معرفة الوجود وتكامل المتناقضات بين المعلوم والمجهول الجزء الرابع
بقلم: حسن حلحول (.)
المفهوم الابستمولوجي للمجهول
من خلال بعض التعليقات للأساتذة الكرام الذين تكرموا بالمرور والاطلاع على الأجزاء الثلاثة ،فأبدوا بملاحظاتهم القيمة نقدا وتأييدا للأجزاء الثلاثة التي تم ان نشرتها ،طلب مني تحديد وتعريف المجهول إبستمولوجيا وانطولوجيا وميتافيزيقيا، فكان من اللازم الاشتعال على ذلك، لكي تكون المقالات مبنية بناءا منطقيا للاستفادة من الموضوع وتكون أكثر بيانا ،ويكون النسق الفكري فيها مترابط ارتباطا فلسفيا.
بادئ في البدء في هذا الجزء نود أن نحدد بعض المفاهيم ،التي نراها ضرورية لرفع اللبس في استعمال المصطلحات الأساسية والمحورية في هذا البحث، وهي التمييز بين المفهوم الابستمولوجي للمجهول ،و المفهوم الأنطولوجي للمجهول، و المفهوم الميتافيزيقي للمجهول.
أولا : المفهوم الابستمولوجي للمجهول .
المجهول هنا ليس هو ما لا نعرفه وليس بالضرورة أن يكون شيئا غير موجود،وإنما هم شيئ موجود أو له قابلية الوجود ،لكن معرفتنا به ناقصة أو لم يحن الوقت بعد الوصول اليه، نسوق مثالا بسيطا لا يمكن ان يكون موضوع الا ختلاف،فاذا كنا لا نعرف حاليا ماذا يوجد في منطقة معينة من الكون ، فان هذا هذا يعني أن المجهول ليس هو العدم وبالتالي المجهول الابستولوجي هو ليس عندما نعرفها مطلقا ،وإنما هو مالم يدخل بعد في دائرة المعرفة رغم قابليته من حيث المبدأ لأن يصبح موضوعا للمعرفة،وهو قابل إلى التحول الى المعرفة في اي وقت بواسطة البحث والاستنباط بواسطة البرهان العقلي وبواسطة التجربة من خلال الوقائع ،من هنا نبني فكرتنا التي تستند على أن المعرفة كقوة أو طاقة معرفية تشتغل على مبدأ سيرورة الفكرالمفضي الى الجديد المسمر،وذلك قي شكل دائري لاعادة انتاجه المفاهيم في نسق تطوري حلزوني ،لأن الانتقال من المجهول الابستمولوجي إلى المعلوم هو انتقال في بنية المعرفة من شأنه يغير قدرة الإنسان على الفعل ، ذلك أن التغير الابستمولوجي يحدث في فهمنا للاشياء ،من خلال التطور العلمي كانتقال من تصور باطليموس للكون إلى تصور كوبرنيك، الأول كان يرى بمركزية الأرض، فقال ان الارض ثابتة كل شيئ يدور حولها، أما الثاني العكس يرى بمركزية الشمس فهي ثابتة وكل شيئ يدور حولها،فالشمس والأرض كاجسام موجودتنان منذ القدم قبل تحديد المفاهيم والتعريف بهما،فالذي تغير مفهومنا لها إذن التطور هو انتقال من المجهول الى المعلوم ومن المعلوم إلى المجهول من خلال تطور الحلزوني للمفاهيم ،فمن المهم التمييز بين التغير في الواقع والتغير في طريقة فهم الواقع ،
فالواقع يمكن أن يتغير، لكن تغير المعرفة لا يعني بالضرورة تغيير موضوع المعرفة؛ فقد يتغير موضوع المعرفة، وقد يتغير النموذج المفهومي الذي نفهمه من خلاله، وقد يحدث الأمران معًا.
