قراءة في قرار المحكمة الدستورية حول قانون مهنة المحاماة: إشكاليات الشكل والزمن السياسي المأزوم
بقلم: الأستاذ اليزيد ناعمي
ألقى قرار المحكمة الدستورية الأخير (ملف رقم 317/26، قرار رقم 277/26) القاضي بتعذر البت في مطابقة مشروع القانون رقم 66.23 بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، بظلاله الثقيلة على المشهد القانوني والسياسي الوطني، ليفتح الباب أمام نقاشات فقهية متشعّبة حول مآلات النصوص التشريعية في اللحظات الأخيرة من عمر الولاية البرلمانية. وحين نتأمل حيثيات هذا القرار، نجد أنفسنا أمام إشكاليات جوهرية تتجاوز البعد الشكلي البحت لتلامس صميم التفاعل بين المؤسسات والزمن السياسي.
تستند معضلة هذا القرار في أصلها إلى الخلل الإجرائي المتمثل في إغفال إرفاق النص الأصلي لمشروع القانون برسالة الإحالة، والاكتفاء بتقرير اللجنة البرلمانية، وهو ما دفعت به المحكمة الدستورية للقول بوجود مانع قانوني يحول دون بسط رقابتها لانتفاء “المحل” الواقعي للمراقبة. غير أن الخطورة الكبرى لا تكمن في الجانب التقني البحت للقرار، بل في التداعيات العملية المعقدة التي يفرزها على مستوى مصير النص القانوني برمته في ظل ظرفية استثنائية تتميز بقرب موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي وما يفرضه من إكراهات زمنية ومؤسساتية.
وأمام هذا المأزق الدستوري، يبرز تساؤل عملي حارق حول الخيارات المتاحة لطي هذا الملف؛ فالذهاب نحو الإحالة المباشرة بغرض النشر يرتطم باستحالة تجاوز الشروط الدستورية وما تتطلبه من آليات برلمانية كعقد دورة استثنائية لم تعد ممكنة واقعياً في ظل إغلاق الولاية التشريعية الحالية واقتراب الموعد الانتخابي بنحو أربعين يوماً فقط. وفي المقابل، فإن الخيار البديل المتمثل في الإحالة التصحيحية، وإن كان يبدو نظرياً هو المخرج القانوني الوحيد، إلا أنه يصطدم بدوره بصعوبة بالغة على مستوى التنزيل العملي مادامت الولاية البرلمانية قد أُسدل الستار عليها أو تكاد، فضلاً عن ما يواكبه عادة من تعقيدات في تشكيل الأغلبية والحكومة المقبلة بعد الإفرازات الانتخابية.
وعليه، وخلاصة لكل هذه التعقيدات، لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار أي جهة قد حققت انتصاراً في هذه المحطة. فالواقع يؤكد أن مشروع قانون مهنة المحاماة بصيغته الحالية قد وُضع في مأزق زمني ومسطري يرجح كفة ترحيله برمتها إلى الولاية التشريعية المقبلة. وهذا معناه، بكل بساطة، العودة إلى نقطة الصفر وفتح النقاش المجتمعي والمؤسساتي حول مهنة المحاماة من جديد، في انتظار شروط سياسية وتشريعية أكثر ملاءمة لنضج النص ومطابقته لروح الدستور.
