بقلم: سعد ناصر
ليست قضية القاصرين غير المرفقين مجرد ملف إداري أو إنساني عابر في العلاقات المغربية الإسبانية، كما أن ما يطفو بين الحين والآخر من توترات حول الهجرة لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقة الاستراتيجية التي تشكلت بين الرباط ومدريد وبروكسيل خلال العقود الأخيرة. فخلف النقاش الظاهر حول الهجرة والقاصرين يوجد سؤال أكبر: هل تنظر أوروبا إلى المغرب باعتباره شريكا استراتيجيا تتقاسم معه الأعباء والمصالح، أم باعتباره حارسا متقدما لحدودها الجنوبية، مطلوبا منه أن يتحمل الجزء الأكبر من كلفة حماية أوروبا من الهجرة غير النظامية؟
الموقف المغربي الأخير يقدم إجابة واضحة. فقد أكدت المملكة، عبر مواقف رسمية وتصريحات صادرة عن مصادر حكومية ودبلوماسية، استعدادها للتنسيق مع إسبانيا والشركاء الأوروبيين من أجل تحديد هوية القاصرين غير المرفقين وإعادتهم إلى ارض الوطن، في إطار التعاون والمساطر القانونية. أي أن الرباط لم تغلق باب التعاون، بل أكدت استعدادها لممارسته، مع رفض تحويله إلى أمر مفروض أو إلى ورقة للضغط السياسي.
وهنا تكمن جوهر المسألة.
فالمغرب ظل، طوال سنوات، شريكا أساسيا لأوروبا في تدبير الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والجريمة العابرة للحدود. والاتحاد الأوروبي نفسه يقر بأن تعاونه مع المغرب في هذا المجال يمتد لأكثر من عقد، وأنه أسفر عن نتائج ملموسة، كما أطلق الطرفان سنة 2022 شراكة عملياتية لمكافحة تهريب المهاجرين، تشمل تدبير الحدود وتعزيز التعاون الشرطي.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التعاون من شراكة متبادلة إلى تصور يقوم على أن المغرب ملزم، بصورة دائمة وتلقائية، بحراسة الحدود الإسبانية والأوروبية، وأن أي خلل في تدفقات الهجرة يمثل قصورا مغربيا ينبغي أن تدفع الرباط ثمنه سياسيا.

سبتة ومليلية… حين تتحول الحدود إلى ورقة ضغط
ولعل أوضح تجليات هذا المنطق تظهر في الطريقة التي يجري بها توظيف أحداث سبتة ومليلية سياسيا وإعلاميا.
فكلما حدث تدفق استثنائي للمهاجرين نحو المدينتين، سرعان ما ترتفع أصوات داخل إسبانيا تتعامل مع الأمر باعتباره دليلا على أن المغرب لم يقم بما يكفي لضبط حدوده، وكأن حماية الحدود الإسبانية مسؤولية مغربية خالصة. وتتحول مدينتا سبتة ومليلية السليبتين، في بعض الخطابات، من نقطتي تماس جغرافي وسياسي بالغتي التعقيد إلى مجرد “حدود أوروبية” ينبغي على المغرب أن يتولى حراستها نيابة عن أوروبا.
والأكثر دلالة أن الخطاب الرسمي الإسباني نفسه أظهر، خلال أزمة سبتة سنة 2021، مدى مركزية هذه الحدود بالنسبة إلى مدريد. فقد وصف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز آنذاك التدفق المفاجئ بأنه أزمة خطيرة بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا، وأكد أن أولوية حكومته هي ضمان السيطرة على الحدود وإعادة من دخلوا بشكل غير نظامي، مستندا إلى اتفاقات التعاون مع المغرب. وفي الوقت نفسه شدد على أن المغرب “بلد شريك وصديق” وأن التعاون الفعال ينبغي أن يقوم على الاحترام المتبادل.
وهنا تبرز المفارقة: حين تحتاج إسبانيا إلى المغرب في لحظة أزمة، يصبح التعاون المغربي جزءا أساسيا من حماية الحدود الأوروبية؛ وحين تريد بعض الأطراف السياسية والإعلامية ممارسة الضغط على الرباط، يجري تقديم الدور نفسه وكأنه واجب مغربي بديهي، أو “تحصيل حاصل”، لا باعتباره ثمرة شراكة واتفاقات ومصالح متبادلة.