الشمس هي نفسها بوصفها جرما فلكيا لا تتغير من خلال الأسماء التي أطلق عليها ، وأن الذي يتغير هو النظام اللغوي الذي يشير إلى الشمس لا الشيء المقصود الإشارة إليه، ولكن قد تصبح المسألة أعقد عندما ننتقل من مجرد الأسماء إلى المفاهيم فمثلا النظر إليها من خلال الشخص الذي يعبد الشمس يختلف بالنسبة للنظر الذي يراها مجرد جرما فلكيا ،فالذي يعبد البقر كآلهة يختلف نظره إليها من النظر الذي يراها حيوان عادي .وهذا يحيلنا الى طرح السؤال هل نصل إلى الواقع مباشرة أم عبر مفاهيم ولغة؟ بعض العلماء يرون أن الواقع موجودا مستقلا عنا ، لكننا لا ندركه إلا من خلال اللغة والمفاهيم التي يخلقها الإنسان بعقله ،ولهذا فإن سيرورة التطور المعرفة الحلزوني يكون في داخل المفاهيم والنظريات في إطار التكامل مع يطرأ في الواقع نفسه،وليس في إطار التناقض بين الفكر والواقع، بمعنى أن التطور العلمي والفلسفي يقع أساسا في مفاهيمنا ولغتنا ونماذجها التفسيرية، بينما الواقع وهو ما نحاول الاقتراب إليه من فهمه بهذه المفاهيم يتعامل مع الفكر في تكامل مستمر.
إن المجهول الإبستمولوجي ليس جدارًا قائمًا خارج المعرفة، بل هو متحرك داخل سيرورة المعرفة؛ فحين يتحول الشيئ من المجهول إلى معلوم لا تنتهي عملية المعرفة، وإنما يعاد تنظيم المجال المعرفي فتظهر أسئلة أخرى ومجهولات جديدة. ومن ثم فالعلاقة بين المجهول والمعلوم ليست علاقة تعارض أو انفصال، بل هي علاقة محايثة دائرية ذات حركة حلزونية، يتولد في المعلوم شروط ظهور المجهول الجديد، كما يشكل المجهول الجديد دافعا لإعادة بناء المعلوم الجديد،
الذي يتولد عن عملية كشف المجهول كلا أو تبعيضا ، ويمكن نقله أو تخزينه أو استقباله وإعادة تركيبه.فالمجهول هو المجال المفتوح، والبحث هو الحركة نحوه، والمعلوم هو الأثر الذي يعود به البحث من خلال الطفرة التي تحصل في موضوع المعرفة،
وهذا ما يميزها عن المعرفة؛ لأن حصول الإنسان على معلومة لا يعني بالضرورة أنه عرف معناها أو أدخلها في نسقه المعرفي أما المعرفة فهي حركة دائرية التي ينبغي أن تُفهم باعتبارها قاعدة لإعادة إنتاج مستمرة للمعلوم ثم الفهم ثم ربط بما هو سابق ثم التجربة والتعديل والمعرفة ثم مواجهة المجهول جديد ثم المعلوم الجديد، فهي أي المعرفة لا تتراكم مثل مجموعة من الأشياء ،بل تعيد تنظيم نفسها باستمرار،او بعبارة اخرى ان المعرفة دائرية في آلية إعادة إنتاجها بتجديد مفاهيمي، في إطار الطاقة المعرفية الحلزونية في اتجاه تطورها ، ويمكن تحديدها في دورتين:
الدورة الأولى قد تكون:من مجهولة الى تجربة معلوم ثم معرفة ففكر يليه فعل.
ثم تأتي الدورة الثانية: مجهول جديد تنتج تجربة جديدة تأتي معلومة جديدة ثم يتم إعادة بناء المعرفة السابقة تتكون فكر جديد تعطينا فعل جديد.
إذن نحن نعود إلى العناصر نفسها، لكننا لا نعود إلى الحالة نفسها التي كانت عليها لكن بصيغ ومفاهيم أخرى جديدة متطورة على المستوى اللغة، وهذا هو معنى الحلزون.
