عبدالعزيز الرماني.. مستشار حكومي لثلاثة عقود.. من الإعلام والاقتصاد التضامني إلى صناعة التنمية

بالواضح – الرباط

هناك شخصيات تصنع حضورها من موقع سياسي أو انتخابي، وأخرى تبني قيمتها المهنية بهدوء، عبر سنوات طويلة من العمل داخل المؤسسات، ومراكمة الخبرة، والاشتغال على قضايا لا تظهر نتائجها دائماً في الواجهة.

عبدالعزيز الرماني ينتمي إلى الصنف الثاني.

فمنذ بداية تسعينيات القرن الماضي، اختار الرجل مساراً مهنياً جمع بين الاستشارة الحكومية، والإعلام، والتواصل المؤسساتي، والبحث في قضايا الإدارة والتنمية، ثم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، قبل أن يتحول مع مرور السنوات إلى أحد الأسماء التي تحضر في النقاش العمومي المغربي كلما تعلق الأمر بالاقتصاد أو السياسات الحكومية أو التنمية.

وتشير سيرته المهنية المنشورة إلى أنه يعمل مستشاراً حكومياً منذ سنة 1993، بعد أن اشتغل مكلفاً بمهمة في دواوين عدد من الوزراء، قبل أن يواصل مساره مستشاراً في قطاعات حكومية مختلفة. أي أن الحديث هنا يتعلق بأكثر من ثلاثة عقود من الاحتكاك المباشر بمؤسسات الدولة وآليات اشتغالها.

من صخور الرحامنة إلى الحكومة

ولد الدكتور عبدالعزيز الرماني في 11 فبراير 1966 بصخور الرحامنة.

هناك بدأت علاقة مبكرة مع القراءة والكتابة والصحافة، قبل أن ينتقل إلى سطات لاستكمال دراسته الثانوية، ثم إلى الرباط التي ستصبح لاحقاً فضاءه المهني والفكري الأساسي.

لكن المسار لم يبدأ من مكتب حكومي.

ففي مرحلة مبكرة، حاول المساهمة في إنشاء إذاعة ذات طابع فلاحي بمدينة الفقيه بنصالح، وهي تجربة تكشف، في حد ذاتها، عن اهتمام مبكر بالإعلام وبفكرة توظيف الاتصال في خدمة قضايا المجتمع.

ومن هذه البدايات انتقل إلى الرباط، حيث بدأ الاحتكاك بالمؤسسات الحكومية من خلال العمل مكلفاً بمهمة في دواوين عدد من رؤساء الحكومات والوزراء.

وهكذا تشكل مسار الرجل في منطقة نادراً ما تجتمع فيها التجربة الإعلامية مع المعرفة الدقيقة بآليات اشتغال الإدارة وصناعة القرار.

ثلاثون عاماً في دهاليز الحكومة

الاستشارة الحكومية ليست وظيفة عابرة في مسار الرماني.

فمنذ 1993، ظل قريباً من دوائر العمل الحكومي، وهو ما أتاح له الاطلاع من الداخل على كيفية إعداد السياسات العمومية، وصياغة المواقف، وتدبير الملفات، والتواصل بشأنها. وتذكر سيرته أنه عمل مستشاراً على مدى سنوات طويلة في عدد من القطاعات الحكومية.

وتزداد قيمة هذه التجربة حين نضعها في سياق التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة: من إصلاح الإدارة إلى قضايا التنمية الاجتماعية، ومن تحديث المرافق العمومية إلى إدماج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في السياسات العمومية.

ولعل اللافت أن الرماني لم يكتفِ بممارسة الاستشارة بالقطاعات الوزارية، بل حاول أيضاً أن يقرأ المؤسسة من خارجها، وأن يحلل أداءها ويكتب عن طموحاتها وآفاق تأهليها وتطوير أدائها.

وهنا تظهر واحدة من أهم سمات شخصيته المهنية: الممارسة إلى جانب التحليل.

التواصل المؤسساتي.. حين تصبح المعلومة جزءاً من صناعة القرار

الجانب الإعلامي في تجربة الدكتور عبدالعزيز الرماني ليس مجرد حضور تلفزيوني أو ظهور في البرامج.

فهو يقدم نفسه مهنياً باعتباره إعلامياً وخبيراً في مجالات التواصل والاقتصاد الاجتماعي، كما اشتغل محللاً وخبيراً لدى قنوات تلفزية وطنية وعربية، وشارك في تأطير أعمال لدى منظمات دولية.

وهذا المسار يمنحه زاوية مختلفة في فهم التواصل.

فالتواصل المؤسساتي، بالنسبة إلى صاحب هذه التجربة، لا يتعلق فقط بإيصال المعلومة، وإنما بفهم المؤسسة نفسها: كيف تتحدث، ومتى تتحدث، ولمن تتحدث، وكيف تتحول المعلومة إلى عنصر في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع.

