محمد أيت بوسلهام.. من هندسة الاتصال إلى صناعة جسور الاستثمار.. وجه جديد يدخل «دائرة الرباط شالة» بثقل التجربة

بالواضح – الرباط

في زمن تبحث فيه الانتخابات عن أسماء جديدة قادرة على تقديم صورة مختلفة للفاعل السياسي، اختار حزب الاتحاد الدستوري أن يضع محمد أيت بوسلهام في واجهة لائحته بدائرة الرباط-شالة، إحدى الدوائر التي ستستقطب الأنظار في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل.

لكن أيت بوسلهام لا يدخل هذه المعركة من بوابة السياسة الحزبية التقليدية.

فالرجل يأتي من عالم مختلف نسبياً: الإعلام والاتصال الاستراتيجي، السياسات العامة، العلاقات الاقتصادية والاستثمار، والعمل مع الفاعلين الخليجيين والدوليين، قبل أن يقرر الانتقال إلى واجهة المنافسة الانتخابية.

وهنا تحديداً تكمن خصوصية ترشيحه.

فالاتحاد الدستوري لا يقدم في شالة سياسياً مخضرماً قضى عقوداً داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما يضع أمام الناخب خبيراً راكم تجربة طويلة في بناء العلاقات وإدارة الاتصال وصناعة الشراكات الاقتصادية.

رجل تشكل في أكثر من مدرسة

تبدو سيرة محمد أيت بوسلهام أقرب إلى مسار متعدد الحقول منها إلى مسار مهني خطي.

فوفق السيرة المنشورة على موقع إذاعة MFM، يحمل إجازة في التواصل من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالقنيطرة، وماستر في تسيير المؤسسات العمومية من المدرسة الوطنية للصناعة المعدنية بالرباط، إضافة إلى تكوين في علم النفس، بينما يتابع بحثه في سلك الدكتوراه في العلاقات الدولية بجامعة القاهرة.

وهذه التركيبة الأكاديمية ليست تفصيلاً ثانوياً في فهم شخصيته.

فالتواصل يمنحه أدوات صناعة الرسالة وفهم الجمهور، وتدبير المؤسسات العمومية يضعه أمام آليات اشتغال الإدارة والقرار العام، وعلم النفس يضيف بعداً متعلقاً بفهم السلوك والتواصل الإنساني، بينما تفتح العلاقات الدولية أمامه مجالاً أوسع لفهم توازنات الدول والمصالح الاقتصادية والسياسية.

أي أن تكوينه يسير، إلى حد بعيد، في اتجاه واحد:

فهم الإنسان، وفهم المؤسسة، وفهم الدولة، ثم فهم العلاقات التي تربط هذه المستويات بعضها ببعض.

من الاتصال إلى صناعة العلاقات

في المسار المهني، ارتبط اسم أيت بوسلهام منذ سنوات بوكالة الخليج العربي للإعلام والاتصال، التي يتولى إدارتها.

وهنا تظهر إحدى أهم حلقات سيرته.

فالوكالة لم تكن مجرد نشاط إعلامي بالمعنى التقليدي، بل اشتغلت في مجال الاتصال والعلاقات العامة والاستشارات والترويج الاقتصادي.

وتعود علاقة أيت بوسلهام بهذا المجال إلى ما قبل الأزمة الحالية بسنوات طويلة؛ ففي نوفمبر 2007، كانت الجزيرة توثقه بصفته الرئيس التنفيذي لوكالة الخليج العربي للإعلام والاتصال، خلال تنظيم ملتقى استثمارات الخليج بالمغرب، الذي جمع رجال أعمال ومستثمرين مغاربة وخليجيين بهدف بحث فرص الشراكة والاستثمار.

وفي 2009، وثقت مصادر اقتصادية بدورها استمرار نشاط الوكالة في بناء شراكات مع شركات ومؤسسات خليجية، وكان أيت بوسلهام يوقع بصفته المدير التنفيذي للوكالة.

وهذا يعني أن الحديث عن ارتباط الرجل بملف الاستثمار الخليجي ليس عنواناً ظهر مع الانتخابات، بل هو جزء من مسار مهني يمتد إلى ما يقارب عقدين.

الخليج.. أكثر من ملف اقتصادي

من خلال رئاسته للمنتدى المغربي الخليجي للاستثمار، اتسع هذا المسار ليأخذ بعداً اقتصادياً واستراتيجياً.