المجهول يدفعنا الى بحث وكشف المعلوم الخفي عن الوعي يخلق لنا المعرفة ثم الفكر الذي يحرك النشاط الفعلي فيتحقق تغيير الواقع فيعود بشكل حلزوني إلى مجهول جديد بالضرورة يتحول الى معلوم جديد.وهكذا دواليك.وفي داخل هذه الحركة توجد الطاقة الفيزيائية التي توفر الشرط المادي للنشاط العصبي،المقصود منها ان الطاقة التي تحتاجها الخلايا العصبية تأتي أساسا من الغذاء والأكسجين.لذلك فأن الخلايا العصبية تحتاج إلى طاقة كيميائية من الغذاء، يتحول داخل الجسم الى الطاقة ، لكي تتمكن من القيام بنشاطها الدماغي والعصبي ،والطاقة المعرفية تمثل القدرة الدينامية على تشغيل وإعادة تركيب المحتوى المعرفي،فتتحول المعرفة من حالة سكون وجمود إلى حالة حركة ونشاط فعلي.
لكن هناك سؤال فلسفي يفرض نفسه وهو هل الطاقة المعرفية موجودة قبل المعرفة أم أنها تتولد من المعرفة؟ إن ما يمكن أن نسميه بالمعرفة التقليدية ،أي إن علاقة المعرفة بالطاقة المعرفية هي علاقة محايثة مبنية على وحدة الوجود بينهما،فالمعرفة تولّد الطاقة المعرفية، والطاقة المعرفية تعيد إنتاج المعرفة ، وهي نفس العلاقة الموجودة بين المعلوم والمجهول.
بهذا التحديد فاننا لم نعد ننظر إلى المعرفة والطاقة المعرفية عنصرين منفصلين بينهما علاقة سببية وإنما شيئين متلازمين في وجود واحد. ومفهوم المحايثة هنا هو مفتاح قوي لبناء نسق معرفي متين،المحايثة تختلف عن السببية إذا قلنا أن المعرفة هي التي تنتج الطاقة المعرفية، تكون المسألة مبنية عن السببية افقيا ،غير أن في الواقع المعرفة والطاقة يتكونان داخل حركة واحدة
أي أن الطاقة المعرفية ليست شيئًا يأتي إلى المعرفة من الخارج، والمعرفة ليست شيئًا خارجيًا تنتج الطاقة المعرفية بعد وجودها
: وإنما كل منهما يتحدد من خلال الآخر داخل العملية نفسها.يمكن تصورها على شكل تكافئ
معرفة تداولية بطاقة معرفية
لا يعنى هذا أن إحداهما نفس الأخرى، وإنما يعنى أن وجود كل واحدة منهما يتعين داخل العلاقة مع الأخرى
الفرد لا ينتج المعرفة من فراغ، وإنما خلال نسج شبكة من العلاقات
فرد مع فرد تكون جماعة يخلق الاحتكاك الثقافي بواسطة اللغة التواصلية فيأتي الدين كقوة عقائدية و سلطة معرفية.