بل إن بعض الخطابات تذهب أبعد من ذلك، فتتعامل مع المغرب كما لو أنه دركي أوروبا في جنوب المتوسط: مطلوب منه أن يمنع الهجرة، ويوقف شبكات التهريب، ويراقب السواحل، ويمنع الوصول إلى سبتة ومليلية، ويعيد القاصرين، ويتحمل في الوقت نفسه تبعات الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تنتج عن الهجرة من بلدان متعددة.
وهذا التصور، إذا تحول إلى قاعدة سياسية، يفرغ مفهوم الشراكة من مضمونه.
هل المطلوب من المغرب أن يحرس أوروبا؟
السؤال هنا ليس ما إذا كان المغرب ينبغي أن يتعاون في مكافحة الهجرة. لقد أثبتت المملكة، عمليا، أنها تفعل ذلك، والاتحاد الأوروبي نفسه يقر بأهمية هذا التعاون. بل إن المفوضية الأوروبية تعتبر تدبير الحدود والتصدي للجريمة العابرة للحدود ومكافحة تهريب المهاجرين من محاور التعاون مع الشركاء الجنوبيين، ومن بينهم المغرب.
السؤال الحقيقي هو: أين تنتهي مسؤولية الشريك وتبدأ مسؤولية الدولة الأوروبية عن حدودها؟
فسبتة ومليلية السليبتين، وفق المنظور الإسباني، مدينتان إسبانيتان وحدودان للاتحاد الأوروبي. وبالتالي فإن مسؤولية حماية حدودهما تقع أولا على الدولة التي تديرهما وعلى المنظومة الأوروبية التي تعتبرهما جزءا من حدودها الخارجية. أما التعاون المغربي فيمكن أن يكون ضروريا ومفيدا، لكنه يظل تعاونا بين دولتين، لا تفويضا للمغرب كي يتحول إلى جهاز أمني خارجي تابع لأوروبا.
وهذه ليست مسألة لغوية. إنها مسألة سيادة وتوازن سياسي.
أزمة 2021 تكشف الكثير
أزمة سبتة في مايو 2021 تقدم نموذجا واضحا. فقد أعلنت الحكومة الإسبانية آنذاك حالة استنفار كبيرة، ونشرت الجيش وعززت قوات الأمن، وشكلت لجنة وضعية خاصة لمواجهة الأزمة، فيما تحدثت مدريد عن أزمة خطيرة بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا.
وفي المقابل، انتهى المسار في النهاية إلى استعادة قنوات التعاون مع المغرب. وفي مايو 2022 أعلنت مدريد إعادة فتح المعابر البرية مع المغرب، مؤكدة أن ذلك جاء نتيجة العمل الثنائي وخارطة الطريق التي أعقبت اللقاء بين بيدرو سانشيز والملك محمد السادس.
هذه الواقعة وحدها تكفي لتوضيح قاعدة أساسية: عندما تتعطل العلاقة مع المغرب، تتعطل معها أجزاء من منظومة تدبير الحدود والهجرة؛ وعندما تعود العلاقة إلى مسارها الطبيعي، تعود آليات التعاون إلى العمل.
لذلك فإن محاولة استخدام أزمات سبتة ومليلية لإظهار المغرب باعتباره دولة عاجزة عن حماية حدودها، أو دولة لا تقوم إلا بدور الحارس المتقدم لأوروبا، قد تحقق مكاسب سياسية وإعلامية ظرفية، لكنها تتجاهل الحقيقة الأكبر: أوروبا نفسها تعتمد على التعاون مع المغرب في هذا الملف.
تغيير اللهجة… أم تغيير قواعد اللعبة؟
ما يسترعي الانتباه هو أن بعض الخطابات الإسبانية تجاه المغرب أصبحت، في فترات معينة، أكثر حدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالهجرة أو بمدينتي سبتة ومليلة السليبتين. ويمكن قراءة ذلك في سياق سياسة شد الحبل التي تسعى إلى إبقاء الرباط تحت ضغط مستمر، او دفعه إلى الدفاع عن النفس أو إلى انتزاع تنازلات في ملفات أخرى عبر استخدام أوراق الهجرة والأمن.
لكن هنا ينبغي الانتباه إلى أن هذا التحليل لا يعني أن الدولة الإسبانية برمتها تتبنى استراتيجية معلنة لإضعاف المغرب. فالعلاقات بين الدول أكثر تعقيدا من ذلك، كما أن المصالح الإسبانية نفسها تفرض على مدريد الحفاظ على قنوات التعاون.