ففي أبريل 2025، ظهر أيت بوسلهام رئيساً للمنتدى في سياق التحضير لنسخة جديدة من الملتقى الخليجي المغربي للاستثمار، بحضور مسؤولين ورجال أعمال ومستثمرين من الجانبين.

واللافت أن نشاط المنتدى لا ينحصر في الترويج للاستثمار بمعناه الضيق، بل يشتغل على بناء قنوات اتصال بين المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يضع صاحبه في منطقة وسطى بين الاقتصاد والعلاقات الدولية والاتصال المؤسساتي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم أيت بوسلهام باعتباره واحداً من الوجوه المغربية التي راكمت خبرة في ما يمكن تسميته دبلوماسية الاقتصاد والأعمال، وإن لم يكن دبلوماسياً بالمعنى الرسمي للكلمة.

عندما يصبح الاتصال أداة للتأثير

إلى جانب الجانب الاقتصادي، ظل الإعلام والاتصال حاضرين بقوة في مساره.

فمختلف المحطات الإعلامية السمعية البصرية والرقمية تقدمه اليوم باعتباره خبيراً في السياسات العامة والاتصال الاستراتيجي، وتدرجه ضمن الخبراء والمحللين المشاركين في مختلف البرامج الذي تناقش القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية.

وهذه التجربة الإعلامية تمنحه شيئاً لا يتوفر بالضرورة لدى المرشح السياسي التقليدي: القدرة على التعامل مع الكاميرا، صياغة الموقف، تفكيك الأسئلة، ومخاطبة جمهور واسع بلغة مباشرة.

وقد ظهر بالفعل في عدد من البرامج والمداخلات محللاً لقضايا إقليمية ودولية، من بينها الحرب الإيرانية وتداعياتها على المنطقة والعلاقات المغربية الخليجية.

وبالتالي، فإن دخوله الانتخابات لا يمثل انتقالاً كاملاً من عالم إلى آخر.

إنه بالأحرى انتقال من التأثير عبر الكلمة والعلاقة والخبرة إلى محاولة تحويل ذلك التأثير إلى تمثيلية سياسية مباشرة.

من الإعلام إلى تمثيل الجسم الإعلامي

ولم يتوقف حضوره عند إدارة وكالة اتصال أو الظهور الإعلامي.

فهو يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الفيدرالية المغربية للإعلام.
يشغل ضيفنا موقعاً مهماً للرجل داخل المشهد الإعلامي المهني: هو ليس صحافياً فقط بالمعنى التقليدي، وإنما فاعل في مجال الإعلام والاتصال والعلاقات العامة، ويمثل هيئة مهنية في بعض النقاشات المتعلقة بالقطاع.

وهذا التفريق مهم حتى لا تقدم سيرته بشكل غير دقيق.

خبير قضائي أيضاً

ومن العناصر الأقل تداولاً في صورة أيت بوسلهام، ممارسته مهمة خبير قضائي محلف في الشؤون التجارية، تخصص التجارة الداخلية والأصول التجارية، لدى محكمة الاستئناف بالرباط.

وهذه المعلومة لا تستند إلى سيرة صحافية فقط؛ إذ يظهر اسمه في اللائحة المنشورة من طرف المجلس الوطني للخبراء القضائيين ضمن خبراء محكمة الاستئناف بالرباط في هذا التخصص.

وهذا الجانب يضيف بعداً آخر إلى شخصيته المهنية.

فهو لا يتحرك فقط في عالم الاتصال والاستثمار، وإنما راكم أيضاً خبرة مرتبطة بالمجال التجاري والقانوني والقضائي.

وهنا تتضح أكثر طبيعة التكوين المركب للرجل.

شخصية لا تُبنى على السياسة وحدها

إذا كان أيت بوسلهام يدخل الآن غمار الانتخابات، فإن السياسة ليست المجال الوحيد الذي صنع حضوره العام.

هناك الاتصال، والإعلام، والاستثمار، والعلاقات الاقتصادية الدولية، والسياسات العامة، والخبرة التجارية القضائية.

وهو ما يفسر ربما لماذا اختار الاتحاد الدستوري اسمه في دائرة تحتاج إلى أكثر من مجرد الانتماء الحزبي.

الحزب يقدم مرشحاً يستطيع، نظرياً، أن يخاطب أكثر من فئة في الوقت نفسه: المهنيين ورجال الأعمال، والفاعلين الإعلاميين، والشباب، والمهتمين بالعلاقات الدولية، فضلاً عن الناخب التقليدي الذي يريد من نائبه أن يكون قادراً على التواصل والدفاع عن مصالح الدائرة.