كل فرد يدخل ضمن هذه الشبكة يحمل رصيدًا معرفيًا، ثم يواجه أرصدة معرفية أخرى مختلفة عنه،ينشأ عن ذلك الاختلاف يؤدي إلى التدافع التوليدي يفضي إلى الاحتكاك لإعادة تركيب معرفة جديدة في اتجاه اندفاع نحو مجهول جديد
إذن التدافع ليس بالضرورة صراعًا سلبيًا؛ يمكن أن يكون قوة توليد معرفي ،مصداقا لقوله تعالى “ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض “يمكن فهم هذا التدافع الوارد على ضوء الآية، بوصفها آليةً لحفظ التوازن ومنع الاستبداد، ويمكن أن يمتد أثره في المجال المعرفي إلى توليد الأسئلة ومراجعة الأفكار وإنتاج معرفة جديدة ويمكن هنا صياغة تعريف الطاقة المعرفية.،
هي القدرة الدينامية الناشئة من محايثة المعرفة بالوعي والفكر داخل التفاعل الاجتماعي، والتي تدفع الفرد والجماعةه إلى إعادة إدراك المعلوم ومواجهة المجهول وإنتاج معرفة جديد،إذا كانت المحايثة هي العلاقة الأساسية المتكاملة،فإن الحركة تصبح.على الشكل التالي:
معرفة موجودة نتاج تفاعل اجتماعي بواسطة تدافع معرفي يخلق طاقة معرفية يؤدي الى إعادة تركيب الفكر تولد معرفة جديدة ثم تفاعل جديد فالمجهول الجديد لبحث وكشف المعلوم
إن التدافع يظهر بسبب اختلاف مواقع الأفراد داخل عالم المعرفة،من خلال اختلاف اللغة والتجربة والثقافة والتاريخ والمعتقد والبيئة والمعلومات والتأويلات: ومن هنا يمكن القول:
الاختلاف يولد التدافع، و التدافع يولد الطاقة المعرفية، والطاقة المعرفية تدفع إلى إعادة إنتاج المعرفة،لكن مع أن هناك عناصر أخرى تكون كمصدر للطاقة البحث عن المجهول من أجل الوصول إلى المعلوم، المعرفة ليست وجودا ساكنا ،والطاقة المعرفية
ليست قوة وسلطة محركة لإدراك المجهول، ومن هنا تتم محاولة بناء أنطولوجيا للحركة المعرفية، لا مجرد وصف النشاط العقلي بأنه طاقة،الاختلاف لا يستلزم التناقض، والتدافع لا يستلزم الإلغاء؛ فقد يكون الاختلاف شرطًا للتكامل، ويكون التدافع آلية لتوليد معرفة جديدة.
وهذا ينسجم تماما مع مفهوم الطاقة المعرفية؛ فلو كانت كل معرفة مغلقة على ذاتها لما وجدت قوة تدفعها إلى التحول. إنما تنشأ الحركة من وجود فارق بين ما أعرفه وما يقدمه الآخر، وبين المعلوم والمجهول، وبين المعرفة القائمة والتجربة الجديدة.
ولهذا فإنه قد يصبح لدينا تسلسل أكثر دقة:
الاختلاف يولد التدافع ويخلق التكامل الذاتي في نفس الوقت يفتح الباب لإعادة البناء يترتب عنه ابدع معرفة جديدة يفسح المجال لمجهول جديد يتولد عنه اختلاف جديد.
وأعتقد أن ما أقترح يتجاوز مجرد القول أن المعرفة طاقة ،إذ ان التوجه الذي نتصوره هو ديناميكية العلاقة بين الطاقة الفيزيائية والطاقة المعرفية، حيث لا تكون المعرفة شيئا ساكنا داخل الدماغ، وإنما قوة ناشئة عن التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته وبين البشر بعضهم مع بعض الذي يخلق التدافع الاختلافي وهو أنواع :
1 ) تدافع توليدي داخلي: داخل الفرد بين المعارف والتجارب والأفكار.
2) تدافع توليدي اجتماعي: بين الأفراد والجماعات.
3) تدافع توليدي حضاري: بين الثقافات واللغات والنظم الفكرية.
4) تدافع توليدي معرفي مع المجهول: حين تصطدم المعرفة القائمة بما لا تستطيع تفسيره.
وهنا تصبح الحلزونية التي تحدثنا عنها أكثر منطقية : كل تدافع توليدي يخرج من معرفة سابقة، لكنه لا يعود إليها كما كانت؛ بل يعيد تشكيلها ويرفعها إلى مستوى جديد،إذن يمكن اعتبار التدافع التوليدي هو محرك الحركة الحلزونية للطاقة المعرفية.
