سبتة المغربية
بقلم: العلمي المغربي
هناك مدن لا تسكن الخرائط، بل تسكن القلوب. ومدن قد تحجب عن العين، لكن لا تستطيع الأيام أن تحجبها عن الذاكرة. وسبتة واحدة من تلك المدن التي ظلت، رغم تعاقب القرون، تقيم في الوجدان المغربي كما يقيم الضوء في ذاكرة البحر.
حين يذكر اسم سبتة في المغرب، لا تستحضر الذاكرة حجرا وحدودا وميناء فحسب؛ تستحضر مدينة كانت يومًا من حواضر العلم، ومسرحًا لحركة فكرية وروحية تركت آثارها في الثقافة المغربية والمغاربية. إنها المدينة التي خرج منها القاضي عياض، أحد أعلام الفكر المالكي والسيرة النبوية، وصاحب الشفا بتعريف حقوق المصطفى؛ ومنها أيضًا أبو العباس العزفي، الذي جعل من الاحتفاء بالمولد النبوي جزءًا من الذاكرة الدينية والثقافية للمدينة والمغرب.
كأن سبتة، وهي تطل على البحر، كانت تعرف منذ قرون أن البحر لا يفصل دائمًا؛ أحيانًا يكون جسرًا للذاكرة. فمن مرافئها عبر العلماء والكتب والأسانيد، واتصلت ضفتا المتوسط بحركة علمية لم تكن تعرف الحدود التي ستضعها السياسة بعد ذلك بقرون.
وفي سبتة لم يكن العلم ترفًا عابرًا. كانت المدينة مصنعًا للمعرفة، ومجالًا للفقه والحديث والتاريخ والتراجم والأدب. ومن رحابها خرج مؤرخون ورواة وفقهاء، حتى صار اسمها مقترنًا بطبقة من العلماء الذين أسهموا في تشكيل الحياة العلمية في المغرب والأندلس. ولذلك فإن استحضار سبتة من خلال علمائها ليس استدعاءً للماضي من أجل الماضي، وإنما استعادة لجزء من السيرة الثقافية للمغرب.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن القاضي عياض لم يكتفِ بأن يكون ابن سبتة، بل جعل من تاريخها موضوعًا للكتابة والتوثيق. وكأن المدينة كانت تبحث، منذ ذلك الوقت، عن وسيلة أخرى لتحصين ذاكرتها: أن تُكتب.
فالمدن قد تُحاصر بالأسوار، وقد تتبدل سلطاتها، وقد تتغير خرائطها؛ أما المدينة التي تدخل الكتب فلا يغلق عليها باب.
ولهذا تبدو الإشارة إلى سبتة في سياق المولد النبوي أكثر من مجرد استدعاء تاريخي. إنها تفتح نافذة على طبقات متراكمة من الذاكرة المغربية: من الشفا إلى الدر المنظم، ومن تراث المولد والسيرة إلى دلائل الخيرات، ومن حلقات العلم إلى ذاكرة التعبئة والتحرير. هنا تتداخل الجغرافيا بالروح، والتاريخ بالوجدان، والمدينة بالكتاب.
ولعل في اختيار هذه الرموز بالذات ما يستحق التأمل. فالقاضي عياض والعزفي ليسا مجرد اسمين في سجل العلماء؛ إنهما ابنا سبتة اللذان خرج من مدينتهما تراث ظل حيًا في المغرب قرونًا طويلة. وعندما تستعاد أسماؤهما اليوم، فإن المدينة تستعيد معها شيئًا من صورتها القديمة: سبتة الحاضرة المغربية التي كانت تُنتج العلم كما تنتج الموانئ حركة السفن.
إنها مفارقة التاريخ: قد يستطيع الزمن أن يغير ملامح المكان، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يغير معنى المكان.
ولهذا فإن سبتة في الوجدان المغربي ليست مجرد سؤال حدودي. إنها سؤال ذاكرة. والذاكرة الوطنية لا تعمل بمنطق الخرائط وحده؛ إنها تحتفظ بالأسماء، بالعلماء، بالكتب، بالأضرحة، بالمساجد، بالحكايات، وبكل ما راكمته الأجيال حتى أصبح المكان جزءًا من تعريف الجماعة لنفسها.
ومن هنا، فإن الحديث عن سبتة لا يحتاج إلى صخب كي يكون قويًا. يكفي أن تُذكر أسماء علمائها، وأن تُفتح كتبها، وأن تُستعاد سيرتها، حتى تتحدث المدينة بنفسها.
فسبتة لا تحتاج إلى من يعرّفها للمغاربة؛ المغاربة يعرفونها منذ أن عرفوا أسماء علمائها.
وإذا كانت السياسة تصوغ الحدود بالحبر، فإن التاريخ يصوغ الذاكرة بالقرون.
وبين الحبر والقرون، تظل سبتة هناك: على صخرة المتوسط، في مواجهة البحر، وفي الجهة الأخرى من الزمن؛ مدينةً يمر فوقها التاريخ، ولا يمر منها.
ستبقى في الوجدان المغربي لا لأن الماضي يطالب بحقه فحسب، بل لأن الذاكرة، حين تكون عميقة، لا تعرف معنى النسيان.
سبتة المغربية… مدينةٌ غابت عن الجغرافيا السياسية، ولم تغب يومًا عن جغرافيا القلب.



