فاطمة الزهراء المنصوري… عودة السياسة إلى موقع القرار

بقلم: هشام عيروض

لم تكن عبارة «المرأة الحديدية» مارغريت ثاتشر عابرة حينما صدحت، في خطاب غائر في الواقعية: «إلى الذين ينتظرون بأنفاس محبوسة هذه العبارة التي تحبها وسائل الإعلام: “تحوّل كبير”، لا يوجد لديّ ما أقوله لكم سوى شيء واحد: تحوّلوا إذا أردتم».

ولأن فاطمة المنصوري شكّلت حدثًا فارقًا في التاريخ السياسي المعاصر بتقلّدها منصب رئيسة الحكومة، فإنها، قطعًا، تراهن على زمن سياسي متفرّد ومختلف، يشيّد مسارًا جديدًا لمغرب الحاضر والمستقبل.

هذا المساء، أعادت المنصوري إلى الكلمة السياسية قوتها، ومنحت الالتزام معناه في ضوء هذا الشعور بالمسؤولية. تحدثت بصدق وجرأة، ودافعت عن اختياراتها بوضوح، وأعطت النقاش نَفَسًا افتقدناه طويلًا. هناك لحظات نشعر فيها بأن السياسة ما زالت قادرة على أن تقنع، وأن توقظ الأمل في الممارسة السياسية، وأن تجعلنا نعتز بانتمائنا إليها. وبوصفها رئيسة للحكومة المغربية، تريد المنصوري ردّ الاعتبار للإرادة الشعبية، وإعطاء صوت المواطن أثرًا في القرار العمومي. فالاختيار الديمقراطي تكتمل دلالته حين يجد المواطن اختياره حاضرًا في السياسات العمومية، وانتظاراته في صلب الأولويات، وحين يعرف من يتحمّل المسؤولية ومن يُحاسَب على النتائج. هذا هو المعنى الذي نريده لعودة السياسة: أن يكون القرار السياسي تعبيرًا عن الإرادة الشعبية، وفي خدمة المصلحة العليا للوطن.

قد نختلف حول البرنامج والأولويات، وقد نسائل التعهدات وآجال تنفيذها، وهذا هو جوهر الديمقراطية. لكن من الغريب أن نطالب بعودة السياسة، ونختزل النقاش في خطابات ضيقة، دون أن نتطلع إلى خطاب سياسي مختلف يجمع بين الكياسة واستحضار الاختيارات الاستراتيجية للبلد والمغاربة.

فاطمة المنصوري رئيسة حكومة تمارس السياسة، وتتحمّل مسؤولية مواقفها، وتردّ على خصومها. فمن الطبيعي ألّا تتخلى عن قناعاتها عند باب المسؤولية. فهل وضوحها يربك من تعوّدوا محاربة الغموض بالكلام، والاحتماء به في الممارسة؟ ومتى نفهم أن من كانت أنفاسهم محبوسة بالأمس عند شعار «تحوّل كبير»، يفهمون اليوم أن الزمن السياسي لهذه الحكومة قد بدأ، وأن ما يتغيّر هو الأوراش المستقبلية الكبرى، وليس قناعات رئيسة الحكومة؟

قوة المنصوري، في تقديري، في هذا الانسجام بين ما تؤمن به وما تدافع عنه. تستطيع أن تختلف معها، لكنك تعرف أين تقف. وهذه قيمة نحتاجها اليوم: أن تكون للمسؤول كلمة واضحة، وللقرار وجهة، وللمواطن القدرة على التمييز والمحاسبة.

وبالوضوح نفسه، فإن محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح يجب أن تصبح ممارسة في تدبير الشأن العام. فالقرار الذي يستمد شرعيته من الإرادة الشعبية يجب أن تصونه النزاهة، وأن يبقى في خدمة المصلحة العامة. المغاربة ينتظرون عدالة في الفرص، وحماية للمال العام، وربطًا فعليًا للمسؤولية بالمحاسبة. وينتظرون أن يجدوا أثر السياسة في شغل أبنائهم، وكرامتهم داخل الإدارة، وقدرتهم على مواجهة أعباء الحياة.

نعرف حجم الانتظارات وصعوبة الطريق. لكن من حقنا أيضًا أن نعتز بهذه البداية، وأن ندافع عن الأمل الذي تحمله. دعم هذه التجربة مسؤولية سياسية تقتضي الصدق في المساندة، والجرأة في التنبيه، والإصرار على الوفاء بالالتزامات.

هذا المساء، ذكّرتنا فاطمة الزهراء المنصوري لماذا اخترنا السياسة أصلًا: لأننا نؤمن بأن هذا الوطن يستحق، وأن خدمة الناس تستحق، وأن الممكن يبدأ بإرادة واضحة وشجاعة تتحمّل مسؤوليتها. وكان لسان حالها يقول: «أحب النقاش. أحب تداول الأمور. لا أتوقع أن يجلس الجميع ويتفقوا معي؛ فهذه ليست وظيفتهم».

اترك رد