كان يفترض أن يدخل المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة منافسات ألعاب البحر الأبيض المتوسط بإيقاع منتخب يحمل في جعبته لقب بطل العالم، وأن تكون مشاركته امتدادًا لمسار كروي مغربي قطع خلال السنوات الأخيرة أشواطًا كبيرة إلى الأمام. لكن ما يحدث في تارانتو الإيطالية يطرح، بعد التعادل أمام تركيا والهزيمة أمام تونس، سؤالًا أكبر من مجرد نتائج عابرة: هل يعيد اختيار المدرب الأجنبي هذه الفئة إلى عقود إلى الوراء، بعيدًا عن فلسفة المشروع الذي أعاد للمدرب المغربي مكانته ودوره في صناعة الإنجاز؟
فالهزيمة أمام المنتخب التونسي بهدف دون رد، صباح اليوم الاثنين، لم تكن فقط سقوطًا في الجولة الثانية من منافسات المجموعة الأولى من دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط، وإنما جاءت لتكشف عن أداء متواضع لم يكن في مستوى منتخب يفترض أنه يمثل حامل لقب كأس العالم. وسجل المنتخب التونسي هدف المباراة الوحيد في بداية الشوط الثاني عن طريق هدف عكسي، وحاول المنتخب المغربي العودة في النتيجة، خصوصًا خلال الدقائق الأخيرة، غير أن محاولاته لم تثمر عن تعديل الكفة.
صحيح أن مباراة في كرة القدم لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي على منتخب أو مدرب، وأن الهزيمة أمام تونس لا تعني بالضرورة انهيارًا في المنظومة. لكن المقلق هو السياق: تعادل أمام تركيا، ثم هزيمة أمام تونس، وأداء لم يبعث، إلى حدود الجولة الثانية، على الاطمئنان بشأن مستقبل منتخب يفترض أن يكون أحد أهم روافد المنتخب الوطني الأول.
وهنا تحديدًا يفرض السؤال نفسه: لماذا العودة إلى المدرب الأجنبي في فئة عمرية يفترض أن تكون إحدى أهم ساحات الاستثمار في الكفاءة المغربية؟
فمشروع تطوير كرة القدم الوطنية، الذي حظي بالتوجيه والدعم الملكي، لم يكن مشروعًا للنتائج فقط، وإنما قام كذلك على بناء منظومة متكاملة، من بينها تكوين الأطر الوطنية ومنحها الثقة والمسؤولية. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المدرب المغربي لم يعد مجرد خيار اضطراري أو بديل عند غياب الأجنبي، بل أصبح قادرًا على قيادة المنتخبات الوطنية إلى أعلى المستويات.
والدليل ليس بعيدًا. وليد الركراكي قاد المنتخب الوطني الأول إلى إنجاز تاريخي ببلوغ نصف نهائي كأس العالم، ومحمد وهبي قاد المنتخب المغربي للشباب إلى التتويج العالمي، بينما أكد طارق السكتيوي صاحب برونزية الألعاب الأولمبية ولقبي كاس أفريقيا للمحليين وكاس العرب أن الكفاءة المغربية قادرة على تحقيق الإنجاز عندما تتوفر لها الثقة والإمكانات والظروف المناسبة.
هذه النجاحات لم تأتِ من فراغ، وإنما كانت ثمرة تراكم في التكوين والثقة في الأطر الوطنية. ولذلك فإن العودة إلى الخيار الأجنبي في الفئات السنية تطرح، على الأقل، سؤالًا حول مدى الانسجام بين الاختيارات التقنية الحالية وبين فلسفة بناء كرة القدم المغربية التي بدأت تؤتي ثمارها.
واللافت أن هذا النقاش لا يأتي للمرة الأولى. فقد سبق أن ارتبط المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة بتجربة مدرب أجنبي عقب الإخفاق على المستوى الإفريقي، قبل أن يتم لاحقًا تصحيح المسار والعودة إلى الإطار المغربي. وهي تجربة ينبغي استحضارها لا للمقارنة السطحية، وإنما لاستخلاص الدروس.
فالحديث هنا ليس عن أن كل مدرب أجنبي سيئ وكل مدرب مغربي ناجح؛ فهذه مقاربة لا تستقيم رياضيًا. المدرب الأجنبي قد ينجح، والمدرب المغربي قد يفشل، والعكس صحيح. لكن القضية أعمق من ذلك: أي نموذج نريد أن نبني؟
منتخبات أقل من 17 وأقل من 20 سنة ليست فرقًا تبحث فقط عن نتيجة في دورة أو بطولة، بل هي جزء من ورش صناعة المستقبل. اللاعبون الذين يوجدون اليوم في هذه الفئات هم من يفترض أن يكونوا غدًا العمود الفقري للمنتخب الأول، والمدربون الذين يعملون معهم ينبغي أن يكونوا أيضًا جزءًا من مدرسة كروية وطنية تتطور وتتراكم خبراتها.
ومن هذه الزاوية، فإن وجود مدرب أجنبي على رأس منتخب مغربي يحمل لقب بطل العالم، ثم ظهور المنتخب بهذا المستوى في دورة المتوسط، يستحق وقفة صريحة من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ليس لأن الهزيمة أمام تونس كارثة، وإنما لأن الحفاظ على المشروع يقتضي أن تكون الاختيارات التقنية منسجمة معه.
فالمغرب لم يعد ذلك المنتخب الذي يحتاج إلى اسم أجنبي حتى يكتسب الثقة. لقد أثبتت التجربة أن في المغرب أطرًا قادرة على صناعة الإنجاز، وأن الاستثمار في الكفاءات الوطنية يمكن أن يكون أقصر الطرق إلى بناء مدرسة كروية مغربية مستقلة وقادرة على الاستمرار.
وإذا كانت هزيمة تونس قد أعادت المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة خطوة إلى الوراء، فإن المطلوب ألا تتحول هذه الخطوة إلى عودة بعقود إلى الوراء. فالمسألة في النهاية ليست مباراة خسرها المغرب، وإنما سؤال يتعلق بالاتجاه الذي نريد لكرة القدم الوطنية أن تسير فيه: هل نواصل بناء مدرسة مغربية أثبتت قدرتها على صناعة الأبطال، أم نعود إلى البحث خارجها كلما تعثرت فئة من الفئات؟
فاللقب العالمي الذي يحمله هذا المنتخب ليس مجرد ذكرى، بل مسؤولية تفرض أن تكون اختيارات اليوم في مستوى طموحات كرة القدم المغربية غدًا.