ولهذا ظل الرماني حاضراً في النقاشات التي تربط بين الإدارة والمعلومة والإعلام.

وفي ديسمبر 2023، كان من بين المشاركين في ندوة وطنية حول «المعلومة والمرفق العمومي: فرص وتحديات»، قبل أن يتم تكريمه تقديراً لمساره الإعلامي والمهني.

كاتب اشتغل على سؤال الدولة والإدارة

من الصعب فهم الدكتور عبدالعزيز الرماني من دون التوقف عند الكتابة.

ففي سنة 1998 أصدر كتابه «لماذا عجزنا عن إصلاح الإدارة؟»، ثم أصدر سنة 2007 كتاب «مستقبل الأحزاب في المغرب»، إلى جانب ترجمات ودراسات حول التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومقالات في الصحافة المغربية والعربية والدولية.

لكن اللافت أن اهتمامه بالإدارة لم يكن مجرد اهتمام صحافي عابر.

فمقاله حول «الإصلاح الإداري بالمغرب، أربعون سنة من الوعود والمشاريع» منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية سنة 2001، وتستشهد به دراسات وأبحاث أكاديمية وقانونية لاحقة عند تناول تطور الإدارة والإصلاح الإداري بالمغرب.

وهنا تظهر قيمة أخرى في تجربته: الرجل لم يكن فقط قريباً من الإدارة باعتباره مستشاراً، بل حاول أن يجعل من الإدارة موضوعاً للبحث والنقد والتحليل.

من الاستشارة إلى الاقتصاد التضامني

ربما يكون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني هو المجال الذي أعطى تجربة الرماني بعداً تنموياً أكثر وضوحاً.

فاهتمامه بهذا المجال لم يبدأ مع النقاشات الحديثة حول التعاونيات والاقتصاد التضامني، وإنما يعود إلى سنوات طويلة.

وتشير معطيات منشورة عنه إلى إسهاماته في بدايات تجربة القروض الصغرى بالمغرب، من خلال مشاركته في تأسيس مؤسسة «إنماء» لدعم القروض الصغرى، التي يرأسها حالياً، والتي تضم أكثر من 100 أجير وتخدم آلاف المستفيدين من القروض الصغرى.

وهذه التجربة مهمة لأنها تنقل مفهوم التنمية من مستوى الخطاب إلى مستوى الممارسة.

فالقرض الصغير، في فلسفة الاقتصاد التضامني، ليس مجرد تمويل محدود القيمة، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لخلق نشاط مدر للدخل، وإدماج فئات في الدورة الاقتصادية، وتحويل المبادرة الفردية إلى مشروع قابل للاستمرار.

وفي حديث مطول مع «القدس العربي»، شرح الدكتور عبدالعزيز الرماني كيف تطور مفهوم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من العمل الجمعوي والتعاوني والقروض الصغرى إلى تصور أوسع يدمج أنشطة اقتصادية كانت تعتبر في السابق هامشية أو غير مهيكلة.

وهنا تحديداً تكمن إحدى خصوصيات تجربته: أنه لا ينظر إلى الاقتصاد التضامني باعتباره ملفاً اجتماعياً فقط، بل باعتباره جزءاً من هندسة التنمية.

أكثر من خمسة عشر عاماً داخل ملف الاقتصاد الاجتماعي

تكتسب خبرته في هذا المجال وزناً إضافياً من خلال تجربته الحكومية.

فـSNRT أشارت حديثاً إلى أن الرماني اشتغل لأزيد من 15 سنة مستشاراً بوزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وهو ما يضعه في موقع يسمح له بمتابعة تطور هذا القطاع من داخل الإدارة، وليس فقط من موقع الخبير الأكاديمي من خارج المؤسسات.

وفي حديثه عن وضعية التعاونيات، ركز على قضايا الحكامة والشفافية والاحترافية والتسويق، داعياً إلى الاستثمار في الرأسمال البشري ورقمنة القطاع وتقوية قدرته على الوصول إلى الأسواق الوطنية والدولية.

وهو ما يوضح أن اهتمامه بالاقتصاد التضامني لا يقف عند الدفاع النظري عنه، بل يتجه نحو أسئلة عملية: كيف تنتقل التعاونية من الهشاشة إلى الاستدامة؟ وكيف يتحول النشاط الصغير إلى قيمة اقتصادية؟ وكيف تصبح التنمية الاجتماعية منتجة للثروة؟

من التنمية البشرية إلى التنمية الاقتصادية

هذا الاهتمام ليس جديداً أيضاً.

ففي سنة 2008، استضافته قناة الجزيرة للحديث عن التنمية البشرية، وقدم آنذاك رؤيته للعلاقة بين التعليم والتكوين والتشغيل والاستثمار والتنمية الاجتماعية، معتبراً أن التنمية ليست ملفاً منفرداً، وإنما منظومة تشمل الصحة والسكن والتكوين والإنعاش الاقتصادي ومختلف أوجه الحياة الاجتماعية. كما قدمته الحلقة باعتباره باحثاً في مجال التنمية البشرية وكاتباً عاماً لمؤسسة إنماء لتنمية المقاولة الصغرى.