والدليل أن الحكومة الإسبانية، حتى في أشد أزمات الهجرة، ظلت تصف المغرب بالشريك والصديق، وتؤكد أن التعاون معه ضرورة وأنه ينبغي أن يقوم على الاحترام. كما أن الاتفاقات الثنائية في مجال الأمن ومكافحة الجريمة تؤكد الطبيعة المؤسسية للتعاون بين البلدين.
لكن بين الخطاب الرسمي المتزن وبين المزايدات الحزبية والإعلامية مساحة واسعة؛ وفي هذه المساحة تحديدا تظهر أحيانا محاولات لتقديم المغرب باعتباره الطرف الذي ينبغي أن يقدم المزيد دائما، بينما تصبح المطالب الأوروبية والإسبانية وكأنها حقوق مكتسبة لا تحتاج إلى تفاوض.
وهذا هو الخلل الذي ينبغي التنبيه إليه.
ولعل ما يعزز هذا المنحى أن تداعيات التوتر الأخير لم تتوقف عند ملف الهجرة وأحداث سبتة، بل امتدت إلى ملف تنظيم كأس العالم 2030. فقد سارعت قوى سياسية إسبانية إلى استغلال الأزمة للمطالبة بإعادة النظر في مشاركة المغرب في تنظيم المونديال؛ إذ تقدمت «سومار» بمقترح لمراجعة اتفاق التنظيم المشترك، قبل أن تلتحق بها «فوكس» بمقترح يدعو إلى بحث إقصاء المغرب من التنظيم، في خطوة تكشف كيف يمكن لملف الهجرة أن يتحول إلى ورقة ضغط تمتد إلى مجالات أخرى من العلاقات بين البلدين.
والمفارقة أن هذا الطرح لا يمثل الموقف الرسمي للدولة الإسبانية، التي أكدت تمسكها بالتنظيم الثلاثي، كما أن المغرب وإسبانيا والبرتغال هم الدول الثلاث المنظمة رسميا لكأس العالم 2030. غير أن مجرد انتقال الدعوات إلى إقصاء المغرب من تنظيم الحدث الرياضي العالمي، وربط ذلك مباشرة بأزمة سبتة والهجرة، يستحق التوقف عنده؛ خصوصا أن التنافس بين البلدين لا يقتصر على استضافة المباريات، بل يشمل أيضا السباق على احتضان المباراة النهائية، التي لم تحسم FIFA مكان إقامتها بعد.
وهنا تتضح صورة أوسع لسياسة شد الحبل: حين تصبح الهجرة ورقة ضغط، ثم يمتد أثرها إلى موقع المغرب في تنظيم أكبر تظاهرة رياضية عالمية، فإن المسألة تتجاوز مجرد خلاف حول تدبير الحدود، لتلامس موقع المغرب كشريك استراتيجي، وحجم المكاسب السياسية والاقتصادية والرمزية التي يفترض أن تترتب على هذه الشراكة
المغرب ليس مجرد حاجز أمني لأوروبا
لقد تغيرت مكانة المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة ليست فقط شريكا في ملف الهجرة، بل أصبحت فاعلا اقتصاديا وأمنيا ودبلوماسيا مهما في غرب المتوسط وإفريقيا.
والاتحاد الأوروبي نفسه يصف علاقته بالمغرب بأنها شراكة قوية، تمتد جذورها إلى اتفاقية الشراكة الموقعة سنة 1996 والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 2000، ثم تعززت بمنح المغرب وضع “الشريك المتقدم” سنة 2008. كما أن التعاون الأوروبي المغربي في مجال الهجرة يتضمن دعما لتدبير الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.
وهذا يعني أن العلاقة ليست: أوروبا تدفع والمغرب يحرس. إنها منظومة مصالح متبادلة.
المغرب يحتاج إلى أوروبا اقتصاديا، وهذا أمر لا ينبغي إنكاره. لكن أوروبا تحتاج بدورها إلى المغرب في الفلاحة والصيد البحري والأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي والطاقة وسلاسل الإنتاج والتعاون مع إفريقيا. ومع تنامي أهمية المملكة في مجالات الصناعة والطاقة المتجددة واللوجستيك، تصبح العلاقة أكثر تشابكا وأبعد من أن تختزل في ملف الهجرة.