مثال الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء كما يرى العلماء، يقصد بالصفحة البيضاء أن الطفل لا يولد مزودًا بمعرفة مكتسبة عن العالم، وليس أنه يولد بلا أي بنية عصبية أو استعدادات فطرية فيمكن أن نقول:
يولد الإنسان دون رصيد معرفي اجتماعي مكتسب، لكنه لا يولد دون استعدادات بيولوجية وعصبية الإدراك والتعلم، والوصول الى المجهول بواسطة البحث عن المعلوم.وهذا يسمح لنا بالجمع بين الأمرين: هناك قابلية فطرية للتعلم، ثم تأتي اللغة والثقافة والأسرة والمجتمع والتجربة لتملأ هذه القابلية بالمحتوى من خلال علاقة المعلوم بالمجهول، ومن ثم تتحول الحركة الدائرية الى حركة حلزونية ،فالمعرفة لا تنتقل ببساطة من جيل إلى جيل كما تنتقل الأشياء. وإنما تحدث عملية التحول والتغير في دورة تكاملية:
معرفة موروثة هي ماضي الإنسان الجديد وإعادة تفسيرها ثم نقدها لتتحول الى إضافة في المعرفة وتشكل بنية المعرفة الجديدة للانتقال بها إلى الجيل التالي.
ثم تتكرر العملية،لكنها ليست دائرة مغلقة تمامًا؛ لأن كل .دورة تضيف شيئًا أو تحذف شيئًا أو تعيد تركيب شيء،لذلك يمكن أن تكون
دائرة من حيث آلية الانتقال، وحلزونية من حيث البحث عن المجهول،وهذا يفسر لماذا تستطيع المعرفة الإنسانية أن تتطور بدل أن تعود كل مرة إلى نقطة البداية،وهنا تصبح الطاقة المعرفية مختلفة عن الطاقة الفيزيائية ،أنا لا تريد أن أقول الطاقة المعرفية = الطاقة الفيزيائية.
الطاقة الفيزيائية والطاقة المعرفية نمطان مختلفان من حيث الفاعلية، يرتبطان بعلاقة تكامل وتحول متبادل دون أن يكون أحدهما هو الآخر.الطاقة الفيزيائية تجعل النشاط العصبي ممكنًا،والنشاط العصبي يتيح ظهور التفكير،والتفكير ينتج معرفة،والمعرفة توجه
السلوك ،والسلوك يعود فيغير الواقع المادي ،إذن يمكن تصور المسار هكذا:
طاقة فيزيائية تحركه الطاقة العصبية لتشغيل إدراك وتفكير من خلال المعرفة التي تنتج قرار وفعل به يتم تغيير في العالم الفيزيائي وتبتكر خبرات جديدة ومعرفة جديدة لكشف مجهول جديد للحصول على معلوم جديد.
إن الدائرة لا تعود إلى النقطة نفسها؛ لأن كل دورة تنتج حالة جديدة. ولذلك تصبح الحركة الحلزونية أكثر دقة من الحركة الدائرية وحدها، وكل هذا يتكون من خلال الاحتكاك ولا يجب فهمه بمعناه المادي الحرفي ،الثقافات والأديان واللغات والمعتقدات والمعارف المختلفة عندما تتواجه لا تنتج دائمًا توافقا بل تنتج :اختلافا و تدافعا و تكاملا ثم نقدا ثم إعادة بناء تفكير للحصول على تركيب جديد.
وهذا الاحتكاك المعرفي يمكن أن يكون أحد مصادر الطاقة المعرفية،فلو كان الناس جميعا يمتلكون المعرفة نفسها، واللغة نفسها، والتجارب نفسها، فقد يقل مجال إنتاج الأسئلة الجديدة،أما الاختلاف يخلق توترا معرفيا يدفع العقل إلى إعادة بناء تصوراته،الاختلاف هنا تكاملي وليس نقيضا للمعرفة ؛ بل يشكل أحد شروط إنتاجها.
ومن هنا بالذات أرى أن هناك طفرة من انتقال لكلمة الطاقة إلى محاولة بناء فكرة في دينامية المعرفة أي تفسير لماذا تتحرك المعرفة، ولماذا تتكامل ، ولماذا تختلف، ولماذا تنتج معرفة جديدة، وكيف تعود المعرفة لتغيير العالم الذي أنتجها.
وهذا يجرنا بالضرورة الى أن نفصل فيما بين المعرفة والطاقة المعرفية والمعلوم والفكر والوعي؛ لأن من شأن التمييز بينها قد يفيدنا كثيرا يعطي للموضوع بنيتها الفلسفية ونسقها المتين.
