“صورة” البقرة

بقلم: د. المصطفى كرين

قبل بضعة سنوات حدث أن بادرني أحدهم بانتقادات شديدة اللهجة على الخاص، في سياق نقاش حول “الدين والسياسة”، وكال لي بالدارجة مجموعة من التهم وعبارات السب والشتم، وحين سألته أين يوجد هذا الكلام الذي يبني عليه اتهاماته لي كتب لي قائلا :” في صورة البقرة ” هكذا بالصاد وليس بالسين، طبعا كدت أصاب بشلل نصفي وبقيت أفكر للحظة في كل هذا الوقت الذي ضيعته معه ولم أحد من رد سوى أن أجبته: ”بالفعل ، يقول تعالى :”وصوركم فأحسن صوركم” . صدق الله العظيم وانسحبت من النقاش. مناسبة هذه الحكاية هو التبرير الذي ساقه ”زعماء” الأحزاب السياسية في سياق ردهم على الانتقادات المتعلقة بالظروف المحيطة بزيارتهم الجماعية للصحراء. والعلاقة بين الحكاية والزيارة هو أن الوطنية في نظري كالدين، فهي أيضا عقيدة وفرائض وسلوك ومعاملات، ولكنها كالدين أيضا قابلة للاستعمال والاستغلال، وإذا كان التزام الأحزاب بالقضايا الوطنية يعتبر من صميم واجباتهم. فإن الدعاية لهذه الزيارة من خلال النشر المكثف لصور تذكارية لهؤلاء “الزعماء” الذين “لا يشق لهم غبار” في منطقة الكركرات وهم يرفعون شارات النصر، يعتبر نوعا من المزايدة على المجتمع والدعاية السياسية المقيتة في الوقت الذي لم يقدموا فيه أي شيء يذكر لا لهذه القضية ولا لغيرها، ويبدو لي أنه كما انتشر مصطلح الإسلامويين لوسم المتلاعبين بالدين والمستغلين له لأغراض سياسية، فإننا اليوم ربما أمام ظاهرة يمكن وصفها ”بالوطنيويين” طبعا الرد الوحيد الذي سارعوا للدفع به في مواجهة الانتقادات هو أنهم أدوا تكلفة الزيارة من مالهم الخاص، ولكن الأسئلة التي يفترض أن يجيبوا عليها كثيرة جدا في هذا الشأن ولا يمكن اختزالها في من موّل الزيارة، أول هذه الأسئلة هو إلى أي حد يعتبر المال الذي أدوا به تكاليف الزيارة مالا ”خاصاً” فعلا؟، وماهي مشاريع الأحزاب لتلك المنطقة وغيرها من مناطق المغرب المهمشة غير تلك الاتسامات البلهاء الصفراء التي لا تزيد الناس سوى مقتا للسياسة وللأحزاب ولا تدخل سوى في سياق الدعاية الانتخابية؟ وكذلك يا ترى ماذا هم فاعلون مثلا إذا اشتد الأمر وتأزمت الأوضاع بالمنطقة؟ وكم منهم سيظلون بيننا، وكم منهم سيختبئون في فيلاتهم المحصنة وشققهم الفخمة في انتظار عودة الهدوء ليطلعوا علينا من جديد بنفس الابتسامات الصفراء الغبية ويأخذوا نفس الصور البليدة المبتذلة ويرفعوا شارات نصر لم يساهموا فيه، ويطالبوا بثمن وتعويض عن كل هذا الهراء. وأين يا ترى كان هؤلاء الزعماء الذين يدعون أنهم ذهبوا لمساندة قواتنا المسلحة الملكية والذين ” قاتلوا” بشراسة منقطعة النظير للاحتفاظ بامتيازات لا يستحقونها، أين كانوا، حين جاء عدد من نفس أولئك الجنود حتى باب البرلمان وظلوا يستجدون بعض المساندة التي تصون كرامتهم بعدما ضاع عمرهم في القتال بشراسة لصيانة كرامتنا؟ وماذا دبجوا يا ترى في نسخهم حول النموذج التنموي من اقتراحات تتعلق بتنمية المنطقة والمناطق المغربية المهمشة بشكل عام، وحول صيانة كرامة جنود المغرب في الصحراء وفي غيرها سواءً كان سلاحهم بندقية أو محراثا؟ أكتب كل هذا الكلام لأنني وأنا في غاية الغضب لأنني خضت تجربة الصحراء وحملت السلاح وعشت مع الجنود وبينهم، وأعتبر نفسي واحداً منهم وسأظل، ولأن تلك الصور من طرف مسؤولين فشلوا في كل شيء، بل فشلوا حتى في التقاط الصور التي أصابتني بالغثيان. لأنهم لا يدركون من معاناة الجنود المرابطين بالصحراء سوى بقدر ما يعرف صاحبنا عن ”صورة” البقرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.