تحمل مسؤولية السياسة العمومية.. مهمة شاقة في زمن تعقّدت فيه التحديات

بقلم: عمر المصادي

في عالم اليوم، لم تعد السياسة العمومية مجرد أدوات لتدبير الشأن العام، بل أصبحت مرآة تعكس مدى نجاعة الدولة ومؤسساتها في الإستجابة لانتظارات المواطن، وتحقيق التنمية المنشودة، إلا أن تحمل مسؤوليتها بات مهمة شاقة ومعقدة، تتداخل فيها العوامل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
فلماذا أصبحت هذه المسؤولية اليوم بهذا القدر من الصعوبة؟

بفضل الثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الإجتماعي، أصبح المواطن أكثر وعيا بحقوقه، وأكثر جرأة في محاسبة المسؤولين على أدائهم، لم يعد يقبل بالوعود الفضفاضة أو السياسات الترقيعية، بل يطالب بنتائج ملموسة وتغيير حقيقي ينعكس على حياته اليومية، هذا التحول يضع صانع القرار تحت ضغط مستمر، ويتطلب منه كفاءة عالية، وقدرة على التواصل الفعال، والإستجابة الفورية.

السياسات العمومية لم تعد تعالج في معزل عن بعضها البعض، فالتعليم مرتبط بالتشغيل، والصحة مرتبطة بالبنية التحتية، والعدالة الإجتماعية مشروطة بالعدالة المجالية، هذا التشابك يتطلب من المسؤولين رؤية شمولية، وتخطيطا استراتيجيا بعيد المدى وإلتقائية، فضلا عن التعاون بين مختلف القطاعات والفاعلين، وهي مهمة لا يمكن أن يقوم بها من يفتقد للكفاءة أو النزاهة.

وأحد أبرز الأسباب التي تجعل تحمل مسؤولية السياسة العمومية مهمة صعبة هو تفشي الفساد والمحسوبية في بعض مفاصل الإدارة والسياسة، عندما يقصى أصحاب الكفاءات وتفتح الأبواب أمام التعيينات المبنية على الولاءات والمصالح الضيقة، تصبح السياسة العمومية رهينة لمصالح شخصية لا علاقة لها بالصالح العام.
محاربة الفساد ليست فقط أولوية أخلاقية، بل هي ضرورة عملية لنجاح أي مشروع إصلاحي، فلا يمكن بناء الثقة، ولا ضمان العدالة، ولا تحقيق النجاعة في غياب الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

نتيجة لكل ما سبق، تراجعت ثقة المواطن في الفاعلين السياسيين والمؤسسات العمومية، هذا التآكل في الثقة يخلق مناخا من السلبية والشك، ويجعل تنفيذ السياسات العمومية أكثر تعقيدا، حتى عندما تكون مدروسة وجيدة في جوهرها.
من هنا تبرز الحاجة إلى تجديد النخب، وتكريس ثقافة الإستحقاق، وتمكين الكفاءات الحقيقية من تولي المسؤولية بعيدا عن منطق الزبونية والولاءات الحزبية أو العائلية.

وفي الأخير يجب التأكيد على أن تحمل مسؤولية السياسة العمومية في زمننا هذا لم يعد مهمة شكلية أو بروتوكولية، بل هو اختبار يومي للكفاءة، وللنزاهة، وللإرادة السياسية الصادقة. الطريق نحو سياسات عمومية ناجحة يبدأ من محاربة الفساد والمحسوبية، والقطع مع ثقافة الترضيات، وتمكين أصحاب الكفاءات من مواقع القرار، مع إشراك المواطن بشكل فعلي في تقييم الأداء ومحاسبة المقصّرين.
فبدون ذلك، ستظل السياسة العمومية تدور في حلقة مفرغة، وتظل الثقة مفقودة، والنتائج محدودة.

اترك رد