وأعتقد أنه أهم ما ينبغي فعله هو ألا نترك الكلمات الأربع : المعرفة، المعلوم ، الفكر، الوعي ــ تتداخل، بل نعطي كل واحدة وظيفة مختلفة داخل الحركة الكلية.
1. المعلوم: أثر البحث عن المجهول هو ما ينتج عن عملية كشف عن المجهول هو المجال المفتوح، والبحث هو الحركة نحوه، والمعلوم هي الأثر الذي يعود به البحث،وهذا يميزها عن المعرفة؛ لأن حصول الإنسان على معلوم لا يعني بالضرورة أنه عرف معناها أو أدخلها في نسقه المعرفي.
2. المعرفة:هي حركة دائرية ينبغي أن نفهمها باعتبارها إعادة إنتاج مستمرة:
بواسطة المعلوم يمكن فهم حياة الإنسان ووجوده وذلك بربط بما هو سابق من خلال التجربة التي يكون لها قابلية التعديل بناء على المعرفة التي تكون في مواجهة مجهول جديد للوصول إلى معلومة جديدة،إذن المعرفة لا تتراكم مثل كومة من الأشياء؛ بل تعيد تنظيم نفسها باستمرار،ولهذا يمكن أن تكون دائرتها هي آلية الاستمرار.
3. الفكر: نتيجة التفاعل الدائم مع المعلوم وقدرة العقل على إعادة تركيب المعلوم، وربطه، ونقده، وتأويله، واستنتاج ما لم يكن معلومًا منه مباشرة.
4. الوعي: هو الرابط إذا كانت:المعلوم هي المادة التأصيلية تصل،المعرفة هي البنية التي تتشكل،الفكر هو الحركة التي تعيد تركيبها،والطاقة المعرفية هي القدرة الدافعة لهذه الحركة،أي أن الوعي ليس عنصرًا رابعًا بجانبها فحسب، بل هو المجال الرابط الذي يجعل المعلوم معرفة، والمعرفة موضوعًا للفكر، والفكر فعلًا قابلًا للتوجيه،من هنا يمكن أن نفهم لماذا قلت إنه تكامل مستمر متجدد ذاتيا وتظهر الحلزونية، وهذه ليست دائرة مغلقة، بل حركة حلزونية توليدية.
وأرى أن بهذه النقطة بالذات تميز بين التصور الجدلي التقليدي التي تجعل النفي والتناقض محركا أساسيا للحركة، وبين جعل أساس الحركة هو التكامل و التدافع الإختلافي والتوليد . وهذا فرق فلسفي مهم بين مدرستين هذه الأخيرة ترجع الحركة إلى التكامل بين المتناقضات والتدافع الاختلافي التوليدي وبين الأولى ترجع الحركة على النفي والتناقض .
الجزء الخامس
المفهوم الأنطولوجي للمجهول .
المجهول أنطولوجيا هو ما لا نعرف هل هو موجود أصلًا ؟ هنا يصبح السؤال أعمق ،لا نسأل ماذا نعرف عن الشيء؟بل نسأل
هل الشيء موجود أصلا؟ وما نمط وجوده؟ فمثلا إذا افترضنا وجود جسم لا يمكن إدراكه أو إثبات وجوده، فإن جهاليتنا له مجرد نقص في المعلومات،إذن المجهول الأنطولوجي هو ما يتعلق بحدود وجود الشيء ذاته، أو بما إذا كان له وجود أصلًا، وبأي نمط يوجد، وبالتالي هنا ينبغي التمييز بين أنا لا أعرف الشيء وأنا لا أعرف هل هو موجود أصلًا لكي أعرفه، وهذا فرق جوهري.
المجهول أنطولوجيًا هو ما لا نعرف هل هو موجود ، هنا يجب تمييز بين مستويين: المجهول كشرط للمعرفة، والمجهول كشرط للوجود.
(.) محام بهيئة الرباط