وبذلك يظهر خيط ناظم في مساره يمتد من اهتمامه المبكر بالإدارة والإعلام إلى الاقتصاد التضامني والتنمية البشرية.

الخيط نفسه تقريباً: كيف تتحول السياسات العامة إلى أثر ملموس في حياة الناس؟

رجل الدولة الذي اختار أن يبقى خلف الكواليس

ربما لا تكمن أهمية الرماني في عدد المناصب التي تقلدها بقدر ما تكمن في طبيعة المواقع التي اشتغل منها.

فهو لم يجعل من الاستشارة الحكومية منصة للظهور السياسي، ولم يحول العمل المهني إلى بحث دائم عن الأضواء.

بل ظل في مساحة أقرب إلى «المطبخ المؤسساتي»: يقرأ الملفات، ويواكب المسؤولين، ويحلل السياسات، ويكتب عنها، ثم يظهر في الإعلام عندما تكون هناك حاجة إلى تفسير ما يجري.

وهذه الوضعية صنعت له نوعاً خاصاً من الحضور.

إنه ليس رجل سياسة بالمعنى الحزبي، ولا مجرد إعلامي، ولا اقتصادي بالمعنى الأكاديمي الضيق.

إنه أقرب إلى خبير متعدد الأدوات تشكلت تجربته عند نقطة التقاء الدولة والإعلام والاقتصاد والتنمية.

من المؤسسة إلى الشاشة.. ومن الشاشة إلى المجتمع

خلال السنوات الأخيرة، اتسع حضوره الإعلامي بشكل واضح.

فقد ظهر محللاً وخبيراً في عدد من القنوات والبرامج، وارتبط اسمه ببرامج تناقش القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

كما تولى تقديم برنامج «نخرجو ليها ديريكت» على «برلمان راديو»، وهو حضور يؤكد أن علاقته بالإعلام لم تعد علاقة خبير يُستضاف فقط، وإنما أصبحت أيضاً علاقة صاحب تجربة في إدارة النقاش العمومي.

وفي الوقت نفسه، استمر حضوره كخبير في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بما جعل صورته المهنية تجمع بين القدرة على قراءة الأرقام والسياسات، والقدرة على شرحها للرأي العام بلغة مفهومة.

وهذه المعادلة ليست سهلة.

فالخبير قد يمتلك المعرفة ولا يمتلك القدرة على التواصل، والإعلامي قد يمتلك أدوات التواصل دون أن يمتلك عمقاً كافياً في الملفات.

أما الرماني، فقد بنى تجربته على تقاطع الاثنين.

الخبرة حين تصبح مشروعاً للتنمية

في النهاية، يصعب اختزال عبدالعزيز الرماني في عبارة «مستشار حكومي» رغم ثقلها، أو «إعلامي» رغم حضوره، أو «خبير في الاقتصاد التضامني» رغم عمق اشتغاله في هذا المجال.

فكل واحدة من هذه الصفات تمثل جزءاً من الصورة، لكنها لا تكتمل إلا إذا اجتمعت.

فثلاثة عقود من الاستشارة الحكومية منحته معرفة بالمؤسسة.

والإعلام والتواصل المؤسساتي منحاه القدرة على قراءة المعلومة وصناعة الخطاب.

والعمل في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نقله من فضاء السياسات إلى فضاء التنمية الملموسة.

والكتابة والبحث منحاه مساحة للتأمل والنقد وتوثيق التحولات.

ولهذا يمكن النظر إلى مسار عبدالعزيز الرماني باعتباره تجربة مهنية تقوم على فكرة واحدة، وإن تعددت أدواتها:

أن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى أثر.

من الإدارة إلى الإعلام، ومن الاستشارة إلى الاقتصاد التضامني، ظل الرماني يتحرك في المنطقة نفسها: المنطقة التي تلتقي فيها المؤسسة بالمجتمع، والمعلومة بالتنمية، والخبرة بالفعل.

وربما لهذا السبب تحديداً، فإن القيمة الحقيقية في تجربة عبدالعزيز الرماني لا تختصرها سنوات العمل الحكومي، ولا كثرة الظهور الإعلامي، وإنما تكمن في كونه راكم، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تجربة متعددة الأوجه جعلت منه مستشاراً حكومياً، وخبيراً في التواصل المؤسساتي، وممارساً في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وفاعلاً في النقاش العمومي حول الإدارة والتنمية.

مسار طويل لم يصنع منه مجرد خبير يتحدث عن التنمية، وإنما شخصاً حاول أن يجعل من الإعلام والاقتصاد التضامني والتواصل المؤسساتي أدوات لفهم الدولة وخدمة التنمية.

اترك رد