الرباط – شالة.. الاختبار الذي يغير كل شيء

لكن كل هذا الرصيد المهني يواجه الآن اختباراً مختلفاً.

فالانتخابات ليست ندوة اقتصادية، ولا برنامجاً تلفزيونياً، ولا منتدى استثمارياً.

في الانتخابات، تتحول الخبرة إلى سؤال بسيط وحاسم:

هل يستطيع صاحبها إقناع الناخب؟

وهنا تصبح دائرة الرباط-شالة امتحاناً حقيقياً لأيت بوسلهام.

فهو يدخلها لأول مرة بصفته مرشحاً وكيلاً للائحة الاتحاد الدستوري، في مواجهة أسماء وتجارب سياسية مختلفة، داخل دائرة تعرف تنافساً قوياً على المقاعد البرلمانية.

لكن نقطة قوته الأساسية أنه لا يدخلها فارغ اليدين.

فوراء المرشح توجد سنوات من العمل في الاتصال، وشبكة من العلاقات المهنية والاقتصادية، وحضور إعلامي، وتجربة في الملفات الاستثمارية والعلاقات مع الفاعلين الخليجيين، إضافة إلى تكوين أكاديمي متعدد التخصصات.

من صناعة الصورة إلى صناعة القرار

قد يكون هذا هو التحول الأكبر في مسار محمد أيت بوسلهام.

فطوال سنوات، كان يعمل في مساحة تساعد على صناعة الصورة، وبناء الرسالة، وفتح قنوات التواصل، وتقريب الفاعلين من بعضهم.

أما اليوم، فيريد الانتقال إلى المكان الذي تُصنع فيه القرارات مباشرة: البرلمان.

وإذا نجح في ذلك، فسيكون انتقاله منطقياً أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.

فالمؤسسة التشريعية تحتاج إلى سياسيين، لكنها تحتاج أيضاً إلى أشخاص يفهمون الاقتصاد، والإدارة، والعلاقات الدولية، والاتصال، وكيفية تحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

وهذه بالضبط هي المساحات التي تحرك فيها أيت بوسلهام طوال مساره المهني.

رهان حزب «الحصان» على وجه مختلف

اختيار الاتحاد الدستوري لمحمد أيت بوسلهام يمكن قراءته أيضاً باعتباره محاولة لتقديم صورة مختلفة عن المرشح التقليدي.

الحزب اختار اسماً لم يأت من رئاسة جماعة أو مقاطعة، ولا من تجربة برلمانية سابقة، وإنما من عالم الخبرة المهنية والعلاقات الاقتصادية والإعلامية.

وفي ذلك مخاطرة، لكنها مخاطرة محسوبة.

فالرجل يملك ما يكفي من الحضور المهني والإعلامي ليكون معروفاً لدى قطاعات واسعة، لكنه مطالب بتحويل هذا الحضور إلى رصيد انتخابي محلي.

وهنا تحديداً ستقرر صناديق الاقتراع إن كان الانتقال من عالم الخبراء إلى عالم السياسة الانتخابية قد نجح.

رجل الجسور

لعل أفضل طريقة لاختزال شخصية محمد أيت بوسلهام هي أنه رجل جسور.

جسر بين الإعلام والاقتصاد.

بين المغرب والخليج.

بين القطاع الخاص والفاعلين المؤسساتيين.

بين الخبرة الأكاديمية والممارسة المهنية.

وبين النقاش الإعلامي والبحث في السياسات العامة.

والآن يحاول أن يضيف جسراً جديداً: بين عالم الخبرة وعالم السياسة المنتخبة.

وهذا ما يجعل ترشيحه في الرباط-شالة أكثر من مجرد إضافة اسم جديد إلى لائحة انتخابية.

إنه اختبار لمسار مهني كامل، ولرجل قضى سنوات في بناء العلاقات والشراكات والتواصل، قبل أن يقرر أن يضع تجربته هذه المرة أمام الناخب مباشرة.

فإذا كانت السنوات الماضية قد صنعت له شبكة من العلاقات والخبرات، فإن انتخابات 23 شتنبر ستختبر قدرته على تحويل هذه الشبكة إلى ثقة سياسية وأصوات انتخابية.

وهنا تبدأ قصة محمد أيت بوسلهام السياسية الحقيقية.

اترك رد