سؤال الدولة والمجتمع في ظل جائحة كورونا
بقلم: طارق موكيل (*)
لم يكن أكثر المتشائمين في العالم ليضع سيناريو أسوأ مما آلت إليه الأمور بعد ظهور فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، وبالضبط فيما يتعلق بالطريقة التي واجهت بها دول العالم هذه الجائحة؛ فالدول المتقدمة ابتداء من الصين ومروراً بدول أوروبا وانتهاء بالولايات المتحدة، كلها أعلنت عن حزمة إجراءات احترازية،منها من احترم القواعد الديمقراطية و لجأ إلى البرلمان لاستصدار قوانين ،و منها من تفرد جهازها التنفيذي بهذه المهمة، يتعلق الأمر قانون الطوارئ الصحي،الحجر المنزلي… وللسهر على حسن تطبيق هذه القوانين سخرت الدول جميع قواها التي تسهر على إنفاذ القانون، مما أدى إلى ظهور عنف الدولة الناتج عن اصطدام بين الدولة والمجتمع حول مسألة تعطيل بعض الحقوق والحريات لصالح المصلحة العامة وحماية صحة المواطنين. وهو الشيء الذي أعاد النقاش حول سؤال الدولة والمجتمع.
فالدولة، وإن كانت وظيفتها الأساسية هي احترام الحقوق وضمان الحريات، قد يشوب ممارساتها الكثير من الشطط، فتتحول إلى سلطة قاهرة مستبدة، وإلى جهاز يمارس التسلط والهيمنة والعنف. غير أن الدولة، سواء أكانت قديمة أو حديثة، ديموقراطية أو استبدادية، لا يمكنها أن تستغني عن العنف، ذلك أن وظيفتها الأساسية هي ممارسة العنف الشرعي والمنظم بقوانين وإجراءات.
فهل تمارس الدولة سلطتها بالقوة أو بالقانون، بالحق أم بالعنف؟ ألا يمكن الحديث عن عنف مشروع تحتكره الدولة؟ وهل دولة الحق دولة عنف؟ وما هي أسس قيام الدولة الحديثة؟
يوضح ماكس فيبر صاحب سوسيولوجيا الفهم أن الدولة العصرية تعرف سوسيولوجيا من خلال الوسيلة الخاصة بها والمتمثلة في العنف المادي. ومعنى هذا هو أن أساس الدولة هو العنف، بل إنها تمثل مصدرا له، وفي غياب ممارسته، فإن الدولة تختفي وتحل محلها الفوضى. غير أن العنف الذي تمارسه الدولة يعتبر مشروعا، ولذلك لا يحق لأي فرد أو جماعة، كيفما كان نوعها، أن تمارس أي نوع من أنواع العنف، إلا بتفويض من الدولة. إن ممارسة العنف المادي من اختصاص الدولة، لأنها تعتبر المصدر الوحيد للحق في العنف المشروع القائم على القانون.
فعند الوقوف عند مفهومي استخدام القوة و استخدام العنف من طرف الدولة، يمكن استجلاء الخلط الحاصل في ذهنية السلطويين، فمصطلح القوة كثيرا ما ارتبط بالعلوم السياسية، وخاصة عند علماء السياسة التجريبيين المعاصرين فعلم السياسة عندهم مرتبط بالبحث عن مصادر القوة في المجتمع
فبعيدا عن التعريفات الكثيرة للقوة والتي أفرد لها باحثون واختصاصيون كتبا ومؤلفات عدة، من قبيل مورجانتو وروبرت داهل ولازويل وكابلان… وغيرهم.
وانطلاقا من قانون نيوتن للجاذبية الكونية، أن كل جسمين يجذب كل منهما الآخر بقوة تتناسب اطرادا مع ناتج كتلتيهما، وتتناسب عكسيا مع مربع المسافة بينهما. وقد برهن نيوتن على أنها هذا القانون ينطبق أيضا على الأجسام الموجودة فوق سطح الأرض، وهو المسؤول عن استقرار دوران الكواكب بطريقة متوازنة، وبالتالي فالتوازن وصف لحالة تعادلية بين قوى متعددة ومتضادة بينها قدر من الترابط وقد تؤدي إلى الاستقرار.
رجوعا إلى مفهوم الدولة عند ماكس فيبر وكذلك هيجل، اللذان اعتبرا أن الدولة هي تجسيد للسلطة السياسة، التي تعد مطلقة وليس تحكمية تمارس في ظل القانون، ألا أن جوهرها يبقى تمجيدا للقوة… عبد الله العروي يعتبر دولة الاستبداد، بأنها تبقى معزولة عن الناس، وهذا ما يجعلها هشة ومعرضة دوما للفردانية والتسلط ولا تعبر عن نشأة مجتمع سياسي، لأنها تفتقر إلى محددين هما: الشرعية والإجماع.
رجوعا إلى أحداث الشغب بالولايات المتحدة الأمريكية، وإذا ما أسقطنا كل ما سلف ذكره، سنخلص إلى شيئين أساسيين، أولهما الأنظمة الغربية تأخذ غطاء دولة الحق والقانون والمؤسسات، والجمع بين السياسة والأخلاق، القوة والإقناع في حالة الانسجام التام مع المجتمع التي تحكمه، فسرعان ما يتبدد هذا الخطاب في حالة المواجهة وتكشر عن أنيابها،و يظهر الوجه الحقيقي للدولة الاستبدادية، ليبدأ مسلسل العنف والاعتقالات (أحداث السترات الصفر بفرنسا)، قصور تجربة السترات الصفر وعدم استمرارها راجع لعدم توازن القوى، بين الدولة والمجتمع من منطلق ممارسة العنف.
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية الوضع مختلف، حجم كبير من عنف المجتمع يمارس على الدولة ومؤسساتها ورموزها، بسبب قرار المؤسسين الأولين للدولة، الحق الشرعي للفرد في حمل السلاح للدفاع عن نفسه ومواجهة أي تهديد.
الدولة الفيرالية واعية تمام الوعي أنه في إطار التجنيد الإجباري كسياسة لتأهيل المواطنين ذكورا وإناثا للدفاع عن وطنهم، قد كونوا جيشا احتياطيا مستعد للدفاع عن مصالحه وحقوقه الفردية أيضا، التي يمكن للدولة الفدرالية أن تخرقهما.
ربما التأسيس لخلق توازن جديد بين الدولة والمجتمع، هو السماح بتوازن القوى بمعناه المادي الصرف.
(*) فاعل حقوقي
