حين ينحرف التفكير يموت الفكر

بقلم: أحمد عنج

ما قيمة بعض العقول البشرية حين تحيد عن المعقولية والعقلنة، سجينة أفكارها، تعتقد انه لا يمكن إبداع أفضل مما فكرت وتفكر فيه، متوهمة أنها تسهم في بناء وصناعة الحضارة والتطور وحماية الناس وقواعد المجتمع من الإنهيار، فهي بهذا المنطق لا تستشعر فضاحة قبح صنعها، وتجهل تمام الجهل أنها تساهم في تجميد قواعد المجتمع من حيث لا تشعر ولا تدري وهي غارقة في اعتقادها أنها عقول بناءة.
فكل رهاناتها خاسرة، فإن كان التجديد ضرورة حتمية لكل المجتمعات فلا ينبغي له ان يكون في حدود ما نعتقد وما نؤمن به فحسب، أو في حدود قالب   المجتمع الذي نعايشه. وانما يجب ان يكون وفق المقاييس الذهنية التي يجري عليها العقل في تفكيره، والخروج عن الذاتية وعن كل إطار فكري تحكمه االقيم الحضارية ومجموعة من القوالب الإجتماعية المركبة منها والبسيطة ومعتقدات وأنماط السلوك التي وضعتها الجماعة، لأن جل هذا في مجمله اعراف اجتماعية من صنع العقل نفسه وهو قادر على تجاوز صنعه

لكن ما يجب التركيز عليه واستحضاره بكل قوة ان العقول ليست كلها صنف واحد من حيت قوة ودقة وصدقية التفكير ،فمن العقول ما تصنع افكار ترفع من تطور المجتمع باطراد دؤوب وهي افكار خلاقة مبدعة ،وعقول تساهم في تفعيل الافكار تواكب كل جديد وتتبناه تساهم بدورها في تسريع عجلة التقدم وعقول جامدة عنيدة وهي أخطر العقول على المجتمع.
وعلى وجه الخصوص حين تمارس عملية التفكير وهي على جهل بالمعرفة العلمية الدقيقة وبتركبة المجتمع والحقائق الإجتماعية الهيكلية. كل زادها ارهاصات لبعض الأفعال المحددة للأفراد.
فمعاقرة التفكير بدون قواعد واسس فيه ضرر كثير للمجتمع لا ينتج الا السفاهة والتفاهة ،والبون شاسع بين ابتكار الافكار والتفكير الجامد، فكل العقول تقوى على التفكير لكنها ليست جميعها تنتج افكارا لان هدا الفعل الاخير يتطلب الالمام الجيد بقوانين الكون والوجود وهده الأخيرة لا تسير وفق اهواء العقول او تخضع لقالب تخيلها واحكامها المسبقة سياسية كانت او اديولوجية او عقائدية، انما لها مميزاتها وطابعها الخاص الذي لا يخضع للقولبة.
فمن السداج ،حين ترى العقول الجامدة نفسها قادرة على التنظير والتفكير ومرجعية في ميادين كثيرة في نفس الأن.قد تكون دات دهاء لكن الدهاء ليس تفكير بل وسيلة لانتاج الفكر ، وقد يوضف بشكل سلبي يستثمر في الايقاع بالناس، والنصب وتزييف الحقائق وغير دلك من الافعال السلبية وهده الديماغوجية تمارسها كثيرا من الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية كوسيلة لدغدغة عواطف الناس بحيل دات مقاصد ملغومة ومغرضة ،اما التفكير بأصوله الصحيحة فهذا شأن أخر.
وكما قال الحكيم كونفوشيوس “لا يمكن للمرء أن يحصل على المعرفة إلا بعد أن يتعلم كيف يفكر”.

وفي مجتمعنا الحالي ومع توسع دائرة الحريات في مجال التعبير عن الرأي ومناقشة الافكار اصبحنا نلاحظ أن كثيرا من العقول الخالية من كل شحنة فكرية، اصبحت تطفو على الساحة تتنطع تملأ الساحة لغطا وسخبا تعرض أفكارها بعشوائية ودون تنظيم تقوم بالدرجة الأولى على معايير داتية ظنا منها أنها تفكر وتعالج قضايا فكرية ومعظلات مجتمعية في حين أنها لا تناقش ألا التفاهات او قشور القضايا الجوهرية لعجزها إدراك لب الاشياء، وتسوق عبرا وامثالا في غير سياقاتها بل الأدهى من دلك والطامة العظمى ان هذه العقول تتعرض بالتجريح والنقض لأعتى المفكرين في اعتقادها انها تقارع الحجة بالحجة وهده جناية في حق المجتمع .
فكل مجال له اسس وقواعد. ففي مجال الرياضة لا يمكن اقتحام اي كان ضمن مجموعة الفريق ان لم يكن صاحب مهارة ودراية بقواعد اللعبة ،وكدلك في مجال الموسيقى والكتابات الأدبية والفكرية فلا بد من اكتساب المهارات قبل ممارسة النشاط.
وغالبا هده العقول الجامدة تعاود انتاج نفس القيم التي تؤمن بها باساليب حديثة وبقيمة اضعف وهدا أكبر تضليل تعرض نفسها له فهي كمن يكدب كدبة ويصدقها.فهي تساهم في تضليل المجتمع وتكريس لتوابت التخلف. وقد يبدو لها أحيانا أن ما تقوم به من الترهات ينتج حركة اجابية وطاقة متحركة تساهم في تجويد ألأفكار والسلوك وتشكيل صور من التغيير في الحياة العامة والمجتمع في حين أنها في افضل الحالات مجمل ما تقوم به، مجرد إدراك للاشياء كما يدركها الاخرين أو كما نُقلت الى العقل دون القيام بمسح وتحليل لمحتواها او مجرد استيراد سطحي لأفكار من بيئة اجتماعية تخالف تماما بيئتها،
لأنها تجهل، ان التغيير لا يؤمن باستمرار واستقرار القواعد الاجتماعية التي تعمل وفق قالب خاص وتختلف في حركيتها من مجتمع لآخر،و تجهل انه تدفق متعدد المراحل ينبني على تفاعل مجموعة من العوامل المعرفية والاقتصادية والاجتماعية وتراكم المتغيرات القابلة للفهم والمعالجة انطلاقا من الانسان كوحدة مجتمعية وكغاية للمعرفة والسعي، وكفاعلية منتجة وكمرجعية للممارسة النضرية ، ومن المجتمع في كل تجلياته ومتناقضاته الجزئية والكلية.
وبعيدا عن كل هذا. فهي دوما تستميت في الدفاع عن لا افكار وهي مقتنعة بأنها تؤدي واجبا نحو المجتمع. انها مجرد مغالطات تدمر العقل الاجتماعي ومعه العقد الاجتماعي لأن المجتمعات لا ترقى ام لم تكن بهدف واحد موحد واقعي وموضوعي تسعى من أجله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.