لم يعد الجدل حول رسوم التكوين بنظام «التوقيت الميسر» مجرد نقاش تقني يهم الجامعة وطرق تمويلها، بعدما أخذ الملف أبعاداً سياسية واجتماعية واضحة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فالقرار الذي يطال بالأساس الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال دراستهم الجامعية، يجد نفسه اليوم في قلب مواجهة سياسية يمكن أن تكون لها كلفة انتخابية على حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ينتمي إليه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عز الدين الميداوي. وقد زاد من حساسية الموضوع أن الرسوم المعلنة تصل إلى 5 آلاف درهم في الإجازة، و15 ألف درهم في الماستر، و20 ألف درهم سنوياً في الدكتوراه.
المفارقة أن الفئة المعنية بهذه القرارات ليست فئة هامشية اجتماعياً، بل جزء مهم من الطبقة الوسطى المغربية: موظفون، أجراء، مهنيون وأطر يسعون إلى تحسين مؤهلاتهم العلمية، أو الحصول على الماستر والدكتوراه، أو إعادة بناء مسارهم المهني من خلال التعليم الجامعي. ولذلك فإن فرض كلفة مالية مرتفعة على مواصلة الدراسة يمكن أن يُقرأ، سياسياً، باعتباره مساساً بفئة اجتماعية لطالما شكلت أحد أهم روافد الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المغرب. وحين تتزامن هذه القرارات مع اقتراب الانتخابات، يصبح من المشروع طرح سؤال سياسي يتجاوز تفاصيل الرسوم: هل يدرك حزب الأصالة والمعاصرة حجم المخاطر السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن وضع هذه الفئة في مواجهة مباشرة مع وزارة يقودها أحد قيادييه؟
الأكثر دلالة أن حزب الاستقلال دخل بالفعل على خط الملف، حيث وجه النائب البرلماني منصف الطوب سؤالاً كتابياً إلى الوزير حول ارتفاع الرسوم وانعكاساتها على الحق في التعليم وتكافؤ الفرص. كما ظهرت مؤشرات على انتقال القضية من المجال الحكومي إلى التنافس السياسي، مع تداول مواقف حزبية تجعل من مجانية التعليم وتكافؤ الفرص جزءاً من الخطاب الانتخابي. وهنا تكمن المفارقة السياسية: فبدل أن يدخل «البام» إلى الاستحقاقات المقبلة وهو يخاطب الطبقة الوسطى باعتبارها شريكاً في مشروع الإصلاح، قد يجد نفسه مضطراً إلى شرح قرار يُنظر إليه من طرف فئات واسعة باعتباره عبئاً مالياً إضافياً على الموظف والأجير الذي يريد ببساطة أن يطور مستواه العلمي.
والأخطر من ذلك أن القضية قابلة لأن تتحول بسهولة إلى استقطاب طبقي انتخابي. فإذا نجحت المعارضة الحزبية والنقابية في تقديم الرسوم باعتبارها عنواناً لتحويل الجامعة العمومية من فضاء للارتقاء الاجتماعي إلى فضاء أكثر كلفة بالنسبة إلى أبناء الطبقة الوسطى، فإن المعركة لن تبقى حول 5 آلاف أو 15 ألف أو 20 ألف درهم، وإنما ستصبح حول سؤال أكبر: من يدافع عن حق المواطن في تحسين مستواه العلمي دون أن يتحول ذلك إلى عبء مالي؟ وهذا بالضبط هو النوع من الملفات الذي يمكن أن يتحول في الحملات الانتخابية إلى رمز سياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتعليم، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص.
ولا يبدو أن المشكلة تكمن فقط في القرار نفسه، بل أيضاً في طريقة تسويقه وتدبيره سياسياً وتواصلياً. فعندما يصبح رؤساء الجامعات والعمداء في واجهة الدفاع عن السياسة الوزارية، بينما يغيب التواصل السياسي والمؤسساتي الواضح من الوزارة، يمكن أن يتولد انطباع بأن المسؤولية تُدفع تدريجياً إلى المؤسسات الجامعية بدل تحملها مركزياً. وفي المقابل، فإن الوزير نفسه سبق أن اعتبر في أبريل 2026 أن الإجراء أصبح مؤطراً قانونياً ولا يمكن التراجع عنه، قبل أن يستمر الجدل وتتسع دائرة الانتقادات.
ومن زاوية انتخابية، قد يكون هذا التموضع مكلفاً أكثر مما يبدو. فالطبقة الوسطى لا تتحرك فقط وفق الانتماءات الحزبية، بل تتأثر بقوة بالسياسات التي تمس دخلها وفرص أبنائها ومستقبلها المهني. والموظف الذي يدفع الضرائب، والأجير الذي يتحمل تكاليف المعيشة، والباحث الذي يمول جزءاً كبيراً من مساره الدراسي من ماله الخاص، قد لا ينظر إلى الرسوم الجامعية باعتبارها «مقابلاً لخدمة إضافية»، بل باعتبارها حاجزاً جديداً أمام التكوين والترقي الاجتماعي. وقد بدأت بالفعل أصوات طلابية ونقابية تتحدث عن الإقصاء الطبقي وعن أثر الرسوم على مجانية الجامعة وتكافؤ الفرص.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح داخل حزب الأصالة والمعاصرة ليس فقط: كيف يدافع الوزير عن القرار؟ بل أيضاً: كيف سيدافع الحزب عن صورته أمام الطبقة الوسطى عندما تصبح قرارات وزارة يقودها أحد أعضائه مرتبطة في الوعي العام بارتفاع كلفة التعليم الجامعي؟ فالانتخابات لا تُخاض بالخطابات الكبرى وحدها، وإنما أيضاً بالملفات التي تدخل إلى جيب المواطن وبيت الموظف ومخططات الأسرة المستقبلية.
وقد يكون من الخطأ السياسي تحويل معركة تدبيرية قابلة للحوار والمراجعة إلى معركة إرادات بين الوزارة والطلبة الموظفين والأجراء. فكلما ارتفع منسوب التحدي، أصبح من السهل على المنافسين السياسيين اختزال القضية في معادلة انتخابية بسيطة: «هذا حزب يفرض رسوماً، ونحن ندافع عن مجانية التعليم». وهي معادلة قد تكون مبسطة، لكنها انتخابياً شديدة الفعالية.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن تدافع الوزارة عن إصلاحاتها، ولا في أن تبحث الجامعة عن موارد إضافية، وإنما في أن يتحول إصلاح التعليم إلى صدام مع الفئات التي يفترض أن تكون المستفيد الأول من الجامعة العمومية. وإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة يستعد لخوض استحقاقات 2026، فإن وضع الطبقة الوسطى في مواجهة مع أحد أبرز وزرائه قد يكون من أكثر السيناريوهات التي تستحق داخل الحزب نقاشاً هادئاً: هل يستحق قرار مالي في الجامعة أن يتحول إلى خصم انتخابي في مواجهة آلاف الموظفين والأجراء والأسر؟