عندما يصبح التعاون مشروطا بالاحترام
المغرب، في المقابل، لا يرفض تحمل مسؤولياته. بل إن الموقف المغربي الأخير من قضية القاصرين غير المرفقين يؤكد الاستعداد للتعاون والتنسيق وتحديد الهوية وإعادة من تثبت مغربيتهم، في إطار قانوني وإنساني.
لكن التعاون شيء، وتحويل المغرب إلى دركي للحدود الأوروبية شيء آخر.
فالمملكة يمكن أن تكون شريكا في حماية الأمن المتوسطي، لكنها ليست مسؤولة وحدها عن حماية أوروبا. ويمكنها أن تساعد إسبانيا في مكافحة الهجرة غير النظامية، لكن ذلك لا يعني أن الهجرة تصبح أداة لإعادة تعريف علاقة المغرب بإسبانيا على أساس أن الرباط مدينة دائما بالمزيد.
كما أن المغرب يستطيع أن يتعاون في ملف سبتة ومليلية من موقع المسؤولية، لكنه لن يقبل، من المنطقي سياسيا، أن يتحول هذا التعاون إلى اعتراف ضمني بأن وظيفة المملكة هي حراسة حدود لا يعتبرها المغرب جزءا من ترابه الوطني.
وهنا تحديدا تظهر أهمية الندية.
أوروبا تحتاج إلى شريك قوي لا إلى دركي ضعيف
قد يبدو للبعض أن إضعاف موقع المغرب التفاوضي في ملفات الأمن والهجرة سيجعل أوروبا أقوى. لكن العكس هو الأقرب إلى المنطق الاستراتيجي.
فأوروبا لا تحتاج إلى مغرب ضعيف ومضغوط بقدر حاجتها إلى مغرب مستقر وقادر وموثوق، يستطيع أن يضطلع بمسؤولياته كشريك. والشريك الذي يشعر بأن التعاون يتحول إلى ابتزاز قد يعيد حساباته، بينما الشريك الذي يشعر بأن مصالحه محترمة يكون أكثر استعدادا لتحمل الأعباء المشتركة.
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تفهمها مدريد وبروكسيل: المغرب ليس حارسا مأجورا للحدود الأوروبية، بل شريك استراتيجي له مصالحه وسيادته وحساباته.
ومن ثم، فإن سياسة شد الحبل، إن كانت بعض الأطراف تراهن عليها، قد تكون قصيرة النظر. فقد تستطيع تحقيق ضغط ظرفي، لكنها لن تغير حقائق الجغرافيا، ولن تلغي المصالح المشتركة، ولن تجعل أوروبا تستغني عن المغرب.
بل قد تؤدي، في نهاية المطاف، إلى النتيجة المعاكسة: دفع الرباط إلى مزيد من تنويع شراكاتها وتقليص قابلية علاقاتها الخارجية للتأثر بالضغط الأوروبي.
خلاصة القول، إن المغرب ليس في حاجة إلى أن يثبت لأحد أنه شريك مسؤول. فقد أثبت ذلك عبر سنوات من التعاون الأمني والهجرة والاقتصاد، وبشهادة مؤسسات أوروبية نفسها.
لكن الشراكة لا تعني أن يتحمل طرف واحد مسؤوليات الطرفين، ولا أن يتحول التعاون إلى التزام أحادي، ولا أن تصبح أزمات سبتة ومليلية مناسبة لتذكير المغرب، في كل مرة، بأنه مطالب بحراسة الحدود الأوروبية.
لقد تغيرت المنطقة، وتغير المغرب معها. ومن يصر على التعامل مع المملكة بمنطق الماضي، أو على اختزال دورها في وظيفة “الدركي” الذي يحرس أوروبا من الجنوب، فإنه لا يسيء تقدير المغرب فقط، بل يسيء تقدير مصالح أوروبا نفسها.
فالضفة الشمالية تحتاج إلى الضفة الجنوبية، كما تحتاج الضفة الجنوبية إلى الشمالية. والجغرافيا لا تسمح بإلغاء هذه الحقيقة، والمصالح لا تسمح بتجاهلها.
لذلك، فإن الطريق الأكثر واقعية ليس التصعيد ولا الابتزاز ولا تغيير اللهجة من موسم إلى آخر، وإنما بناء شراكة تقوم على الندية والاحترام وتقاسم المسؤوليات والمصالح. أما محاولة شد الحبل إلى أقصى حد، فستكتشف مدريد وبروكسيل عاجلا أو آجلا أن الحبل نفسه يمسكه طرفان، وأن الضغط على أحدهما قد يعود على الآخر بالقدر نفسه.
