج أو الضغط يمكن أن يكون بديلاً عن المساطر القانونية يجب أن يكتشف أن الدولة لا تُدار بهذا المنطق، وأن من يملك المال لا يملك معه حق كتابة قانون خاص.
لقد انتظرنا بما يكفي لكي ننتقل من سؤال الشخص إلى سؤال المؤسسة، ومن سؤال التسجيل إلى سؤال الدولة داخل هذا القطاع: إذا كان القانون لا يتحرك أمام معطيات بهذا الحجم من التداول والانتشار، فمتى يتحرك؟ وإذا كانت أجهزة المراقبة لم تطلع على ما اطلع عليه الجميع، فما الذي يجب أن يفهمه المواطن عن آليات الرصد والتتبع؟ وإذا كانت القواعد تطبق على المهني البسيط بسرعة، فما الذي يمنع الرأي العام من التساؤل عندما يبدو له أن السرعة نفسها لا تظهر في الملفات التي تخص الأقوى؟ هذه ليست إساءة، وليست قذفاً، وليست حكماً على أحد، بل أسئلة من صميم حق المواطن في أن يراقب وينتقد ويطالب بالمساواة.
واليوم لا نطلب جواباً مكتوباً لمقال، ولا اعتذاراً لكاتب، ولا خدمة خاصة، ولا نريد أن تتحرك المؤسسات لإرضائنا، فهذه ليست قضيتنا أصلاً. قضيتنا أكبر: تحركوا لأن القانون، إن كان قانوناً، لا ينتظر مزاج الناس ولا قوة الأشخاص. تحركوا، كل في حدود اختصاصه، لأن استمرار الصمت هو الذي قد يمنح المتغول، إن ثبت وجود تغول، فرصة ليبدو في أعين الناس أقوى من الدولة. تحركوا، لأن ترك المهنيين يتساءلون عما إذا كان المال أقوى من القرار خطر على هيبة القرار نفسه. تحركوا، لأن أخطر ما يمكن أن يقال غداً عن هذا القطاع هو أن القانون كان موجوداً، وأن الجميع كانوا يرونه مكتوباً، لكن أحداً لم يره وهو يُطبق عندما جاء الامتحان الحقيقي.
لسنا ضدكم لأننا نسأل، ولسنا أعداء الدولة لأننا ننتقد، ولسنا خارج دولة الحق والقانون لأننا نطالبها بأن تكون، في هذه اللحظة بالذات، كما يقول دستورها وقوانينها عن نفسها. نحن فقط نرفض أن يتحول احترام القانون إلى سذاجة، وأن يصبح تحديه استعراضاً للقوة، وأن يبقى المواطن مطالباً بالثقة في عدالة لا يرى أثرها عندما يحتاج إليها. فأثبتوا بالفعل، لا بالشعارات، أن لا أحد في فاس أكبر من القواعد التي تنظم هذا القطاع، وأن القرار ليس حائطاً قصيراً يقفز فوقه من يملك القوة، وأن الدولة حين تكون أمام معطيات تستوجب النظر، فإن مؤسساتها تعرف كيف تنظر، وكيف تتحقق، وكيف تقرر، كل في حدود اختصاصه.
لقد انتظرنا لأننا نحترم المؤسسات، لكن احترام المؤسسات لا يعني التنازل عن حق مساءلتها، والثقة في القانون لا تعني أن نصمت حين يصبح الصمت نفسه سؤالاً عاماً. واليوم لا نطلب المستحيل، ولا نريد رأس أحد، ولا نوزع الإدانة على صفحات التواصل، وإنما نريد جواب دولة الحق والقانون بالفعل: هل القانون قانون على الجميع، أم أن قوته تبدأ حيث تنتهي قوة الضعفاء؟ ذلك هو السؤال، وسيظل قائماً إلى أن تجيب عنه المؤسسات بما هو أقوى من كل مقال، وأبلغ من كل خطاب، وأقسى من كل ضجيج: بأن يتحرك القانون حيث يجب أن يتحرك، وعلى من يجب أن يسري عليه، بلا انتقائية، وبلا حصانة تصنعها المكانة أو المال أو النفوذ أو كثرة العقود.

اترك رد